نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 41 من 41
وضع القراءة:

الفصل الاربعون و الأخير

بعد شهر من موافقتها، خفّت عمليات القتل تدريجيًا حتى أصبحت معدومة تمامًا. كان العالم يبدو وكأنه استعاد هدوءه، لكن داخل قلب نابيلار لم يكن هناك أي سلام.
وقفت أمام المرآة، وكان من المفترض أن يكون هذا اليوم يوم البسمات والفرح بالنسبة لها، اليوم الذي تبدأ فيه حياة جديدة، لكنها لم ترَ في انعكاسها سوى الحزن.
لا أصدقاء بقوا بجانبها، ومن تحبهم لم يعد لهم أثر في هذه الحياة. حتى عائلتها لم يبقَ منها سوى شخص واحد يقف خلف هذا الباب، ينتظر اللحظة الأخيرة ليودعها إلى الأبد.
في الماضي، ظنت أن اختيارها لتكون الفارس المقدس، وامتلاكها لقوى المفتاح، سيكونان طريق الخلاص. اعتقدت أنها ستتمكن من إنقاذ العالم وإنهاء المأساة التي طاردتهم.
لكنها الآن كانت تقف أمام مرآة ترتدي فستان زفافها، متسائلة إن كان هذا هو الثمن الحقيقي لإنقاذ الجميع.
تنفست بعمق، ثم تحركت بخطوات بطيئة نحو الخارج.
كان شرط ملك مصاصي الدماء واضحًا؛ يجب أن يُقام الزواج في مملكة البشر، وفق تقاليدهم وأعرافهم، أمام أعين الجميع، ليصبح هذا العهد موثقًا لا يمكن لأحد إنكاره.
---
امتلأت القاعة بالحضور من كلا العالمين. الملوك والحكام، البشر ومصاصو الدماء، الجميع كانوا ينتظرون تلك اللحظة التاريخية.
وقفت نابيلار تحت أنظارهم جميعًا، ورفعت عينيها نحو السماء.
لم تكن أشعة الشمس واضحة كما اعتادت رؤيتها، بل كان هناك شيء غريب يحيط بها. سماء زرقاء صافية، تتخللها طاقة أرجوانية خافتة جعلتها تشعر بأن العالم نفسه تغير.
الشخص الذي ستكمل معه بقية حياتها كان يُقال إنه أقوى مصاص دماء وُجد في التاريخ.
لو حدث هذا الزواج في ظروف طبيعية، لكانت ابتسمت من أجل نفسها ومن أجل والدتها. لكن قلبها كان محطمًا مع كل خطوة تخطوها.
كان هناك اسم واحد فقط يملأ عقلها.
كايل.
كل لحظة قضتها معه عادت إلى ذاكرتها؛ ضحكاته، كلماته، ووعوده التي ظنت أنها لن تسمعها مجددًا.
تمنت للحظة واحدة فقط أن يظهر أمامها، أن يأخذها بعيدًا، أن يهربا معًا من كل هذا الألم.
---
ظهر الرجل أمامها مرتديًا وشاحًا طويلًا يغطي ظهره، وشعره الأسود مربوطًا إلى الخلف.
لم ترغب في رفع عينيها إلى وجهه.
كانت تخشى أن تنهار فورًا.
في هذه اللحظة، لم تكن تريد رؤية أي شخص آخر سوى كايل.
شعرت بانقباض قلبها عندما تقدم والدها ووضع يده على كتف الرجل، ثم بدأ الأخير ببطء في إزالة القناع الذي يخفي وجهه.
ساد الصمت في القاعة.
ثم جاء الصوت الذي ظنت أنها لن تسمعه مجددًا.
"أربعمئة وخمسون يومًا من الشوق لرؤيتك يا نابيلار... لقد كان الوصول إليك يتطلب جهدًا كبيرًا."
تجمدت في مكانها.
هل كانت تهلوس؟
هل جن عقلها من شدة الألم؟
لا...
إنه صوته.
صوت كايل.
ارتجفت شفتاها قبل أن تخرج الكلمات منها:
"تبا... إنه أنت يا كايل!"
اتسعت عيناها وهي تنظر إليه بعدم تصديق.
"ماذا تفعل هنا؟ أين العريس؟ أين ملك مصاصي الدماء؟ هذه ليست مزحة، أليس كذلك؟"
كادت نبضات قلبها تفقد السيطرة.
للحظة، شعرت بأنها تريد التحليق بعيدًا من شدة الفرح، لكنها بقيت واقفة غير قادرة على استيعاب ما يحدث.
---
كانت ابتسامته ابتسامة شخص وجد أخيرًا الحلم الذي ظنه مستحيلًا.
ابتسامة أعادت الحياة إلى قلبها.
قال:
"أنا كايل، الإمبراطور الثاني لمملكة مافيستا."
ثم تقدم نحوها وأكمل:
"نابيلار فيقاس، أميرة مملكة البشر... أتقبلين أن تكوني ملكتي؟"
نزل الإمبراطور بكل هيبته على ركبة واحدة أمامها.
كان المشهد صادمًا للجميع.
حتى الخاتم، رغم بساطة تصميمه، كان يحمل نقوشًا دقيقة وجواهر صغيرة جعلتها تحدق به للحظات.
رمشت مرة.
ثم شهقت.
وكأن القدر قرر أخيرًا أن يمنحها ما تمنته طوال هذا الوقت.
---
كان شعبا العالمين أكثر من أصابه الذهول.
لم يتوقع أحد أن ينحني إمبراطور مصاصي الدماء أمام إنسانة بهذه الطريقة.
أما فيقاس، والد نابيلار، فرغم صدمته، ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.
وقال:
"كايل... يذكرني بنفسي عندما كنت شابًا."
نظرت إليه نابيلار، وما زال عقلها عاجزًا عن فهم الأمر.
"كيف عرفت أنني سأكون المختارة؟"
ترددت للحظة، ثم تابعت:
"أعني... كان من الممكن إرسال فتاة أخرى."
كانت دموعها تنزل بلا توقف.
ليس بسبب الحزن هذه المرة، بل بسبب كمية المشاعر التي اجتاحتها.
الجميع كان ينتظر إجابتها، البشر الذين عاشوا الخوف من كلمة "مصاص دماء"، كانوا ينتظرون منها أن تنهي ذلك الرعب.
رفع كايل عينيه إليها وقال:
"نابيلار... أتقبلين بي زوجًا لك؟"
لم تستطع الرد فورًا.
كانت تحدق في عينيه فقط.
كان مختلفًا عن الماضي، لكنه في الوقت ذاته الشخص ذاته الذي أحبته.
مدت يدها نحوه.
ليضع الخاتم في إصبعها.
ومن بين كل لحظات الألم التي مرت بها، كانت هذه اللحظة الوحيدة التي غسلت مرارة كل شيء.
---
قال كايل وهو يمسك يدها:
"أنا أعرف أنك ستتحملين مسؤولية هذا العبء."
سكت للحظة، ثم تابع:
"جرمي هو أنني كنت أعرف الحقيقة، ومع ذلك تركتك تعيشين ذلك الشعور البشع بأنك تضحية من أجل العالم."
اشتدت قبضته على يدها.
"لا توجد أهداف سامية كما يزعمون... أنت هدفي الأسمى يا نابيلار."
"كنت أريد الوصول إليك أسرع. أردت أن أكون بجانبك."
ابتسم بحزن:
"أنت لست وحيدة. أنا معك، حتى وإن رفضك العالم، وحتى إن اختفى أملك... سأكون طريقك."
قال كلماته وهو يمرر أصابعه بلطف على الخاتم الذي وضعه لها.
---
لم تستطع نابيلار الرد.
كان في عقلها بحر من الكلمات، لكنها لم تجد جملة واحدة تستطيع وصف ما تشعر به.
استمرت دموعها في السقوط.
حتى عندما أعلن القسيس أنهما أصبحا زوجًا وزوجة، لم تكن تستوعب شيئًا سوى وجوده بجانبها.
كان فرحهما الحقيقي يحدث داخل قلبيهما فقط.
أما العالم الخارجي، فكان ينتظر انتهاء هذا اليوم بسلام.
فحتى أخطر مجرمي عالم البشر لن يجرؤ على العبث مع هذا الرجل.
قال كايل بصوت صارم وهو يضع قناعه:
"مافيستا ترحب بك... نابيلار كايل."
في تلك اللحظة، ظهرت فراشات بيضاء عديدة، تحلق داخل القاعة كسرب منظم، ثم خرجت عبر البوابة الرئيسية، تاركة الجميع مذهولين.
---
مع كل خطوة تخطوها بعيدًا، بقي سؤال واحد يطارد عقلها:
هل هذا هو خلاصها؟
نظرت إلى وشم الجناح المكسور، ثم إلى يد كايل التي ما زالت تمسك بيدها.
قال كايل بهدوء:
"لا أعرف ما المخاطر أو الأيام التي تنتظرنا، لكنني متأكد من شيء واحد... سنواجهها معًا."
ابتسم لها.
"أنت شخص محظوظ يا نابيلار. ليس الجميع يملك شخصًا مثلك في حياته."
ثم قبّل راحة يدها.
شعرت بقشعريرة خفيفة تسري في جسدها.
ابتسمت وقالت:
"هنيئًا لكل من يمتلك كايل في حياته."
---
بعد انتهاء مراسم الزفاف، وقف الحكام الخمسة، ومن بينهم والدها، يراقبونها بصمت.
كان المشهد أكبر من مجرد زواج.
كان حدثًا سيُكتب في التاريخ.
تقدمت نابيلار نحو والدها واحتضنته.
لكنه لم يبادلها العناق.
ظل واقفًا بثبات، يخفي كل مشاعره خلف قناع الحاكم.
قال:
"عليكِ أن تكوني قوية من الآن فصاعدًا. ارفعي رأسك... فأنت ابنتي."
ثم أبعدها عنه.
لم يسمح لذرة واحدة من مشاعره أن تهدم القرار الذي اتخذه.
بالنسبة للممالك الخمس، كان هذا الزواج مجرد صفقة.
لكن بالنسبة له...
كانت هذه ابنته، الأقرب إلى قلبه.
ومع ذلك، كان يعلم أنه ربما لن يراها مرة أخرى.
هل كان هذا الحكم صحيحًا؟
هل سيستطيع ضميره تحمل ذلك؟
رؤية ابنته تغادر مع كايل، ذلك المصاص للدماء، كانت تمزق قلبه.
لكنه اتخذ قراره.
كان هذا هو الخيار الوحيد.
---
بعد سبعة أشهر في مملكة مافيستا...
لم يتغير العالم بالكامل، لكنه أصبح أقل قسوة.
استيقظت نابيلار من نومها مذعورة، وركضت نحوه بسرعة، وقلبها يكاد يخرج من صدرها.
همست لنفسها:
"إنه كابوس آخر... اهدئي."
لم يختفِ ألم الماضي تمامًا، لكنه بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا بوجوده بجانبها.
كان الاثنان يشكلان دعمًا لا ينفصل، يكمل أحدهما الآخر.
قالت:
"نعم... هذه المرة لم يكن حلمًا."
ثم نظرت إليه:
"لقد تحدث معي ديفيد."
عقد كايل حاجبيه.
ديفيد؟
كيف يمكنه أن ينسى ذلك الاسم؟
الرجل الوحيد الذي اقترب من نابيلار قبل أن يصبح هو جزءًا من حياتها.
ابتعدت عن حضنه، ونظرت إلى عينيه بقلق.
"الفوضى لم تنتهِ يا كايل."
ارتجف صوتها.
"أزار لم يسافر إلى الماضي. بسبب قواه الناقصة، انتهى به الأمر في البعد الرابع."
توقفت للحظة.
"وهم قادمون..."
"أتباع الفوضى."
---
كانت ترتجف وكأنهم يقفون أمامها بالفعل.
لكن كايل بقي هادئًا.
ابتسامته وحدها كانت كافية لتخفف من ثقل كلماتها.
ضمها إليه وقال:
"حتى لو عاد الظلام نفسه، سنقف أمامه."
"وحتى يظهر أتباع الفوضى... سنواصل حياتنا."
بقيا ينظران إلى الفراغ معًا.
هذه المرة لم تكن نابيلار تواجه العالم وحدها.
كانا معًا.
النهاية؟
لا... المزيد قادم.
تابعوا الجزء القادم من الرواية.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.