الفصل الخامس عشر
أنهارٌ تجري أسفل أقدامهم التي لا تلامس الماء، وكأنهم يسيرون فوق بلاطٍ شفاف، رغم سرعة تدفق التيار تحتهم. وعلى امتداد البصر، يصطف صفّان من الشخصيات العظيمة، كل واحد منهم يحمل هيبةً وكبرياءً يكفيان لفرض الصمت على من حوله.
كان الضغط في القاعة هائلًا، نتيجة تداخل الزخم والقوة، إذ يتباهى كل فرد منهم بقدرته المتزايدة على امتصاص الدماء.
أجل، يا سادة... مرحبًا بكم في مملكة مافيستا.
داخل جدران القصر الخاص بالعائلة الحاكمة الرئيسية، وتحت أرضيته تحديدًا، يكمن الأصل الأول لكل نوع، المكان الذي خرج منه عرق مصاصي الدماء وتفرّعت سلالاته.
في هذه الليلة، ليلة اكتمال البدر القرمزي، جلست على العرش امرأة زادها العمر فتنةً وجمالًا. كانت الهالة الناعمة المحيطة بها تمنحها مظهرًا وكأنها تضيء وسط الظلام.
إنها الملكة الأم.
"أيتها الملكة، الجميع حاضر، عدا كايل بالطبع. يمكنكِ التحدث."
جاء الصوت بنبرة طاغية، تحمل في داخلها زخم العطش الأسود الذي ملأ القاعة.
كان صاحبه وليام، الأخ الأصغر لكايل، والمرشح الأول لخلافة العرش، وعبقرية مملكة مافيستا بلا منازع.
لم تكن عيناه تتجولان في القاعة، بل كانت تستقر باستمرار على شيء واحد فقط.
العرش.
بالنسبة إلى وليام، لم يكن هذا الاجتماع مجرد استدعاء عائلي. لقد كان اللحظة التي انتظرها منذ سنوات؛ اللحظة التي ستعترف فيها والدته بأن الشخص المناسب للحكم هو هو.
كانت الملكة غارقة في صمتها، ولم تعلّق على كلمات ابنها.
الجميع كان يعلم بطموح وليام. لم يكن يخفي رغبته في الوصول إلى السلطة، وما يقف في طريقه الوحيد هو قدرة والدته على رؤية المستقبل والتنبؤ به.
«لا أنكر أن قدرتها أنقذتنا من كوارث عديدة، وجنّبتنا حروبًا دامية. وكان أعظم قرار اتخذته نبوءتها هو نفي كايل.»
حدّق وليام في العرش، بينما استمرت أفكاره في التوسع.
«أعلم سبب جمعك لنا اليوم. تريدين إعلاني ملكًا لمصاصي الدماء. أخيرًا سأتمكن من فرض هيمنتي على مملكة مصاصي الدماء بأكملها. مجرد أمر مني، أو نظرة واحدة، ستجعل الجميع يركعون أمامي.»
كان يرى نفسه بالفعل جالسًا على ذلك الكرسي.
الكرسي الذي صُنع للحظة وصوله إلى القمة.
لكن صمت والدته طال أكثر مما توقع.
للحظة، شعر وليام بشيء غريب.
لم تكن نظراتها نظرات شخص يستعد لمنحه التاج.
فتحت الملكة عينيها القرمزيتين، اللتين امتزجت فيهما حمرة الدماء بوهج مرعب. في اللحظة التي ظهرت فيها عيناها، شعر الجميع بثقل هائل أجبرهم على خفض رؤوسهم.
انخفضت نظرات الحضور إلى البلاط.
كان ضوء القمر الزمردي يتسلل بصعوبة إلى القاعة الملكية، وانعكاسه على أعينهم جعل المشهد أكثر رهبة وغموضًا.
«قوليها يا والدتي... أخبريهم أنني الملك.»
ظل وليام يكرر العبارة في ذهنه.
ثم حدث شيء لم يتوقعه.
نهضت الملكة من عرشها.
توقفت أنفاس الجميع للحظة.
كانت تلك أول مرة تقف فيها لإعلان خبر أو إصدار حكم منذ سنوات. حتى قرار نفي كايل، القرار الذي غيّر مصير المملكة، أصدرته وهي جالسة.
قالت بصوت هادئ، لكنه وصل إلى كل زاوية في القاعة:
"إمبراطور مصاصي الدماء قد عاد."
ساد الصمت.
لم يتحرك أحد.
حتى أولئك الذين اعتادوا مواجهة الموت شعروا للحظة بثقل الاسم الذي سمعوه.
"كل نبوءاتي... كل رؤاي تشير إلى أنه قادم. وأراهن أن كل واحد منكم شعر بوخزة في قلبه، ولو بمقدار بسيط، قبل أيام."
إمبراطور مصاصي الدماء...
لم يكن مجرد لقب.
كان أسطورة.
وجوده في مملكة مافيستا كان أشبه بالحكايات القديمة التي تُروى للأطفال عن بداية عرقهم والقوة التي ورثوها.
"عذرًا، مولاتي..."
خرج صوت أحد الرجال بعد لحظات من الصمت.
كان المساعد الأول للملك السابق، والد كايل.
"لكن منذ أول إمبراطور لمصاصي الدماء بعد الانفجار الباعث، لم يرث أحد تلك القوى، حتى من سلالته."
بدأت الهمسات تنتشر.
ثم تحولت إلى نقاشات حادة.
تجاهل الجميع وجود الملكة للحظات، فقد كان الخبر أكبر من أن يتم استيعابه بسهولة.
"إمبراطور مصاصي الدماء..."
قال وليام الاسم بصوت منخفض.
لكن شيئًا داخله تحطم.
لم تكن المشكلة في الإمبراطور نفسه.
بل في حقيقة أن ظهوره يعني أنه لن يحصل على ما كان يريده.
خرجت قوة هائلة منه دون وعي.
اهتزت القاعة، وتحطمت بعض الأواني السريالية الشفافة المحيطة بهم.
أجل، إنه وليام.
سليل أصل الدمار، والأمير الذي ورث قوة عظيمة لا يمكن تجاهلها.
بالكاد تمكن من السيطرة على قوته، قبل أن تقترب منه والدته.
وقفت أمامه وقالت:
"وليام، أريد منك أن تعثر على إمبراطور مصاصي الدماء. سيكون هو خلاصنا الوحيد."
توقفت لحظة قبل أن تكمل:
"إن حربًا عظيمة، لم يشهد عالمنا مثلها من قبل، قادمة. ظلامٌ وعصرٌ من الفوضى سيغطيان هذا العالم."
نظر وليام إليها بصمت.
كانت هذه المهمة تعني أنه لن يحصل على قوة الملك.
لكنها تعني شيئًا آخر.
إذا كان هو من يجد الإمبراطور أولًا...
فقد يكون هو من يحدد مستقبل الجميع.
انخفض على ركبته، وقبّل راحة يدها، ثم رسم ابتسامة ماكرة.
"سمعًا وطاعة، أيتها الملكة."
كان جميع من في القاعة يعرفون أساطير الإمبراطور.
فمن يرث العرش يرث تجارب وقوى الملوك السابقين، بالإضافة إلى الميزة الأصلية للملك: قوته الأساسية.
لكن تلك القوة لم تعد مضمونة لوليام.
«لقد خسرت فرصتي في الحصول على قوة الملك... كنت سأصبح سيد اللعنات، المتحكم الوحيد بها. كنت سأصبح الأنا الأعظم.»
فكّر وليام وهو يغادر القاعة.
لكن الأمر لم ينتهِ بعد.
خارج القاعة، اعترض طريقه صوت مألوف.
"لقد أرخيت حاجزك الذهني للحظة، أيها الأمير."
توقف وليام.
كان الصوت لابن عمه من العائلة الأصلية الثانية.
"رغبتك في أن تصبح الملك تفوح منك حتى عندما لا تتحدث. ظهور الإمبراطور في هذا التوقيت... قمر قرمزي أزلي، ورؤية تعيد ظهور عصر الفوضى. وفوق ذلك، فإن الإمبراطور بالتأكيد ليس داخل أسوار المملكة."
توقف وليام للحظة.
ثم نظر إليه.
كانت نظراته تحمل تعطشًا قاتلًا.
"إن كنت تلمّح إلى أن ذلك عديم القدرات هو إمبراطور مصاصي الدماء، فسأقتلع لسانك، وسأتأكد من امتصاص آخر قطرة دم منك."
ارتفع جسده عن الأرض.
كان يسير في الهواء على ارتفاع عشرة سنتيمترات فوق البلاط، بينما تحطمت الأرضية أسفله بسبب ضغط قوته.
تراجع ابن عمه بهدوء، لكنه لم يستطع إخفاء دهشته.
«مصاص دماء بلا قدرات؟ عار عائلتنا... لا يحق له حتى أن يعيش، ناهيك عن امتلاك عظمة وقدر كهذا.»
فكّر وليام، وهو يمرر أنامله بين خصلات شعره.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!