نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 19 من 41
وضع القراءة:

الفصل الثامن عشر

كانت عدة شاشات عرض مصطفة أمامه، تعرض مشاهد جعلته يدرك أنه أصبح في موقف أضعف حتى من اللحظة التي خسر فيها زوجته، وكل التضحيات التي قدمها طوال حياته.
كان يراقب عبر إحدى الشاشات العالم الذي كرس نفسه لحمايته وهو يتداعى أمام عينيه.
صورٌ لتلك الوحوش التي تفتك بالبشر وتمزق أجسادهم، وأنهار من الدماء غطت المنطقة التي بنى فيها المنزل الآمن لابنته الهجينة.
نعم... يا سادة، هذا هو والد نابيلار.
أزار.
الرجل الذي حمل على عاتقه مسؤولية حماية عالم كامل، يقف الآن محاصرًا بين وعد قطعه في الماضي، وكارثة عادت لتهدد كل شيء.
"إنها بالتأكيد الكيتو... نوع بدائي، عدواني، وغير عقلاني من أشكال مصاصي الدماء، قبل أن يتم إخضاعهم بواسطة الفارس المقدس الأول لمصاصي الدماء."
تحدث الرجل الجالس عند نهاية الطاولة التي يبلغ طولها سبعة أمتار، بصوت هادئ يحمل يقينًا كبيرًا.
كان يعرف جيدًا من كانت الفارسة المقدسة.
تلك التي، بسبب حصولها على قوتها، اتُّهمت بأنها نذير شؤم يبشر بعودة إمبراطور مصاصي الدماء.
ذلك الاتهام الذي جعل اسمها مرتبطًا بالخوف والأساطير أكثر من ارتباطه بالبطولات.
"عزيزتي... لو كنتِ هنا، لقمتُ بتطهير هذا المكان من هؤلاء الكيتو."
ظل أزار صامتًا، يمسح شاربه ببطء، وكأن الزلزال الذي يعصف بداخله لا يترك أي أثر على ملامحه الباردة والقاسية.
كان الألم موجودًا، لكنه اعتاد دفنه خلف قناع من الهدوء.
"لكنني الآن عليّ دفع الثمن لأحافظ على هذا العالم، كما وعدتكِ... سأبقيه آمنًا."
ظهرت أربع شاشات أخرى أمامه، تحمل وجوه قادة الممالك ورؤسائها؛ العقول التي تدير وتخطط لمستقبل البشر.
لم يكن هذا اجتماعًا عاديًا.
لقد كان اجتماعًا طارئًا بعد ظهور الكيتو من جديد.
ظهرت وجوه القادة واحدًا تلو الآخر، وكانت نظراتهم تحمل الغضب والخوف في آنٍ واحد.
"سيد فيقاس، إن مملكتك أصبحت مأهولة بمصاصي الدماء. لقد فشلت في حماية المدخل الوحيد لممالكنا، ونحن لن نقبل بهذا."
تحدث أحد ممثلي الممالك، نيابةً عن المملكة الثالثة.
لم يكن صوته يحمل قلقًا على شعبه فقط، بل اتهامًا واضحًا.
"نحن لسنا مستعدين لخسارة المزيد من الأرواح البشرية بسبب وحوش مثلهم."
توقف للحظة قبل أن يكمل ببرود:
"تصرّف، أو سنستخدمك أنت ومملكتك كطُعم لإبادة مصاصي الدماء."
ساد الصمت للحظات.
شعر فيقاس بالاختناق من كلماتهم، لكنه لم يرغب في إضاعة وقته بالرد عليهم.
كان يعرف أنهم لا يبحثون عن حل.
كانوا يبحثون عن شخص يحمّلونه مسؤولية الكارثة.
لذلك، أغلق الشاشات واحدة تلو الأخرى.
وبعد أن اختفت آخر صورة من أمامه، بقي صامتًا للحظات، ثم رفع نظره نحو الرجل الجالس في الطرف المقابل من الطاولة.
كان ذلك الرجل الوحيد الذي يستحق أن يكون بجانبه.
الوحيد الذي شهد أصغر أسراره وأكثرها ظلمة.
كان يهتم بأدق التفاصيل، وينفذ أي مهمة، حتى لو كانت قذرة، من أجل هذا الرئيس.
لم يكن مجرد تابع.
كان ظله الذي لا يفارقه حتى في أكثر الليالي ظلمة.
"ديفيد... ما تقريرك عن المنطقة المحظورة؟"
هز ديفيد رأسه قليلًا قبل أن يجيب:
"اختفت جميع كائنات الكيتو عندما وصلنا إلى ميتم الأطفال المصابين بمرض السرطان."
توقف للحظة، ثم تابع:
"أخفينا كل أثر يدل على وجود الأميرة نابيلار هناك... وكذلك وجود ذلك القاتل."
ثقلت نبرة صوته عند نطق الكلمة الأخيرة.
لم تكن كلمة عادية بالنسبة له.
كانت تحمل خلفها شيئًا يحاول دفنه.
ثم تابع بسرعة:
"أخبرنا الصحف بأن الميتم ومن بداخله لقوا حتفهم بسبب حريق."
ساد الصمت داخل الغرفة بعد انتهاء تقريره.
كان فيقاس يراقب وجه ديفيد للحظات.
ذلك الرجل الذي اعتاد إخفاء مشاعره خلف هدوء لا يتغير.
لكن ديفيد لم يسمح لأي شيء بالظهور.
فقط في داخله كانت هناك أفكار أخرى.
"ذلك المغتال... أقسم أن نابيلار لن تكون لأحد غيري."
"لقد فعلت الكثير حتى أبقى بجانبها، حتى لو اضطررت لأن أصبح مجرد دمية بين يدي والدها وأخيها."
"طالما أنها أمام عيني... فإن كل ما فعلته يهون."
ظل صامتًا وهو يحدق في وجه والد نابيلار، بينما نهض فيقاس من مكانه.
"راقب أزار."
تغيرت ملامح ديفيد قليلًا عند سماع الاسم.
تابع فيقاس:
"لم يُظهر أي تصرف طائش خلال الفترة الماضية، وهذا أكثر ما يقلقني."
ثم أضاف:
"أريدك أيضًا أن توسع دائرة التحقيق. كلانا يعرف أن كائنات الكيتو لا تستيقظ إلا بعد ظهور إمبراطور مصاصي الدماء... ولن تختفي إلا على يد الفارس المقدس."
ظهور الكيتو من جديد... ووجود كايل الذي يحمل قوى لا يمكن تفسيرها... لم يكونا مجرد صدفة.
كان هناك خيط خفي يربط بين كل هذه الأحداث، لكنه لم يستطع الإمساك به بعد.
أغلق باب الغرفة خلفه، وسار في الممر الطويل بصمت.
كانت كلمات فيقاس لا تزال تتردد في ذهنه:
"كائنات الكيتو لا تستيقظ إلا بعد ظهور إمبراطور مصاصي الدماء."
لكن احتمال ظهور الإمبراطور كان شبه مستحيل.
فوفقًا لتاريخ مصاصي الدماء عبر العصور، فإن عودته تحتاج إلى كمية هائلة من شعور معين...
رغبة بالحياة تفوق الرغبة بالموت.
ذلك الشعور الذي لا يظهر إلا عندما يصل اليأس إلى أقصى حدوده.
"الإمبراطور يمثل الفوضى بحد ذاتها..."
همس ديفيد وهو يحدق أمامه.
"أما ظهور الفارس المقدس... فهو مرتبط بظهور الإمبراطور."
بعد عودته إلى غرفته، جلس ديفيد أمام جهازه اللوحي.
مرت ساعات طويلة وهو يراجع أساطير مصاصي الدماء، يبحث عن أي تفسير لما يحدث.
لكن كلما تعمق أكثر، ازدادت الأسئلة.
الكيتو.
الإمبراطور.
الفارس المقدس.
كايل.
كل شيء بدا وكأنه أجزاء من لغز قديم بدأ يتشكل من جديد.
في النهاية، أغلق جهازه اللوحي، وأسند رأسه إلى الخلف، محدقًا في الفراغ.
لكن وسط كل تلك الأفكار، لم يكن هناك شيء يطغى على عقله أكثر من صوت واحد.
صوت نابيلار.
صوتها وهي تختار كايل عليه.
شد ديفيد قبضته ببطء.
لم يكن الألم بسبب خسارته أمام كايل فقط.
بل بسبب شعوره بأن كل ما فعله طوال السنوات الماضية لم يكن كافيًا.
نظر إلى يديه.
كانتا نظيفتين تمامًا.
لكن عقله رأى شيئًا آخر.
دماء.
الكثير من الدماء.
شعر بأنه لا يزال بحاجة إلى التطهر.
نهض ببطء واتجه نحو الحوض.
ثم، دون تردد، غمر جسده بالكامل تحت الماء.
مرت الثواني ببطء.
ثم الدقائق.
لكن المشهد لم يتغير.
حتى تحت الماء، بقيت يداه أمام عينيه مغطاتين باللون الأحمر.
اضطر للخروج عندما بدأت رئتاه تطلبان الهواء.
فتح عينيه وحدق مجددًا في يديه.
لا شيء.
كانتا نظيفتين.
لكن عقله رفض تصديق ذلك.
مهما كرر الأمر، ومهما حاول غسل يديه، كان عقله يعيد المشهد نفسه.
اللون الأحمر لم يختفِ.
"تبا..."
خرج صوته ضعيفًا.
"لماذا لا يختفي هذا اللون؟"
ارتجف صوته أكثر.
"أنا أكرهه..."
لم يكن يتحدث عن الدم فقط.
بل عن الذكرى التي يحملها معه.
ذكرى تلك الليلة قبل خمسة عشر عامًا.
بدأت الصور تعود إلى ذهنه.
وشم جناح الصقر الذي كان على صدرها...
كان يتلاشى ببطء، تمامًا كما كانت هي تتلاشى أمامه.
لكن أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرته لم يكن الدم.
بل ابتسامتها الأخيرة.
وذلك كان أكثر ما حطمه.
"أين الأدوية؟"
بدأ صوته يرتجف.
"أين المهدئات؟"
تحرك بسرعة، وكأنه يحاول الهروب من شيء يطارده.
"لا... لا أريد تذكر تلك الليلة."
وضع يده على رأسه.
"يجب أن تُمحى من عقلي."
توقف للحظة، ثم خرجت الكلمات من بين شفتيه بصعوبة:
"أنا... أنا لم أقصد قتلها."
ارتجف جسده.
"أنا..."
لم يستطع إكمال الجملة.
خرج من الحمام وهو يجر ثيابه المبللة، واتجه نحو الغرفة المجاورة.
كانت الغرفة ممتلئة بالأدوية المختلفة، أشبه بصيدلية قديمة.
بيد مرتجفة، فتح إحدى العلب.
سكب عدة حبات في يده.
واحدة تلو الأخرى...
ثم ابتلعها دفعة واحدة.
جلس للحظات وهو يحاول تهدئة نفسه.
لكن كلمات كايل عادت مرة أخرى.
"نظف يديك."
تلك الجملة البسيطة كانت كافية لإعادة كل شيء.
لم تكن نصيحة.
كانت تذكيرًا.
تذكيرًا بكل ما حاول دفنه.
ازدادت أنفاس ديفيد اضطرابًا.
"لن أتركك وشأنك يا كايل."
أمسك علبة الدواء ورماها بعيدًا.
اصطدمت بالحائط وسقطت على الأرض.
رفع عينيه، وكانت نظراته مليئة بالكراهية.
"أقسم بغاليتي نابيلار..."
توقف للحظة.
ثم تابع بصوت منخفض:
"أنك لن ترى شمس كبريائك مرة أخرى."
استلقى ديفيد على الأرض، يحدق في السقف بلا حركة.
كان جسده ساكنًا...
لكن عقله كان لا يزال عالقًا في الماضي.
"نابيلار..."
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.