الفصل التاسع عشر
تسارعت خطواته في الممر، وهو يلعن اللحظة التي ارتبط فيها سابقًا بامرأة مثلها.
كان في منتصف اختباراته المهمة عندما بدأ رنين جرس الباب المتواصل يدفعه إلى الجنون. لم يكن لديه وقت لأي إزعاج، لذلك اتجه نحو الباب وفتحه دون أن يكلف نفسه عناء التحقق من هوية الطارق.
"ماليسا، أيتها الساخطة... كم مرة عليّ أن أخبركِ أنني لا أعرف مكان مينا؟"
توقف للحظة وهو يفتح الباب، ثم تابع بضيق:
"لقد طلبت من ديفيد أن يهتم بأمرها، كما أنني لا أتذكر آخر مرة قابلتها فيها. كان خطأً حقًا أن أسمح لكِ بالبقاء هنا."
لكنه لم يجد الوجه الذي توقعه.
تجمدت ملامحه للحظة عندما رأى شخصًا آخر يقف أمامه.
لم تكن ماليسا.
كانت المرأة التي لم يتوقع ظهورها في هذا الوقت.
تاتارا.
تلك التي دفعت الباب ودخلت إلى الشقة دون أن تعطي لكلماته أي أهمية.
...
"تمتص دمي، ثم أدخل في غيبوبة لمدة شهر..."
دخلت تاتارا إلى الداخل، وصوتها يحمل غضبًا ممزوجًا بألم حاولت إخفاءه.
"لا تسأل عني، حية أم ميتة، لا يهمك أمري... وفي النهاية أجد أنك عدت للتواصل مع زوجتك السابقة؟"
رفعت عينيها نحوه، وكأنها تحاول العثور على الشخص الذي تعرفه.
"أزار... ما خطب عقلك بحق الله؟ هل أضعت مينا حقًا؟"
توقفت كلماتها عندما وقعت عيناها على الغرفة.
كانت الأنابيب المضيئة تتشابك في كل مكان، بداخلها سائل أزرق شفاف يتحرك بطريقة ساحرة، بينما كانت الأجهزة تعمل بهدوء وكأنها جزء من مختبر من عالم آخر.
لم تستطع إنكار الحقيقة.
عقل أزار كان يعمل بكفاءة مذهلة.
لكن عندما يتعلق الأمر بالعلاقات والمشاعر... كان شخصًا مختلفًا تمامًا.
...
اقتربت منه بخطوات بطيئة.
"أزار، أنا خطيبتك."
خرج صوتها أكثر هدوءًا هذه المرة.
"أستحق على الأقل تفسيرًا لما يحدث معك."
نزع أزار نظاراته الواقية، وكأنه تذكر وجودها للتو.
للحظة، لاحظ التفاصيل التي تجاهلها.
الإرهاق تحت عينيها.
شحوب وجهها.
والطريقة التي كانت تحاول بها الوقوف بثبات رغم أنها لم تكن بخير.
لكن بدلًا من السؤال عنها، أغلق مشاعره كما اعتاد.
...
"أنتِ تعرفين أنني لم أعد أزار فيقاس."
كان صوته هادئًا، لكنه يحمل مسافة باردة.
"لقد خسرت منصبي... وخسرت قواي كمصاص دماء."
خفض نظره قليلًا.
"رغم أنني لا أريد أي شيء يربطني بذلك العرق البدائي."
ثم نظر إليها مباشرة.
"أظن أن الأسباب التي دفعتكِ للبقاء معي انتهت."
ساد الصمت.
ثم أضاف:
"لذلك... من فضلك، غادري."
تجمدت تاتارا في مكانها.
"أنا وسط إنشاء حدث قد يغير البشرية، وليس لدي وقت لهذا."
اتجه أزار نحو الباب وفتحه بهدوء، مشيرًا لها بالخروج.
---
شعرت تاتارا بغصة حادة في حلقها.
كان الأمر أشبه بكف من الأشواك يضغط على قلبها المجرد من الدموع.
لم تكن تتوقع منه الحب.
لكنها لم تتوقع أن يكون التخلص منها بهذه السهولة.
"أهكذا تراني؟"
خرج صوتها ضعيفًا.
"فتاة تركض وراء ثروتك يا أزار؟"
كانت الدموع قريبة من عينيها.
وللمرة الأولى، رأته دون قناعه المعتاد.
لم ترَ العالم الذي كان يراه الجميع.
رأت فقط رجلًا يحاول إبعادها عنه بكل الطرق.
---
"أليس هذا ما تريده كل النساء؟"
قال أزار ببرود.
"الرجل الغني والثري، بغض النظر عن تصرفاته أو حقيقته."
توقف قليلًا.
"سواء كان شيطانًا... أو حتى مختلًا."
كل كلمة قالها كانت تضربها أكثر.
لكنها لم تكن تريد تصديقها.
هي التي خرجت من المشفى فورًا للبحث عنه.
هي التي شعرت أن شيئًا سيئًا حدث له.
هي التي جاءت إليه لأنها لم تستطع تجاهله.
والآن...
كان هو نفسه الشخص الذي يحطم كل شيء.
---
هزت تاتارا رأسها بابتسامة باهتة.
لم يكن يمزح.
كان يعني كل كلمة.
"هل كان دائمًا هكذا؟"
سألت نفسها بصمت.
"إذن... ماذا عن كل اللحظات التي قضيناها معًا؟"
رفعت عينيها نحوه.
"ما الذي كنتُه لك؟"
...
ظل أزار صامتًا للحظات.
كان السؤال أسهل من أن يجيب عنه...
وأصعب من أن يعترف بحقيقته.
مرر أصابعه بين شعره بعصبية، فهو يكره هذا النوع من الأحاديث.
الأحاديث التي تجبره على مواجهة مشاعر لا يريد الاعتراف بها.
"تاتارا..."
قال اسمها بهدوء، ثم تابع بصوت قاسٍ:
"أنتِ غبية بطريقة لطيفة."
تجمدت ملامحها.
"يسهل استدراجكِ، ويسهل أن تصدقي ما تريدين تصديقه."
توقفت أنفاسها للحظة.
"أنا فقط طلبت أن أخطبكِ، وأنتِ من وقعتِ في حبي."
خفض نظره قليلًا.
"أنتِ من كنتِ تبادرين، وأنتِ من كنتِ غارقة في أوهامكِ."
كانت كل كلمة تسقط عليها كأنها ضربة.
لكنه لم يتوقف.
"أما أنا... فقد سايرتكِ فقط لأن وجودكِ كان يخدم مصالحي."
ساد الصمت.
ثم أضاف:
"والآن، بعد أن عرفتِ الحقيقة، أرجوكِ... اخرجي."
لم تستطع تاتارا الرد.
للحظة، شعرت وكأن الصورة التي بنتها عنه طوال الوقت تحطمت أمامها.
ذلك الرجل الذي ظنته قويًا، باردًا، لكنه يحمل جانبًا لا يظهره لأحد...
اختفى.
أو ربما لم يكن موجودًا من الأساس.
ابتلعت ألمها، ثم تحركت نحوه.
لم تقل أي كلمة.
مرت بجانبه وكأنها تحدق في خيال الرجل الذي أحبته، ذلك الشخص الذي اعتقدت أنه سينتظرها يومًا فاتحًا ذراعيه.
لكن لم يكن هناك أحد.
فقط أزار الحقيقي.
خرجت من الشقة، وبقيت واقفة أمام الباب المغلق.
نظرت إلى المكان للحظات.
كانت الشقة عادية جدًا مقارنة بصورة أزار القديمة.
"هل دخلت المبنى الخطأ؟"
ظهرت ابتسامة ساخرة على وجهها.
"من المستحيل أن يكون هذا أزار..."
ثم توقفت.
"ربما هو فقط محطم بسبب خسارته لكل شيء."
حاولت إيجاد عذر له.
لكنها كانت تعرف الحقيقة.
لم يطردها فقط.
بل لم يترك لها حتى مساحة صغيرة تتمسك بها إذا عاد يومًا.
كان قد أغلق الباب أمامها تمامًا.
لم تعرف كم مر من الوقت وهي واقفة هناك.
كانت تريد الصراخ.
تريد أن تلعنه.
تريد أن تسأله لماذا.
لكنها لم تفعل شيئًا.
فقط بقيت صامتة.
حتى سمعت خطوات تقترب منها.
رفعت رأسها.
كانت امرأة تقف أمامها.
عرفتها فورًا.
ماليسا.
والدة مينا...
وزوجة أزار السابقة.
"إن كنتِ هنا من أجل السؤال عن مينا، فهو لا يعرف مكانها."
قالت تاتارا بصوت متعب.
"على الأرجح عليكِ التحدث مع ديفيد بشأنها."
تجاهلتها ماليسا.
كانت تظن أن تاتارا تحاول إرباكها أو تعطيلها عن مواجهة زوجها السابق المختل.
لكنها توقفت عندما سمعت صوت تاتارا.
"إذا كنتِ مستعدة للوقوف لأكثر من ساعة أمام شقته، فتفضلي."
نظرت إليها ماليسا باستغراب.
تابعت تاتارا:
"لكن أظن أنكِ تحتاجين كل ثانية للبحث عن ابنتك."
ثم أضافت بمرارة:
"ذلك الأحمق لا يهتم بأحد."
جذبت كلماتها انتباه ماليسا.
لأول مرة، وجدت شخصًا آخر يصف أزار بالطريقة نفسها التي كانت تراها به.
أحمق.
لكن من هيئة تاتارا، كان واضحًا أن شيئًا حدث معها.
شيء كبير.
ومع ذلك، لم يكن هذا الوقت مناسبًا للحديث عنه.
خفضت ماليسا نظرها نحو هاتفها.
"اللعنة..."
قالتها بضيق.
"ديفيد لا يرد على اتصالاتي."
عبست.
كان من المفترض أن يعيدها أزار إلى مملكة الأنقاض قبل أربع وعشرين ساعة.
لكنها بدأت تقلق.
لم تكن تخشى على نفسها.
بل كانت تخشى أن يورط ابنتها في جنونه، ويحاول كسر تلك اللعنة التي ارتبطت بمصاصي الدماء.
في تلك اللحظة، تحدثت تاتارا:
"اذهبي إلى نابيلار."
نظرت إليها ماليسا باستغراب.
"ماذا؟"
"نابيلار ستساعدكِ في إيجاد مينا."
لم تتوقع ماليسا هذا اللطف منها.
خصوصًا من الفتاة التي كانت تعتقد أنها السبب الذي أدى إلى انهيار علاقتها بأزار.
كانت تريد شكرها.
فبسببها، أصبح لديها سبب أقوى لطلب الطلاق من أزار.
لكن قبل أن تقول شيئًا، تابعت تاتارا:
"شقة نابيلار تقع في المنطقة المحظورة، أليس كذلك؟"
أومأت ماليسا.
"لا أستطيع الدخول دون تصريح."
عضت شفتها السفلى بضيق.
حتى عندما كانت زوجة أزار، لم تستفد من منصبه أو مكانته.
"يمكنني إيصالك."
قالت تاتارا.
نظرت إليها ماليسا.
"لا أزال المساعد الثاني لنائب الرئيس."
ثم مسحت تاتارا دمعة كادت أن تسقط من عينيها، وكأنها ترفض السماح لنفسها بالانهيار أمام شخص آخر.
حدقت ماليسا فيها للحظات.
كانت تستطيع رؤية الألم في عينيها.
"هل أثق بها؟"
سألت نفسها.
لكن تاتارا لم تضغط عليها.
لم تطلب شكرًا.
ولم تنتظر حتى ردًا.
كانت فقط تقف هناك، وكأنها تقول:
الخيار لكِ.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!