نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 22 من 41
وضع القراءة:

الفصل الحادي و العشرون

"صاحبة الرداء الأبيض... هي والدتك، أليس كذلك؟"
كانت المرأة الأكثر سطوعًا وتألقًا في اللوحة، حتى بدا وكأن الرجال الثلاثة من حولها ينظرون إليها بإعجاب ومحبة صادقة.
اقترب كايل من اللوحة ببطء.
هل تتعمدين تجاهل حقيقتي؟ أنني كنتُ أسوأ مخلوق سار على قدمين؟
تأمل ملامح والدته، فعادت إليه الذكريات تباعًا.
كم تمنى أن تأتي يومًا وتأخذه إلى المنزل.
كم اشتاق إلى أن تضمه بين ذراعيها وتخبره أنه لا بأس إن كان بلا قدرات... فهو، في النهاية، ابنها.
"أجل... إنها والدتي."
ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة وهو يتابع:
"إنها حكيمة، وتسبق أعداءها بخطوة. وفوق ذلك، لا يمكن خداعها. مهما حاولت أنا وأخي ويليام التحايل عليها للتهرب من واجباتنا، كانت تجعلنا، من دون أن نشعر، ننجزها."
تنهد بخفة، ثم تابع:
"إنها الأمان لعائلتنا... وللمملكة أيضًا. إنها الركيزة التي يستند إليها الجميع. من دونها، يصبح أبي، وأخي، وأنا... وكأننا بلا معنى."
أنهى حديثه، لكن عينيه بقيتا معلقتين باللوحة، وكأنه يخشى أن يحيد بنظره عنها فتتلاشى الذكرى أيضًا.
ساد بينهما صمت قصير.
لم تشأ نابيلار أن تقاطعه، فقد رأت في عينيه شوقًا لم يستطع إخفاءه، مهما حاول التظاهر بالقوة.
اقتربت منه خطوة وقالت برفق:
"ولِمَ لا تزورها؟ أنت تشتاق إليها، وهذا يعني أنها، على الأرجح، تشتاق إليك أيضًا."
رفع عينيه إليها بصمت.
"اسمعني، أنا لا أعرف تفاصيل ما حدث معك، وأعلم أنه يؤلم إلى حد لا يوصف... لكن مواجهة الألم أفضل ألف مرة من محاولة نسيانه أو الهروب منه."
قالت ذلك وهي تحمل اللوحة وتثبتها على الحائط بعناية.
ثم أضافت وهي تتأملها:
"عندما تأتيك فرصة لرؤية شخص تهتم لأمره، فلا تتردد في اغتنامها."
ابتسمت ابتسامة خافتة وأردفت:
"فليس دائمًا ما ينتظرنا قوس قزح أو شمس مشرقة. أحيانًا تكون هناك نجمة تختبئ خلف الغيوم، ولا تظهر إلا عندما تنقشع السماء."
أنهت كلماتها، ثم مررت أناملها برفق على إطار اللوحة، قبل أن تنزلق يدها نحو موضع الوشم.
حينها انتبه كايل إلى أن الوشم قد اختفى.
أما هو، فلم يعد يسمع سوى صدى كلماتها.
أريد العودة إلى مملكة مافيستا...
أريد أن أرى والدتي.
أريد أن أطمئن على أبي.
لقد اشتقت إلى المنزل... اشتقت إليه كثيرًا.
ظل واقفًا في مكانه، عاجزًا عن النطق.
لأول مرة منذ سنوات، لم يجد الكلمات التي يدافع بها عن نفسه، ولم يستطع إخفاء ذلك الطفل الذي ما زال ينتظر عناق والدته.
حينها فقط، تقدمت نابيلار نحوه وضمتْه إلى صدرها.
كان عناقًا هادئًا، لكنه حمل دفئًا افتقده طويلًا.
همست بالقرب من أذنه:
"علينا أن ننهي أمورنا العالقة... تلك التي بدأناها، قبل أن نلتقي مجددًا."
ثم ابتعدت قليلًا، ونظرت إليه بعينين ثابتتين.
"والآن... هل ما زلت تريد إنهاء حياتك؟"
عقد كايل حاجبيه باستغراب، ثم قال دون تردد:
"قطعًا لا... لماذا قد أفعل ذلك الآن؟"
ابتسمت وربتت برفق على موضع قلبه.
"تذكر... أنت لست وحدك."
صمتت لحظة، ثم تابعت:
"حتى عندما لم يكن إلى جانبك أحد... كانت نفسك معك دائمًا."
ابتعدت عنه ببطء، لكنها لم تسحب يدها عن كتفه إلا بعد لحظات.
التفتت نحو النافذة.
كانت أصوات الفوضى القادمة من الخارج تصل إليهما مكتومة، لكنها كانت كافية لتعيدها إلى الواقع.
مهما أرادت البقاء...
كانت تعلم أن هناك أمورًا لا يستطيع أحد غيرها إنهاءها.
تنهدت بهدوء، ثم استدارت نحوه.
لم يكن الوداع ما تتمناه، لكنه أصبح الخيار الوحيد.
نظر إليها كايل طويلًا، ثم قال بصوت امتزج فيه العتاب بالحزن:
"إذًا... هذا وداع؟"
وصلت كلماته إلى قلب نابيلار بثقل موجع.
كم كانت تتمنى البقاء.
لكن العالم لن يصلح نفسه إن اكتفت بالاختباء داخل مشاعرها.
ابتسمت بحزن وقالت:
"كنت أظن أننا سنلتقي مجددًا... في المكان الذي بدأ فيه كل شيء بيننا."
ابتعدت خطوة.
وفهم كايل ما تحاول قوله.
إن كان يحبها حقًا...
فعليه أن يسمح لها بالرحيل.
رفع ذقنها برفق، وكأن عينيه تقولان ما عجز عنه لسانه:
شكرًا لأنك كنتِ هنا... ولأنك اخترتِني، رغم أنني لم أكن أرى في نفسي شيئًا يستحق الاختيار.
أخرجت بطاقة عملها ومدتها إليه.
"هذه وسيلة التواصل الخاصة بي. لا تتردد في أن تطمئنني عن حالك."
أخذ البطاقة بصمت، ووضعها في جيب بنطاله.
ثم نظر إليها بثبات وقال:
"سأجدك... حتى لو كنتِ في باطن الأرض السابعة."
اقترب خطوة أخرى، ثم أكمل:
"وحتى لو أخفتك السماء عني... فسأصل إليك. لذا، كوني بخير... إلى أن نلتقي."
غمرت كلماته قلبها بدفء لم تعرفه منذ زمن.
هزت رأسها بالإيجاب، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صادقة.
كانت تلك من أسعد لحظات حياتها.
لم يحاول إجبارها على البقاء...
وللمرة الأولى منذ وقت طويل، شعرت أن أحدًا فهم ما تريده حقًا.
خرج ظلٌّ من الغرفة التي امتلأت بأدوات التحكم والآلات الغريبة، مرتديًا معطفًا شتويًا رغم حرارة الصيف الخانقة.
كان أحد العلماء المختلين العاملين في المختبر الخاص بأزار.
في الجهة الأخرى من الغرفة، جلس أزار على الأريكة، وقد أسند رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه للحظات، محاولًا انتزاع آخر ما تبقى من تردد في صدره.
كان لا يزال يسمع صدى صوت تاتارا، ويرى دموعها وهي تغادر.
لكنه أجبر نفسه على دفن تلك المشاعر.
فعندما اختار هذا الطريق، كان يعلم أنه سيصل إلى يوم يضطر فيه إلى التضحية بكل من أحب.
اقترب العالم منه، ثم قال بعدما راقب ملامحه بصمت:
"يا رجل... لقد ضحيت بمشاعرك تجاهها كثيرًا، لكن... هل كان لا بد أن تنهي الأمر بهذه القسوة؟"
لم يجبه أزار.
اكتفى بالنظر إلى الأرض للحظات، قبل أن ينهض متجهًا نحو منصة التحكم.
ألقى العالم إليه علبة صغيرة بداخلها زر معدني، ثم أشار إلى شاشة العرض الرئيسية.
ما إن ضغط أزار على مفتاح التشغيل حتى امتلأت الشاشة بصور مباشرة لأروع ممالك مصاصي الدماء...
مملكة مافيستا.
كانت الشوارع هادئة.
الأطفال يركضون بين الحدائق.
والعائلات تمارس حياتها وكأن العالم لم يكن على وشك الانهيار.
ابتسم أزار ابتسامة ساخرة.
كيف يستطيعون العيش بهذا السلام؟
من قد يصدق أن هذه الصور تُعرض مباشرة من مملكة مافيستا؟
عادت إليه صورة تاتارا.
لو أخبرها بالحقيقة، لما تركته يواجه كل شيء بمفرده.
كانت ستتمسك به حتى النهاية.
وكان يعرف ذلك.
إنها تحبني...
بل أكثر من الحب.
لكن لا يمكنني جرّها إلى هذا المستنقع.
يكفي أنني أنا من غرقت فيه.
أما هي... فلا تزال قادرة على النجاة.
قبض على العلبة التي تحمل الزر.
كان إصبعه معلقًا فوقه.
ضغطة واحدة...
فقط ضغطة واحدة.
وبعدها لن يعود التاريخ كما كان.
ولن يعود هو أيضًا.
تنهد ببطء.
ثم همس:
"العائلة... الأبناء... الحبيبة... وحتى الصديق."
رفع عينيه إلى الشاشة.
"لم تعد أي من هذه الروابط تعني لي شيئًا."
ساد الصمت داخل المختبر.
ثم تابع بصوت خافت:
"إن كان ثمن تطهير العالم من مصاصي الدماء هو التضحية بكل رابطة... فسأدفعه."
توقف لحظة.
"حتى لو اضطر قلبي لأن يتحول إلى قطعة من الألماس."
أغلق عينيه...
وضغط الزر.
لم ترتجف يده.
ولم يخفق قلبه.
حتى عيناه لم ترمشا.
كان يعلم أن الطريق الذي يسلكه خاطئ.
لكنه تجاوز نقطة العودة منذ زمن بعيد.
الجميع يراه مجرمًا.
ولن يصدقه أحد حتى لو كشف الحقيقة كاملة.
إذًا...
لماذا يرهق نفسه بمحاولة تبرير ما لن يفهمه أحد؟
مرت ثلاثون ثانية فقط.
وفجأة...
امتلأت سماء مملكة مافيستا بوابل هائل من الأسهم الزرقاء.
صواريخ محملة بالطاقة التي أطلق عليها اسم...
"لعنة أزار الزرقاء."
رفع أزار رأسه وهو يتابع المشهد.
"بدلًا من محو قدراتكم..."
ابتسم ابتسامة باردة.
"أريد أن أذيقكم الكأس نفسها."
ازدادت ابتسامته اتساعًا.
"كيف سيكون شعوركم... وأنتم تفترسون بعضكم بعضًا؟"
خرجت الضحكات من بين شفتيه بنبرة أقرب إلى الجنون.
لكن خلف تلك الضحكات...
كان هناك وجع لم يمت.
ولولا دم نابيلار...
لما استطاع تشغيل هذا السلاح.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.