نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 15 من 41
وضع القراءة:

الفصل الرابع عشر

في تلك الغرفة التي أصبحت ممتلئة بآلات التدريب الحديثة، كان يتأمل كيف أن جسده الضعيف الهزيل قد تحسّن خلال فترة وجيزة. كل قطرة عرق تسقط على البلاط كان يسمع صوتها بوضوح.
لسبب ما، أصبح عطر نابيلار مألوفًا لديه؛ يميّزه حتى وإن لم تكن موجودة في الغرفة. كان يدرك أنها كانت هنا، حتى إن تنفّسها وهي في المطبخ أصبح واضحًا لأذنيه.
"كل هذا بسبب متلازمة بقائك مع مجنونة مثلها."
فكّر وهو يرفض الاعتراف بأن هناك شيئًا غريبًا يحدث له، ثم واصل رفع الأثقال التي أصبحت بالنسبة إليه أخف من ريشة.
"كايل، أخبرني، كيف تمكّنت من إسعافي في ذلك اليوم؟ أعني، أنت لا تستطيع الخروج من هنا."
كان صوت نابيلار يشبه جرسًا له إيقاع خاص في روحه. كلما تحدثت، شعر برغبة غريبة في ألا تصمت.
"سألت إيف ثلاثة عشر. كنت عاجزًا، أعترف بذلك."
قالها وهو يستعيد تلك اللحظة في ذهنه؛ رؤية نبضها الضعيف جعلت جنونه يصل إلى أقصاه. مجرد التفكير في احتمال خسارتها كان يزعجه، بل كان يسمّم جسده بالكامل. هو لا يقبل بزوالها.
"أوه..."
تلك الفراشات التي اجتاحتها عندما رأت المشاعر المكبوتة خلف عينيه لم تكن بسبب كلماته فقط، بل بسبب ما أخفاه خلفها؛ خليط من الحسرة والندم والرغبة في منع تكرار ما حدث.
ثم قالت:
"على كل حال، ستتحرك السلطات بعد ذلك الانفجار، وبالأخص مطاردو مصاصي الدماء. سيكونون الخطر الأكبر إن خرجنا من هنا."
وضع كايل الأثقال جانبًا، وكأنه يرمي ورقة مهملة، فارتطمت بالأرض محدثة أثر تحطّم جزئي في البلاط.
اقترب منها حتى وقف أمامها، وقال:
"لقد وعدتِ بأنك ستخرجينني من هنا إن حصلتُ على هذه العضلات."
خرج صوته بنبرة متذمّرة ومتطلّبة، جعلت ابتسامتها تتسع أكثر. لقد بدأ يعجبها هذا الإيقاع بينهما، خصوصًا عندما كان يشير إلى عضلات بطنه السداسية وكأنه ينتظر اعترافها بإنجازه.
"لقد كنت أتدرّب بمعدل ثماني عشرة ساعة يوميًا لأكثر من أسبوعين. نفّذت تعليماتك دون اعتراض، وحان الوقت لأتلقى جائزتي."
توقّف للحظة وهو ينظر إليها.
لم يفهم لماذا تبدو هي بالتحديد بهذه الروعة في كل مرة تلتقي فيها عيناه بعينيها. كان هذا الشعور جديدًا عليه، غريبًا بطريقة جعلته أكثر حذرًا.
"حسنًا، الوعود قُطعت لتُوفى، والعار على من يخلف العهود."
قالتها وهي ترسم، دون وعي، قلبًا على صدره. لم تدرك ما فعلته إلا بعد لحظات، فارتعشت أصابعها قليلًا ورمشت عدة مرات. احمرّت أذناها رغم محاولتها الحفاظ على ثبات نظراتها.
هذه المرأة لم تكن تستفزّه أو تختبر مقدار تحكّمه بنفسه، بل كانت تجعله يغرق في تفاصيلها دون أن يحاول.
"هنالك لحظة تدرك فيها الفريسة أنها تمشي بقدميها نحو مصيدتها، لكنها تواصل السير رغم معرفتها بالنهاية."
توقفت نابيلار عن الابتسام للحظة، بينما بقي كايل يراقبها بصمت.
لم يكن يريد الاعتراف بهذا الشعور الذي بدأ ينمو داخله. كان أسهل عليه مواجهة عدو أقوى منه على أن يواجه شيئًا لا يستطيع السيطرة عليه.
لم تجبه، واكتفت بمراقبته وهي تحدّق في هيبته وصمته، حتى استدار ودخل الحمام.
أغلق الباب خلفه بقوة، ثم انزلق عليه وكأنه يحاول كتم نبضات قلبه التي أصبحت أعلى من اللازم.
ضرب بقبضته على البلاط وهو يستعيد تفاصيل تلك الليلة.
"هل ستكرهينني إن علمتِ الحقيقة؟"
قالها بصوت منخفض، مستغربًا من نفسه ومن جرأته على الاستمرار في قصة كاذبة.
لم يكن يعلم أن تلك الحادثة لم تغيّر حياته وحده. ففي مكان آخر، كان هناك من يحاول فهم القوة التي ظهرت في ذلك الانفجار، والسبب الحقيقي وراء اختفاء قدرات العديد من مصاصي الدماء.
---
في منطقة محاطة بأكثر الأجهزة تطورًا، كان هناك عدد هائل من العملاء من مختلف الجنسيات، وغرف شفافة تكشف الاختبارات التي تُجرى في الظل.
وقف العلماء أمام أزار وهم يعرضون نتائج تحقيقاتهم.
"سيدي أزار، توصّل فريقنا، بعد تحرٍّ استمر لأكثر من أسبوع، إلى أن سيل الطاقة الذي انبعث عند تشغيل نموذج سلاحنا السري..."
رفع أزار إصبعه مقاطعًا إياه:
"أحم، سلاحي السري. أنا من وجد حجر المذنب الأسطوري، لذا فهو ملكي. بالإضافة إلى أنني أقدّر مجهوداتكم في تحويل ذلك الخام إلى أداة فتاكة."
ثم أشار إليه بالاستمرار.
"إنه انفجار عكسي متدرّج التأثير. كل مصاص دماء كان بالقرب من منطقة الانفجار لديه احتمال بنسبة تسعة وتسعين بالمئة أن تختفي قدراته. أما أنت، فلم تفقد كامل قدراتك لأنك كنت على مسافة بعيدة من مصدر الانفجار. ما زلت تتأثر جزئيًا بأشعة الشمس، لكن تعطشك للدماء اختفى."
توتّر العالم قبل أن يتحدث بصوت خائف:
"لكن هذا ليس كل شيء. لقد التقطت مستشعراتنا وجود قوة تُضاهي قوة حجر النيزك الخام، سيدي... هل تصغي إليّ؟"
شعر العالم المسؤول عن تجربة السلاح السري بالحرج والقلق في الوقت ذاته عندما لاحظ ضحك أزار وملامحه التي بدت غير منطقية أمام خطورة ما اكتشفوه.
"أنا مستمتع بهذه النتائج. الآن أخبرني، ما أخبار حالة منطقة نابيلار؟"
قال أزار وهو يحدّق في موقع الانفجار، متأملًا تدرّجات أثره التي امتدت على نطاق المنطقة المجاورة.
كان هناك شيء لا يتطابق مع توقعاته. لقد كان الانفجار قويًا بما يكفي لتغيير موازين القوى، ومع ذلك بدا أن تأثيره قد توقف قبل الوصول إلى المستوى الذي أراده.
"هنالك عوامل جعلت أثر السلاح ناقصًا... أريد أن أعرف كيف حدث ذلك، ولماذا."
فكّر أزار وهو يأخذ نفسًا عميقًا.
لم يكن ما يشغله مجرد انخفاض قوة الانفجار، بل السبب الذي جعل بعض الأنظمة تصمد أمامه. فهناك شيء ما استطاع مقاومة القوة التي كان يعتقد أنها لا تُقاوَم.
قبل أن يحصل على إجابة، قاطعه صوت رجل آخر.
انحنى الرجل أمامه ثم قال:
"نجحنا في تعطيل نظام الذكاء الاصطناعي الخاص بها. لم يعد قادرًا على استقبال الأوامر أو تنفيذ الطلبات، وكان الانفجار العامل الأساسي الذي خلق فجوة وثغرة أمنية في نظام إيف ثلاثة عشر."
ابتسم الرجل، معتبرًا هذا الاختراق هبة من القدر. فلم تكن "إيف 13" مجرد نموذج ذكاء اصطناعي صنعه البشر، بل كان قد دُمج معها جزء من قدرة أحد مصاصي الدماء.
"يسمّي والدي نفسه إنسانًا، ومع ذلك قام بيديه بتحويل ذلك المصاص إلى إيف، باستخدام قدرته على إعادة الأشياء المحطمة إلى أصلها، فقط ليكبح وحشية ابنته. ثم يأتي ليعيّرني أنا، أزار، بالوحش!"
تحدث أزار بسخرية، لكن الغضب كان واضحًا خلف كلماته.
لطالما رأى نفسه ضحية تناقض والده؛ رجل يدّعي الرحمة بينما صنع شيئًا يراه أزار دليلًا آخر على فساد هذا العالم. وكل محاولة من والده لمساعدة أخته لم تكن بالنسبة إليه سوى تذكير بسبب اللعنة التي يريد محوها.
لم يعد الأمر مجرد تجربة أو صراع على القوة.
لقد أصبح الأمر شخصيًا.
"لقد تغيّرت الخطة. سننفّذ الهجوم على مملكة مافيستا، بغضّ النظر عمّا إذا وافقت ممالك البشر الخمس على هذا القرار أم لا."
خرجت كلمات أزار بهدوء، لكنها حملت ثقل قرار لا رجعة فيه.
ساد الصمت لعدة دقائق بين العلماء المحيطين به.
لم يكن صمت اعتراض، بل كان صمت من يدركون أن شيئًا كبيرًا على وشك الحدوث.
ثم بدأ التصفيق.
تبعته صفارات حماسية من أرجاء المختبر. لم يكونوا خائفين من الخراب القادم، بل كانوا ينتظرونه.
كانوا يريدون رؤية العالم يتغير أمام أعينهم.
أخرج أزار من جيبه قلادة تتدلّى منها قنينة صغيرة تحتوي على سائل يشبه الدماء.
نظر إليها للحظات، ثم قال بصوت منخفض:
"آسف يا أمي... لكن إنقاذ عائلتنا سيكون على حساب فناء العالم الذي نبذكِ."
قبّل القلادة، بينما كان يراقب ببطء علماء مختبره وهم يبلغون ذروة حماسهم.
في تلك اللحظة، لم يكن أزار يرى نفسه وحشًا.
كان يرى نفسه الشخص الوحيد المستعد لفعل ما يلزم.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.