الفصل الثامن و الثلاثين
لم تكن تستمع إلى كلمات أزار. لم يعد يشغل عقلها سوى شيء واحد: التخلي عن كل شيء لإنقاذ هذه الفتاة.
كل تركيزها كان منصبًا على نجاح هذه اللحظة.
ما إن أنقل طاقتي إلى ديفيد، فكل ما عليه فعله هو إدارة السيف لإغلاق أقفال بوابات طاقة الظل المرتبطة بقلب مينا وقلب زعيم الفوضى، فهما متطابقان.
فكّرت نابيلار وهي تدفع آخر دفعة من الطاقة داخل جسدها.
بدأت رؤيتها تتغير، وكأنها ترى والدتها من جديد، وتلك المرأة الغريبة التي قالت لها:
"نحن الفرسان المقدّسون... فخورون بكِ."
شعرت بيد والدتها تمسح على وجهها، بينما كانت دموعها تهطل.
"لكنّك تحتاجين إلى طاقة الإمبراطور لختم قوى الفوضى نهائيًا. ختمك هذا سيظل ناقصًا يا نابيلار... ابنتي."
كانت ابتسامة أم نابيلار باهتة.
"ما الذي كنتِ تعنينه بالختم؟ لقد قرأت المذكرات... ألستم أنتم من وضعتم الدليل؟ لماذا لم تخبروني من قبل؟"
ومن خلال سماع تمتمتها، أدرك أزار أن حدسه كان صحيحًا.
قوى الفارس المقدّس لا تستطيع إيقاف الفوضى، بل هي مجرد مفتاح. لا يمكنها كبحها بالكامل.
في اللحظة التي أدار فيها ديفيد سيفه، بدأت علامات ونقوش سوداء تظهر على جسد مينا.
التفّ الظلام حولها، واشتعلت الشعلات السوداء من جديد.
ثم سمعوا صوتًا هائلًا:
"الفوضى لم تنتهِ... ولن تموت! الفوضى أقوى منكم جميعًا!"
كان الصوت يحمل قوة مدمرة، دفع نابيلار بعيدًا. كانت أضعف من أن تقف في مواجهة تلك القوة.
احتضن أزار ابنته، بينما نزع ديفيد السيف من جسدها.
لم تبدُ تعويذة نابيلار ناجحة. لم يشعر ديفيد إلا بالطاقة وهي تسري في جميع خلايا جسده.
"الفوضى مكانها الماضي! ابنتي ليست الوعاء لها... اللعنة!"
صرخ أزار.
ثم عضّ يده حتى نزفت، ورسم بدمائه حلقة دائرية على الأرض.
لا... ليس هذا هو الخيار.
كان قلبه ينبض بسرعة.
ومع كل خطوة يخطوها، بدأ المكان ينهار من حوله، حتى ظهرت بوابة سوداء أسفل قدميه.
فتحت نابيلار عينيها، وهي ترى أزار يحمل مينا التي كانت تتشنج بين ذراعيه.
"إلى العصر الأول... إلى حيث بدأ كل شيء."
قال أزار كلماته وهو يغمض عينيه، ثم غاص داخل بوابة الفراغ التي صنعها.
ارتجفت شفتا نابيلار وهي تحدّق في اختفاء مينا.
"لا! لا يمكنك فعل هذا، أزار! لا يا أخي!"
صرخت نابيلار حتى شعرت بأن حبالها الصوتية تكاد تتمزق.
كان هناك شعور تكرهه أكثر من أي شيء آخر...
الوحدة.
لقد اختفى أزار تمامًا، ومعه مينا. وبدا أن طاقتها هي الأخرى قد شارفت على النفاد.
شعرت بدفء لمسات ديفيد، الذي رفع ذقنها بلطف، ليجعل عينيها المليئتين بالدموع تلتقيان بعينيه الممتلئتين بالحنان.
"سأحرص على إعادتهما سالمين. أعدكِ يا نابيلار."
كانت عاجزة عن الحركة، عاجزة عن الرد.
لقد قفز ديفيد إلى البوابة قبل لحظات فقط من انغلاقها.
لم يكن لديها حتى الوقت لتقول له كلمة واحدة.
"ليست أنت أيضًا... يا ديفيد."
ضربت الأرض بكلتا يديها.
غمرت أشعة الشمس الذهبية المكان، ورفعت نابيلار عينيها نحو السماء التي أصبحت زرقاء.
لكنها لم تحصل على فرصة للبقاء وحيدة طويلًا.
بدأت أصوات خطوات عديدة تحاصرها، ثم شعرت بيد توضع على كتفها.
استدارت نحوه وهي محطمة، مكسورة.
كان عليها أن تبذل جهدًا أكبر.
كان عليها، على الأقل، أن تدرس تاريخ مصاصي الدماء بجدية كما فعل أزار. كان عليها أن تجد الإمبراطور.
اللعنة...
ما فعلته لم يكن كافيًا.
"لقد رحلوا جميعًا... مينا، ديفيد، أزار. كلهم ذهبوا إلى الماضي، ومعهم الفوضى."
تمتمت بذلك قبل أن تفقد وعيها بين ذراعي والدها.
أحكم والدها قبضته عليها.
كان جزء منه يشعر بالراحة بعدما علم أن ابنه أزار لم يمت في الانفجار الذي تسبب به.
وجزء آخر كاد يطير من الفرح لأنه لم يقتل ابنه.
لكن النصف الآخر كان غارقًا في الأسى.
استخدام أزار لقدرته بهذه الطريقة لا يبشّر بالخير.
ماذا لو انتهى بهم الأمر في ماضٍ قريب؟ ماذا لو فشلوا في العودة من الماضي؟
آلاف الأسئلة بقيت عالقة في عقل فيقاس.
"عليكِ إصلاح الفوضى في الحاضر يا نابيلار. لم تنتهِ الحرب بيننا وبين مصاصي الدماء بعد."
قال فيقاس ذلك، ثم أمر الحراس بنقل نابيلار إلى مكان آخر.
...
في جهة أخرى، حيث كان العرق الذي يهابه الجميع يتعرض للذبح على يد الكيتو، ظهر كايل في منتصف سماء المملكة.
كان هناك شيء في هذا المكان أعاد إليه الحنين، لكن المملكة التي عاد إليها لم تعد تحمل السلام ذاته الذي تركها عليه.
"تسببتم بما يكفي من أذى وخراب... حان وقت نهايتكم."
قالها بصوت تردد كالموجات الصوتية الثقيلة.
وما إن ظهر، حتى بدأ عدد هائل من الكيتو بالهرب عند رؤيته، وكأنهم شعروا بتلك الطاقة العظيمة التي تحيط به.
رغم الخراب الذي أصاب المملكة بسبب عجز وليام عن السيطرة على الخام، فإن حالة مصاصي الدماء أصبحت هي الأخرى في حالة هيجان شديدة.
ومع كل خطوة يخطوها كايل نحو القصر الملكي، كانت الكيتو تشتعل بلهب أزرق، ثم تتحول إلى غبار، وكأن القضاء عليهم لا يتطلب منه سوى ذرة من قوته.
تعرف عليه جميع مصاصي الدماء من عامة الشعب.
دون إرادة منهم، سقطوا على ركبهم أمامه.
كان يسير وكأنه الشخص المنتظر ليتوّج ملكًا عليهم، وكأن عودته كانت أمرًا حتميًا منذ البداية.
تذكر الوجوه ذاتها التي لم يرف لها جفن حين نُبذ خارج أسوار المملكة، والآن لم يستطيعوا حتى النظر في عينيه مباشرة.
"جلالة الإمبراطور، من هنا."
نطق الفارس الذي وصل إليه في تلك اللحظة، فترددت كلمة "الإمبراطور" داخل القصر، وأدخلت المهابة في قلوب من بدأوا يتهامسون.
بين من يشك في قدرته على السيطرة على خام طاقة مصاصي الدماء، ومن كان ينتظر قدومه بفارغ الصبر، كان هناك شخص يقف في الغرفة الذهبية، حيث توجد جوهرة غير منتظمة الشكل تشع بطاقة هائلة.
كان وليام ملقى على الأرض جانبًا.
وبمجرد دخول كايل إلى نطاق الطاقة الأولى للخام، بدأت الأرض تهتز، وكأن قوته والخام شيء واحد.
فتح وليام عينيه ببطء.
حتى والدتي لم تستطع السيطرة على الختم إلا بعد عدة طقوس، وبمساعدة من والدي.
أنهى أفكاره التي لا تزال تشكك في قدرة كايل. كان جزء منه يرفض الاعتراف بأنه قد يتفوق عليه.
اتجهت عيناه نحو كايل، الذي مد يده ولمس الجوهرة ببطء، وكأنه يخبرها أن تهدأ، وأن كل ما مر من عسر قد انتهى.
بدا للجميع أنه سيطر على أصل مصاصي الدماء بسهولة.
لكن لم يعلم أحد بما شعر به كايل في تلك اللحظة.
فما إن لمس الحجر حتى شعر وكأن صاعقة كهربائية ضربت جسده.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!