الفصل السادس و الثلاثون
كانت مستعدة لدفع أي ثمن.
طلب أي قوة.
فقط لإنقاذ هذه الفتاة الصغيرة.
---
في تلك اللحظة، وصلت نابيلار.
كانت تحمل مذكرة والدتها بين يديها.
قالت بسرعة:
"علينا طعن زعيم الفوضى بالسيف المقدس الذي تملكه يا ديفيد، إذا أردنا تحرير الوعاء."
ثم نظرت نحو مينا.
"يجب أن تكون الطعنة في منطقة القلب."
تجمد أزار.
ثم ضرب كفيه بالبلاط بقوة.
بالطبع كان يعرف هذه الطريقة.
لكن المشكلة...
أن احتمالية نجاة مينا بعدها كانت شبه معدومة.
قبل أن ينطق أحد بكلمة...
انفجرت قوة هائلة في المكان.
اندفع الجميع بعيدًا عن مينا.
ارتجت الغرفة.
ومن وسط الطاقة السوداء ظهر رجل في أواخر العشرينات، تحيط بجسده شعلات مظلمة.
وبجانبه...
كانت فتاة.
اتسعت عينا ماليسا فورًا.
عرفتها.
"ت... تاتيانا؟!"
تلعثمت كلماتها.
"لقد دفعتِ القارب كي أعيش أنا... حتى أتمكن من إنقاذ ابنتي."
ارتجف صوتها.
"كيف... كيف أنتِ حيّة؟!"
عقد أزار حاجبيه.
كل كلمة يسمعها تزيد الأمر تعقيدًا.
ثم جاء صوت تاتيانا ببرود مؤلم:
"لقد فتحت قلبي لكِ."
اقتربت منها.
"ومددت يدي لمساعدتك في البحث عن ابنتك."
ثم تغيرت نظرتها.
"لكن في لحظة الخطر..."
صمتت للحظة.
"اخترتِ نفسك."
نظرت إليها بألم.
"وتركتِني أواجه الموت وحدي."
نزلت تاتيانا حتى أصبحت في مستوى ماليسا، التي كانت تزحف إلى الخلف حتى اصطدم ظهرها بسرير مينا.
ومن طرف عينها...
نظرت إلى أزار.
كان عاجزًا عن تصديق ما يسمعه.
ولا ما يراه.
اقترب أزار من تاتيانا، وهو يظن أنه خسرها إلى الأبد. كان هناك جزءٌ في قلبه يتمنى لو أن هذه اللحظة حدثت في ظرفٍ مختلف، في وقتٍ آخر، بعيدًا عن كل هذا الألم.
توقف قبل أن يمد يده نحوها. كانت بشرتها شاحبة، بل أكثر شحوبًا من بشرة مينا. ركّز نظراته عليها، مفعّلًا ما تبقى لديه من قدرات مصاصي الدماء.
رغم كراهيته الشديدة لاستخدام قواه، فإن ما يحدث الآن كان مرحلة حرجة. هو بحاجة إلى العودة إلى الماضي، وقدرته تتيح له البقاء هناك ثلاثة أيام فقط قبل أن يُجبر على العودة إلى الحاضر.
لكن لقوته ثمنًا باهظًا؛ أولها احتمال فقدان طاقته الحياتية بالكامل. لهذا السبب لم يجرؤ يومًا على استخدامها، حتى ولو عن طريق الخطأ. نعم، كان حريصًا على حياته، وكان يكره عرق مصاصي الدماء لهذا السبب تحديدًا.
لكن مَن تقف أمامه ليست مجرد امرأة... إنها مينا، ابنته، وعليه إنقاذها. ربما ما هي عليه الآن هو عقاب له على أفعاله، أو ربما كان نتيجة مباشرة لما فعله في الماضي.
ومع ذلك، فإن الشخص الذي يراه أمامه أيضًا هو تاتيانا؛ خطيبته السابقة التي أنهى علاقته بها من أجل هذه الحرب اللعينة.
"أنتِ... ميتة."
كانت عيناه القرمزيتان، اللتان لطالما اشتهرتا بقدرتهما على تمييز الموتى، تؤكدان له الحقيقة. قلبها لا ينبض.
سقطت دمعة على خده.
لقد ضحّى بكل شيء، حتى بمشاعره. فلماذا يشعر الآن بهذا الحزن؟ بهذا الندم؟!
"هه... أليس هذا ما أردته؟"
قالت تاتيانا بصوت مختنق، تملؤه المرارة.
"أزار، لقد فعلت المستحيل لأكون بقربك. حتى عندما أنهيت كل شيء بيننا، لم أعترض. بحق الله، أخبرني... لمَ هذا الوجه؟ لمَ هذه التعابير؟"
كانت تتخيل أن الشخص الذي أحبّته بكل ما تملك من عقل وقلب سيُظهر مشاعره أخيرًا.
لكن بعد ماذا؟
بعد فوات الأوان... بعد أن أصبح وجودها نفسه غير حقيقي.
"اللعنة..."
صرخت تاتيانا وهي تهز رأسها بانفعال.
لا يمكن لأزار أن يعود إلى الماضي ليمنع موتها، وهو يعلم ذلك جيدًا. بل إنه هو نفسه لم يعد واثقًا من أن قدرته ما تزال كاملة لتنفيذ ما يفكر فيه منذ فترة طويلة.
في تلك اللحظة، اقترب الرجل الغامض، يتثاءب ببرود، بينما يربت على ظهرها.
"تاتيانا، أنتِ من اختارك زعيم الفوضى لتكوني وعاءه. ما تحتاجينه هو قلب زعيم الفوضى."
قالها وهو يشير نحو مينا.
لسببٍ ما، كانت نابيلار عاجزة عن الحركة، وكأنها دخلت في صدمة نفسية من نوع آخر. عقلها لا يزال يحاول استيعاب ما يحدث.
عليها أن تتخذ قرارًا.
إذا تركت تاتيانا تستحوذ على قلب زعيم الفوضى، فسيموت جميع من في الغرفة. ربما لن تهلك هي، لكن أزار، وحتى ماليسا، وكبيرة القصر، بل وربما كل من في المملكة... سيكونون ضحايا.
ابتلعت ريقها وهي تحدق في أزار، الذي بدا وكأنه يعاني مثلها.
"تاتيانا، أنا أعرفك. أحفظك عن ظهر قلب. هذه ليست أنتِ.
تاتيانا التي أعرفها لا يمكن أن تفعل شيئًا يؤذيني. لم تضعي قلبي يومًا أمام خيار بينك وبين مينا. فلماذا تفعلين ذلك الآن؟!"
يا له من مستوى آخر من الأنانية وصل إليه أزار وهو يقول ذلك!
صفّقت تاتيانا، ثم تقدمت بخطوات واثقة. ومع كل خطوة، تأكدت من أن نابيلار لا تزال محاصرة داخل حاجز الوهم الذي صنعته الشعلات السوداء خصيصًا لها.
حتى عندما علقت مع ماليسا في موقفٍ كان يتطلب تضحية أحدهما، كانت تاتيانا هي من اختارت التضحية بنفسها. لكنها قبل أن تفعل ذلك، خانتها ماليسا.
"بما أن جميع الأحجار قد اكتملت، فلنبدأ المراسم."
قال الرجل ذلك، ثم بدأ بتحريك يديه وترديد تعاويذ غريبة، لتبدأ الغرفة بالاهتزاز تحت ضغط طاقة سوداء هائلة لا تُحتمل.
"نابيلار..."
إنه صوت كايل.
لم تكن تتخيله، ولم تكن تهلوس. لقد كان صوتًا حقيقيًا.
كانت ضائعة، لا تعرف مَن عليها أن تنقذ.
ورغم أن الإجابة كانت واضحة طوال الوقت...
بلا قلب.
لن يعود زعيم الفوضى.
...
"نابيلار... منذ ولادتك، ووالدك يُبعدك عن العالم من حولك. لقد عشتِ وأنتِ تحملين لعنة، فهل ستتركين هذه الفتاة، مينا، تعاني وحدها؟"
فكّرت نابيلار وهي تحدّق في الفراغ، ثم أحكمت قبضتها.
لم يكن العالم ليتعاطف معها أبدًا حتى نهاية حياتها لو عرف بحالتها ومعاناتها. فهل يستحق هذا العالم أن تُضحّي فتاة مسكينة بحياتها ليعيشوا هم بسلام؟
وكأن القيود التي كانت تكبّل قدميها قد تحطّمت، وقفت نابيلار أمام تاتيانا، التي رفعت حاجبها وأطلقت ضحكة خفيفة.
"أنتِ كنتِ السبب وراء كل المصائب، نابيلار التي تدّعي البراءة. لو لم تولدي، لما عانى أزار من غيرته المهووسة بسبب نقص الرعاية الأبوية. لو لم تولدي، لما أصبح العالم في حالة حرب. أنتِ السبب..."
انقطع حديثها، بل حتى أنفاسها توقفت لبضع ثوانٍ.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!