الفصل العشرون
"لن يطول الأمر حتى يكتشف العالم أمر قواك يا كايل."
كان صوته منخفضًا، لكنه يحمل قلقًا لم يستطع إخفاءه.
حدّق كايل بنابيلار التي بدأت تستيقظ ببطء، متأملًا ملامحها الهادئة.
للمرة الأولى منذ حصوله على هذه القوة، لم يكن أكثر ما يخيفه هو الأعداء أو العالم الذي قد يقف ضده.
بل فكرة أن القوة التي حصل عليها قد تجعله يخسر الشخص الوحيد الذي جعله يشعر بأنه ما زال إنسانًا.
"هل سيتخذونك عدوًا لسلامهم... أم أنك ستكون أنت من يشكّل التهديد بإرادته؟"
توقف عن مواصلة حديثه عندما رأى عينيها تفتحان تدريجيًا.
وكأن الإجابة عن كل تلك الأسئلة لم تعد مهمة في تلك اللحظة.
كانت زهرته تتفتح أمامه بابتسامة هادئة.
"صباح الأمل."
قالتها بصوتها الناعم، وهي تحاول استعادة وعيها بالكامل.
كانت تعلم أنها نامت لفترة طويلة.
جسدها كان مرهقًا، وعقلها أثقلته الأحداث الأخيرة.
لكن عندما فتحت عينيها ورأت كايل يحدق بها بذلك العمق، اختارت أن تتجاهل كل الحزن المختبئ في داخلها.
لم تكن تريد أن يراها ضعيفة.
أرادت فقط أن تذكره بأن السعادة، مهما كانت صغيرة، لا تزال قادرة على الظهور وسط الألم.
نهضت ببطء، وبدأت تتجول في الغرفة.
توقفت للحظة وهي تنظر حولها.
كانت الغرفة ضخمة، بحجم جناح فندقي فاخر.
كل قطعة أثاث وضعت في مكانها بعناية، والألوان الداكنة التي غطت المكان منحتها مظهرًا غامضًا وفخمًا في الوقت نفسه.
"أحضرتك إلى منزلي."
قال كايل وهو يراقب نظراتها.
"لم أستطع العثور على شقتك تلك، لذلك... يمكنك الرحيل إن لم ترغبي بالبقاء، أعني..."
قبل أن يكمل، كانت قد قلصت المسافة بينهما بخطوات سريعة.
ظهرت لمعة فضول في عينيها.
"يا رجل، كنت متشوقة لرؤية المكان الذي كنت تعيش فيه!"
نظرت حولها بإعجاب.
"لم أتوقعه بهذا النظام. كنت أظنك شخصية فوضوية."
توقفت ابتسامته للحظة.
فوضاه لم تكن في المكان.
كانت بداخله.
وكان يعرف ذلك أكثر من أي شخص آخر.
"أُبقي نتوءاتي في الداخل."
قالها وهو يتكئ على الحائط.
لم تفهم نابيلار تمامًا معنى كلماته، لكنها لاحظت الهدوء في عينيه.
هو الرجل الذي حاول إخفاء كل شيء عن العالم.
حتى خوفه.
خصوصًا خوفه من خسارتها.
فمنذ اللحظة التي هاجمتها فيها الكيتو، بقي ذلك الشعور يطارده.
وبينما كانت نابيلار تتحرك في الغرفة، بقي كايل يراقبها بصمت.
لم يكن يعرف لماذا شعر فجأة بشيء مختلف.
شيء لم يكن موجودًا من قبل.
عندها لاحظ العلامة على يدها.
توقفت عيناه عند ظهر يدها اليسرى.
وشم جديد بدأ يتشكل ببطء.
كان على هيئة جناح منفرد.
لم تكن نابيلار منتبهة له، وكأن الأمر لا يعنيها.
أما كايل، فقد شعر بشيء غريب.
حاول البحث في ذاكرته عن أي رمز مشابه.
لم يجد تطابقًا كاملًا.
لكن حدسه أخبره أن هذا الوشم ليس عاديًا.
كان مرتبطًا بشيء قديم.
شيء قرأ عنه في الأساطير التي تتحدث عن أصل مصاصي الدماء.
"أخبرني..."
عاد صوت نابيلار ليخرجه من أفكاره.
اقتربت منه وهي تعبث بياقة قميصه.
فكت زرين منه، ثم أعادت إغلاق أحدهما بابتسامة.
"ما شعورك وأنت تمتلك الشيء الذي تمنّيته طويلًا؟"
كانت أنفاسها الهادئة قريبة منه، كسيمفونية ناعمة تلامس قلبه.
شعر كايل بالصمت للحظة.
أنا أشعر بالخوف من المستقبل.
كان هذا هو الجواب الحقيقي الذي لم يقله.
لقد تمنّى القوة.
لكنه لم يتوقع أن يحصل على شيء يتجاوز الخيال.
شيء أقرب إلى الأسطورة.
بعد صمت قصير، قال:
"لا يوجد شيء مثير في التغيير."
نظر إليها.
"كايل بلا قدرات... هو كايل بقدرات."
ثم ابتسم قليلًا.
"أخبريني، من تفضلين برأيك؟"
كل جريمة، وكل حادثٍ فظيع، تم ذكره في الصحف...
إلا حادثة الميتم.
توقفت نابيلار عند تلك النقطة، وعيناها معلقتان على الكلمات أمامها.
"هل لأنهم كانوا مرضى بأمراض لا علاج لها؟ هل لأن نهايتهم كانت محتومة، لذلك لم يُعلن عمّا حدث لهم؟"
همست بصوتٍ مرتجف، وكأنها تحاول إيجاد تفسير منطقي لذلك الصمت الغريب.
اقترب منها كايل، ثم أجاب بهدوء:
"نشرت إحدى الصحف أن الميتم تعرّض لحريق أثناء انتشار الكيتو في المنطقة... ولم ينجُ منه أحد."
ساد الصمت للحظات.
كانت تعلم الآن أن والدها يتستر على ظهورها أمام العامة، لكنه يفعل ذلك على حساب أولئك الأطفال المساكين.
لم يكن الأمر مجرد حماية لاسم العائلة...
بل كان إخفاءً لحقيقة مؤلمة.
"أنا أنتمي إلى عائلة غنية، وظهوري أمام العامة سيثير الكثير من المشاكل. لذلك لن يكون هناك أي خبر يظهرني، أو يتحدث عني، أو عن الأشخاص الذين كانوا معي."
توقفت للحظة، ثم تابعت بصوت أكثر انخفاضًا:
"لا أعلم... تراودني تلك الفكرة أحيانًا. أتمنى لو أنني لم أولد في تلك العائلة."
اعترفت ببعض ما يثقل صدرها.
ولم تكن الوحيدة التي تحمل هذا الشعور.
بعد فترة من الصمت، حاولت نابيلار التخلص من تلك الأفكار الثقيلة.
لم تكن تريد أن تغرق أكثر في الحزن.
اقتربت من أحد الأبواب المغلقة في الغرفة.
"أنا جائعة... سأبحث عن شيء لأتناوله."
فكرت وهي تمد يدها نحو المقبض.
لكن قبل أن تفتحه، تغيرت ملامح كايل فجأة.
"لا تفتحي تلك الغرفة!"
صرخ محذرًا.
لكن الأوان كان قد فات.
انفتح الباب.
وفي اللحظة التالية، اندفعت الفوضى التي كان يخفيها خلفه إلى الخارج، لتتناثر محتويات الغرفة في كل مكان.
تجمدت نابيلار وهي تنظر إلى الأشياء المتناثرة حولها.
كانت معظمها أشياء غريبة، لا تحمل أي قيمة واضحة، وكأن صاحبها كان يحتفظ بها لسبب لا يفهمه أحد.
وكأنها...
تذكارات من ضحاياه.
"هل رسمتَ هذه اللوحات؟"
من بين كل الفوضى والأشياء غير المنطقية، رفعت لوحة كانت تُجسّد عائلة، رُسمت لتصف روحهم قبل أن تضفي عليهم ملامحَ مشاعر.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!