نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 26 من 41
وضع القراءة:

الفصل الخامس و العشرون

"لا أريد سماع صوتك، ارحل قبل أن أغير رأيي وأقتلك بهاتين اليدين. لا تجعلني أندم لتركك على قيد الحياة حتى الآن،" تحرّك ديفيد بهدوء بعد سماع صوت فيقاس، ليخرج من الغرفة ويترك الرئيس لوحده، غارقًا في هذه السفينة المثقوبة.
'أكان ذنبي أنني استفقت فجأة لأجد نفسي قد طعنت زوجتك دون أن أدري إن فعلتها أم لا؟ أنت الذي صدقتني حين قلت لك بأنني لم أفعلها. أنت ضممتني إليك وأخبرتني أنك تعرف ذلك، فلمَ الآن تتخلى عن خدماتي؟ لمَ ضحيت بالسبب الذي سيبعدني عن ابنتك نابيلار، سيد فيقاس؟'
صرخ ديفيد وهو يضرب الباب خلفه بقوة. هو واثق بأن فيقاس يستطيع سماعه. هو واثق بأن حديقة الآن لن تعيده إلى الداخل إن غيّر قرار هذا الرجل.
...
عزلت نابيلار نفسها في غرفتها لترتب أفكارها وأولوياتها بعد معرفتها بأنها أصبحت طبيعية في قدر الفناء، مثل الجميع. ورغم أن الأمر كان صادمًا، إلا أن جزءًا من قلبها شعر براحة لم تعرفها منذ زمن طويل.
لم يُسمع في الغرفة سوى صوت كعبها العالي وهو يرتطم بأرضيتها اللامعة، مترددًا بين الجدران المزخرفة. كانت الغرفة كما تركتها تمامًا عندما غادرت المنزل؛ كل شيء في مكانه، وكأن الزمن توقف منذ اللحظة التي قام فيها والدها بعزلها، بحجة أنها تشكل خطرًا على حياة أخيها أزار وبقية من في القصر.
والآن، بعد غياب طويل، عادت بإرادتها إلى هذا السجن الوهمي الذي كان من المفترض أن يكون ملاذًا لها.
كانت اللهفة واضحة في عينيها عندما خرجت مسرعة لترمي نفسها بين أحضان والدها. لقد جاء إلى غرفتها فور علمه بعودتها، وكانت تتوقع أن ترى الفرح في عينيه… أن يعانقها وكأنها عادت من الموت.
لكنه كان مصدومًا أكثر من كونه سعيدًا.
وربما كان العكس.
"أبي، أنا قد تخلّصت من..."
لم تستطع إكمال جملتها، فقد قاطعها صوت والدها المرتفع:
"لقد أعلن مصاصو الدماء الحرب علينا بسبب أخيك. نحن في ورطة."
توقفت نابيلار للحظة.
تابع والدها بنبرة حازمة:
"أنتِ أملنا الوحيد يا نابيلار. عليكِ أن تستمعي إليّ وتنفذي كل حرف أقوله بالتفصيل. يجب أن أحمي العالم الذي بنته والدتك، مهما كان الثمن."
قال ذلك وهو يمسح على خدها برفق، لكن عينيه لم تكونا تنظران إليها حقًا. كان عقله منشغلًا بشيء آخر.
ثم وقعت عيناه على الوشم الذي ظهر على ساعدها المرتجف للحظة؛ جناح مكسور.
تغيرت ملامحه قليلًا.
أما نابيلار، فلم تستطع سوى أن ترمش عدة مرات.
حرب؟
لقد عادت للتو… وبعد كل ما مرّت به، كانت تأمل أن تبدأ حياة جديدة.
لكن يبدو أن القدر كان ينتظرها بشيء آخر.
"أنتِ ستموتين في كل الأحوال."
تجمدت ملامحها.
"لذلك عليكِ أن تفعلي شيئًا يستحق أن يُخلّد. عليكِ أن تكملي ما بدأته والدتك. هذا هو مصيرك."
سقطت كلماته عليها كالصاعقة. شعرت بأن قلبها يغرق دون أي طوق نجاة، وأنفاسها أصبحت متقطعة وثقيلة.
كان والدها ينظر إليها، لكنه لم يرَ ابنته التي عادت إليه بعد غياب طويل.
كان يرى الحل الوحيد لإنقاذ العالم.
'إنه مصير نبوءتك… أنتِ الفارس المقدس. عليكِ أن تموتي لينعم شعب كلا العالمين بالسلام.'
فكر والدها في تلك النبوءة التي حاربها هو وزوجته الراحلة طوال حياتهما.
لقد فعلا كل شيء لمنعها.
حتى عندما نجحت زوجته في التخلص منها، جاء شخص آخر لا يريد سوى استمرار تلك النبوءة، وسرق كل ما بذلاه من جهود.
إذا كان مصير الفارس المقدس هو الموت…
فلماذا لا يكون موتها سببًا في إنقاذ الجميع؟
شعرت نابيلار بأن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها.
لسبب ما، بدا الهواء في الغرفة قليلًا، وكأن الأوكسجين اختفى فجأة.
كانت قد تخيلت هذا اللقاء مئات المرات.
تخيلت والدها يركض نحوها، يحتضنها، يبتسم بفخر عندما تخبره بأنها تخلصت من لعنتها.
نعم، كانت ترى السعادة في عينيه…
لكنها لم تكن السعادة التي انتظرتها.
كانت باردة.
خالية من الحب.
لقد أدركت فجأة أنها لم تعد ابنته التي عاد إليها، بل أصبحت ورقة أخرى في يده.
لو لم تعد نابيلار، لما عرف والدها كيف سيتعامل مع فوضى أزار.
لقد كان ظهورها بالنسبة إليه خلاصًا جاء في أكثر لحظاته يأسًا.
لكن بالنسبة إليها…
كان بداية كابوس جديد.
"أبي..."
خرج صوتها ضعيفًا.
"لقد تخلّصت من لعنتي."
هل كان هذا ما ظنته فعلًا؟
أنها تخلّصت من لعنتها؟
لم يهتم والدها بما قالته. رفع يده فقط طالبًا منها الصمت، بينما بدأ عقله يرسم الخطط الدفاعية، ويبحث عن حلول لإنقاذ العالم.
لقد وعد زوجته الراحلة بأنه سيحمي ما بنته.
وسيحمي الشيء الذي ضحت بحياتها من أجله.
"أبي… أرجوك، لا تفعل بي هذا."
انهارت نابيلار بالبكاء.
للمرة الأولى في حياتها، شعرت بأنها مهزومة أمام من حولها.
لطالما كانت الابنة التي أحبها والدها، التي دلّلها، التي ظنت أنها ستكون دائمًا أهم شخص لديه.
لكن الآن…
"هو لا يهتم إلا بحكمه."
كانت أفكارها تتحطم.
"إنه يستخدم وعده لأمي ليبقى على هذا العرش… هذا ليس والدي الذي أعرفه."
شعرت برغبة في تحرير روحها من جسدها والصراخ بأعلى صوتها.
لكن وسط انهيارها، ظهر وجه كايل في عقلها.
ماذا سيفعل كايل إذا اندلعت الحرب؟
جلست نابيلار تحدق في الأخبار التي كانت تعرض إعلان الملكة للحرب.
كل شيء حولها أصبح رماديًا.
بعد أن عادت بقدميها إلى الجحيم، أدركت أنها لن تستطيع الخروج منه بسهولة.
لم يكن هناك أحد هنا ليسمعها.
لم يكن هناك أحد يقف إلى جانبها.
ارتجفت يداها وهي تحاول الاتصال بديفيد.
المرة الخمسون.
ولم يجب.
لم يسبق له أن تجاهل اتصالًا منها.
بدأ القلق يتسلل إلى قلبها.
هل حدث له شيء؟
"أمي..."
همست وهي تحدق في السماء التي تحولت إلى لون دموي مع غروب الشمس.
"ماذا كنتِ ستفعلين لو كنتِ مكاني؟"
لقد غابت شهرًا واحدًا فقط.
شهر واحد كانت تريد فيه أن تعيش لحظة هادئة، أن تحتفل بزوال لعنتها، وأن تبدأ حياة جديدة.
لكنها عادت لتجد العالم كله قد انقلب رأسًا على عقب.
قطع أفكارها طرق خفيف على الباب.
دخلت خادمة تحمل مينا بين ذراعيها.
كان جزء من يدها ملفوفًا بالضماد.
"سيدتي، لقد وجدها أحدهم أمام بوابة القصر. إنها بخير، وقد فحصها الطبيب."
ما إن انتهت الخادمة من حديثها حتى أسرعت نابيلار نحوها، وخطفت مينا من بين ذراعيها واحتضنتها بقوة.
لكنها تجمدت.
جسدها لم يكن شاحبًا فقط…
بل كان باردًا.
ثم رأت العلامة على عنقها.
علامة أنياب.
لقد تعرضت لعضة مصاص دماء.
لكنها لم تكن عضة بهدف امتصاص دمائها.
بل لنقل قدرة.
لقد أصبحت موسومة.
"مينا..."
ارتجف صوت نابيلار.
"أرجوكِ استيقظي… أرجوكِ كوني بخير."
كانت الخادمة التي أحضرتها تحدق بالطفلة بنظرات مليئة بالحنان، بينما كانت تمسك بيدها التي تحمل العلامة نفسها الموجودة على جسد مينا.
تذكرت كلماتها الأخيرة:
'لقد أظهرتِ شجاعة عندما أنقذتِني من اختبارات أولئك العلماء. أتمنى أن تنعمي بقدراتي. ستكونين بأمان مع الفارس المقدس… نابيلار.'
ثم استدارت الخادمة الغريبة وغادرت الغرفة بهدوء.
وكأن مهمتها انتهت عند هذا الحد.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.