الفصل الثامن و العشرون
كان تدفّق الطاقة في كل خلية من جسده أمرًا لا يمكن وصفه.
شعر ديفيد وكأن جسده أصبح وعاءً يحمل إرث مقاتلين من عصرٍ قديم. عدد حركات السيف التي اختُزنت في عقله، ودقة الضربات التي تحرك بها دون تفكير، جعلته يشعر وكأن ذكريات المعلمين القدماء قد اندمجت مع روحه.
كل ضربة كان يوجهها كانت تمحو أثر أحد كيانات الكيتو.
لم يكن يقاتل بعشوائية.
بل كان يتحرك بغريزة شخص وُلد من أجل حماية شيء مهم.
وبعد أن انتهت المعركة...
ساد الصمت.
لم يبقَ في المكان سوى آثار الدمار وبقايا الكيتو المتناثرة.
لكن نابيلار...
لم يكن لها أي أثر.
---
وقف ديفيد وسط الخراب، يبحث بعينيه في كل اتجاه.
ثم شعر بشيء غريب.
ظهرت فجأة علامة صغيرة على خده.
وشم على هيئة ريشة.
لم يعرف معناها، ولم يعلم أنها لم تكن مجرد علامة.
فوق برج الساعة، في أعلى نقطة بالمنطقة، كان هناك رجل يجلس بصمت.
كان يراقب كل شيء.
المعركة.
اختفاء نابيلار.
وظهور قوة ديفيد الجديدة.
لكن ديفيد لم يكن قادرًا على رؤيته.
---
"لقد بدأت بيادق المعركة بالتحرك."
خرج صوت الرجل هادئًا، لكنه كان يحمل استياءً واضحًا.
"ومع ذلك... حتى الآن، لم يجد كيان الفوضى، سيدي العظيم، وعاءً يحمل الحقد والاستسلام والرغبة في التدمير."
نظر إلى المدينة المدمرة.
كان يبحث عن شخص معين.
شخص لا يشكل خطرًا على الآخرين فقط...
بل على نفسه أيضًا.
"في كل هذا الخراب..."
تساءل بصوت منخفض:
"ألا يوجد شخص يمثل الخطر الأعظم على نفسه وعلى كلا الجنسين؟"
---
لكن قبل أن يحصل على إجابة...
تغير تعبير وجهه.
شعر بوجود قادم من أقصى المدينة.
أغلق عينيه للحظة، ثم استخدم قدرته ليرى من خلال أعين كائنات الكيتو المنتشرة هناك.
ورأى رجلًا.
كان يسير فوق الأرض وكأنه لا يخضع لقوانينها.
خطواته تحمل ثقلًا مرعبًا، وحركته مليئة بالغرور والثقة، وكأنه يريد أن يعلن للجميع عن قوته.
حتى كيانات الكيتو تراجعت أمامه في خوف.
وخلفه...
كان يسير سبعة رجال.
---
"إنهم نخبة مصاصي الدماء من العائلة الملكية."
قال الرجل فوق البرج بقلق.
"سيصبح وضعنا خطرًا إذا اكتشف هؤلاء الحمقى من كلا الجنسين خططنا."
لم يكن يريد جذب انتباههم.
خصوصًا بعد أن رأى بينهم أحد فرسان التطهير.
لذلك، اختفى من فوق برج الساعة دون أن يترك أثرًا.
---
في تلك اللحظة، كانت المدينة تغرق في الفوضى.
المباني مدمرة.
الأصوات تصرخ في كل مكان.
والناجون يمدون أيديهم طلبًا للمساعدة.
لكن الرجل الذي دخل وسط هذا الخراب لم يلتفت إليهم.
كان يسمع صرخاتهم فقط كضجيج مزعج.
كل يد امتدت نحوه طلبًا للنجدة تجاهلها ببساطة.
بل إن الأمر كان يثير اشمئزازه.
"كائنات لا تستطيع حتى حماية نفسها..."
قال بهدوء.
"كيف تجرأت على شن هجوم ضدنا؟"
رفع نظره باحتقار.
"نحن الهِرق السامي."
---
لم تكن قوته بحاجة إلى استعراض.
مجرد همساته كانت كافية لإبعاد كيانات الكيتو عن طريقه.
لم تكن قوته مدمرة إلى درجة القتل الفوري...
لكنه بالتأكيد لم يكن ضعيفًا.
كانت الكيتو تدرك ذلك.
---
"سيدي، لقد وجد صامويل الإمبراطور!"
اقترب أحد الرجال منه وأخبره بذلك.
كانوا بالكاد قادرين على تحمل وجود البشر في هذا المكان.
لكن بفضل السماء الدموية، لم تعد أشعة الشمس تؤثر في قوتهم كما كانت تفعل سابقًا.
نظر وليام أمامه بلا اهتمام.
"المهمة واضحة."
قال ببرود:
"علينا إحضار الإمبراطور."
ثم ظهرت ابتسامة باردة على وجهه.
"تأكد أنني سأفعل ذلك."
"وبعدها سأعود لأُحطم جماجم هؤلاء البشر."
---
أعاد وليام خصلات شعره للخلف بحركة مليئة بالنفور.
لم يكن شخصًا يخلف وعوده.
خصوصًا وعده لوالدته.
لكن رغم ذلك...
كان هناك جزء منه لا يريد لقاء كايل.
كان يعلم أنه موجود في مكان ما من عالم البشر.
وربما...
كان هناك اشتياق صغير يختبئ في داخله.
لكن الحقيقة تبقى حقيقة.
عديم القدرات يظل عديم القدرات.
وهذا بالنسبة إلى العائلة المالكة...
عار لا يُغتفر.
---
"كم تمنيت أن أطلق العنان لقوتي."
نظر وليام إلى المدينة.
"والآن..."
ظهرت ابتسامة متعجرفة على وجهه.
"أتتني الفرصة لأجعل البشر يدركون مكانتهم."
لكنه لم يكن يعلم بعد...
ما الذي ينتظره داخل هذا العالم.
ولم يكن يعلم أن أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه صاحب القوة...
هو أن يقلل من شأن من لا يملكها.
فهل البشر مجرد كائنات ضعيفة لأنها لا تمتلك قوى خارقة؟
أم أن الغرور بالقوة هو أول طريق للسقوط؟
...
كانت نابيلار تقف في المنتصف.
تحدّق بهم بصمت، بينما كانت الأثقال تقيد أطرافها، وكأنها مجرمة خطيرة تنتظر الحكم عليها.
كانت نظراتهم مليئة بالاشمئزاز.
ينظرون إليها وكأنها وحش، وكأنها السبب وراء كل الكوارث التي حلت بهم.
لكنها لم تخفض رأسها.
لم تمنحهم ذلك الرضا.
---
"لن ينفع الضغط على والدي بمحاولة التخلص مني."
همست نابيلار من بين أسنانها، وهي تراقب نتائج الفحص الذي أُجري عليها.
كانت كل التحاليل واضحة.
لا أثر لأي قوة هجينة.
لا اختلافات غريبة.
إنها مجرد بشرية.
وهذا وحده كان كافيًا لقلب كل توقعاتهم رأسًا على عقب.
---
"لا بد أن هناك خطبًا ما."
تحدث أحد الرجال، وكان في عمر قريب من عمر والدها.
حدق في نتائج الفحص بعدم تصديق.
"جميع معلوماتنا تؤكد أن ابنة فيقاس هجينة. ما اللعنة التي أصابت أجهزتكم؟"
لم يكن قادرًا على تقبل النتيجة.
فإذا كانت نابيلار بشرية فعلًا...
فكل خططهم السابقة بنيت على معلومات خاطئة.
---
كان الرجل ينظر إلى فيقاس باحتقار في داخله.
لقد اقترب من نهاية حياته، فلماذا يتمسك بالسلطة إلى هذا الحد؟
أليس من الحكمة أن يترك الجيل الصاعد يحكم، بينما يكتفي هو بدور المرشد والناصح؟
لكن ربما...
لم يكن الأمر متعلقًا بالسلطة فقط.
ربما كان هناك شيء آخر يدفعه للاستمرار.
---
"إنها المرآة المئوية."
قال المسؤول عن الاختبار بثقة.
"لا يوجد أي خطأ في نظامنا، سيدي."
ساد الصمت.
خيبة الأمل ظهرت على وجوه الحاضرين.
حتى أولئك الذين كانوا يتابعون الفحص خلف الشاشات لم يستطيعوا إخفاء صدمتهم.
لم تتوقع نابيلار أن الحكام الأربعة كانوا يتآمرون لإسقاط مملكة والدها، وأنها ستكون إحدى الأوراق التي يستخدمونها لتحقيق ذلك.
---
في تلك اللحظة، اقترب أحد الرجال بسرعة من رئيسه.
كان وجه الرئيس يحمل غضبًا مكبوتًا، وكأنه على وشك الانفجار.
انحنى الرجل وهمس:
"سيدي... انظر."
رفع الرئيس عينيه نحو الشاشة.
ثم عقد حاجبيه.
لكن سرعان ما ظهرت ابتسامة ساخرة على وجهه.
---
"إنه فيقاس..."
همس.
كان واقفًا هناك.
بجانب أكثر شيء يهمه في هذا العالم.
وبيده...
سلاح الموجات.
---
لو اقترب خطوة واحدة من الفراش الذي يرقد عليه أخوه...
ستنتهي حياته.
صحيح أن العلماء استطاعوا إبقاء جسده حيًا، لكن غياب وعيه، وغياب صوته الذي كان يشتاق لسماعه، كانا كافيين لتحطيم كل دفاعات هذا الرئيس.
فلكل شخص نقطة ضعف.
والفوضى لا تحتاج إلى تحطيم الإنسان بالكامل.
يكفيها أن تجد تلك النقطة...
ثم تجعلها ترقص على أنغامها.
---
"اللعنة..."
خرجت الكلمات من بين أسنانه.
"اللعنة عليك يا فيقاس..."
كان يلعنه بصوت منخفض.
لقد خاطر بكل شيء.
أقنع بقية الحكام بضرورة تنفيذ حكم الإعدام على مملكة كاملة، أو تقديمها قربانًا لمصاصي الدماء، فقط من أجل حصر الحرب بعيدًا عن أراضيهم.
لكن ظهور فيقاس...
غيّر كل الحسابات.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!