الفصل الثاني و الثلاثون
"لا أدري من أُصدّق أكثر؛ ما رأيته بعيني، أم منظورك للقصة التي لم تروها حتى لأبنائك عن موت والدتهم."
مسح أزار وجهه ببطء وهو يحدد الوجهة الأخيرة لصواريخه. لقد احتفظ بالأفضل للحدث الأكبر، للضربة التي كان ينتظرها منذ زمن.
حتى هذه اللحظة، لم يكن يعلم من المسؤول عن العبث بسجن مختبره القديم. لقد فقد عينته الأساسية، مصدر الطاقة اللازم لصنع أسهمه الزرقاء.
تنفّس بعمق، ثم ضغط على زر الإطلاق.
وفي اللحظة نفسها، تزامن انطلاق الصواريخ مع طرقٍ مفاجئ على باب غرفته.
كانت الأسهم تشق السماء متجهة مباشرة إلى قلب مملكة مافيستا، وتحديدًا إلى أعماق القصر الملكي الرئيسي.
هل هذا وقت الزيارات غير المتوقعة؟
فكّر وهو يزفر بضيق.
لقد كان استخدام شقتي القديمة مقرًا لأعمالي خطأً منذ البداية.
رفع بصره نحو الباب، ليجد ديفيد متكئًا على الحائط وكأنه ينتظر انتهاء كل شيء.
"هل أرسلك والدي لتتخلص مني؟ لقد ظننت أنه سيفجّر المنطقة بصواريخه التي يخفيها عن بقية الممالك."
ارتفع حاجب ديفيد بدهشة.
كانت تلك المعلومة من أسرار المملكة المطلقة، ولا يعلم بها سوى هو والسيد فيقاس.
حقًا... أزار ليس رجلًا يُستهان به.
"لست هنا لأمنعك من شيء، فما حدث قد حدث بالفعل."
قالها ديفيد بهدوء، ثم أردف:
"ما جئت لأخبرك به هو أن ابنتك، مينا، صُنِّفت حالتها على أنها في خطر. وحتى الآن، لم تستيقظ. أنت الوحيد القادر على إنقاذها... إن كنت ترغب في ذلك."
قالها بلا اكتراث ظاهري، ثم استدار وكأنه يهم بمغادرة هذا المكان الذي تفوح من كل زاوية فيه طاقة قاتمة تخنق الأنفاس.
ارتجفت يد أزار.
آخر ما كان يتوقعه هو أن تتورط مينا مع العرق الذي يلعنه ويكرهه حتى الموت.
لم يحظَ يومًا بأب صالح، ولذلك أقسم ألا يسير على خطى والده...
أو هكذا كان يظن.
"وشيء آخر..."
توقف ديفيد قبل خروجه.
"لم أعد أعمل لدى والدك... وابنتك موجودة داخل القصر."
بدت هيبته مختلفة ببذلته العريقة، وهالته لم تعد كما كانت.
وأزار لم يكن غبيًا حتى يغفل عن هذا التغيير.
دون أن ينطق بكلمة، أخرج ديفيد سيفه، وشق به الفراغ نصفين، لتظهر بوابة صدعية تؤدي مباشرة إلى قصر السيد فيقاس.
اتسعت عينا أزار.
ذلك السيف الأسطوري...
إنه سيف الفارس المقدس.
لكن...
أين علامة الجناح؟
أيُعقل أن النبوءة قد تغيّرت؟
شد على أسنانه.
اللعنة... هل يمكن أن يحدث هذا حقًا؟
بدأت الأساطير القديمة تتشابك داخل عقله. فإن كان هناك من يعرف تاريخ مصاصي الدماء الحقيقي، فهو أزار.
...
ما إن عبر البوابة حتى سرى التوتر في كل خلية من جسده.
توقفت عيناه عند الفراش.
كانت مينا مستلقية بلا حراك، كأنها جثة.
لم يبقَ فيها سوى نبض ضعيف يكاد لا يُلحظ.
ضاقت الأرض تحت قدميه.
"أين والدتها؟ ألم تكن برفقتها؟"
خرج السؤال مترددًا، بينما عجز عن الاقتراب أكثر.
تنهد ديفيد وقال بصوت خافت:
"لا أثر لها منذ اندلاع الحرب... وربما أصبحت الآن تحت الأنقاض."
رغم برودة ملامحه، حمل صوته حزنًا لم يستطع إخفاءه.
اندفع أزار نحوه رافعًا قبضته، لكنه توقف قبل أن يلكمه.
على من سيلقي اللوم؟
لم يكن هناك أحد يستحقه أكثر من نفسه.
لقد جاءت ماليسا، زوجته السابقة، تخبره بأنها لم تجد مينا، لكنه تجاهلها.
بل، وفوق ذلك، أنهى علاقته بخطيبته أيضًا.
أغمض عينيه للحظة.
كم كانت أخطاؤه أكثر مما تخيل.
"ابدأ بإنقاذها... والباقي يهون."
قالها ديفيد، لكنه توقف فجأة بعدما شعر بوجود شخص خلفه.
استدار.
كان ذلك العالم المهووس، يقف هناك وهو يصفق بإعجاب.
"سيد أزار... لا يمكنك الانسحاب من هذه الحرب. عليك أن تبقى لتصنع المزيد من الدمار. لا البشر يستحقون الحياة التي يعيشونها، ولا وجود مصاصي الدماء مرغوب فيه."
بدت كلماته صادرة عن رجل فقد آخر ما تبقى من عقله.
هز أزار رأسه بأسف.
"هناك خط رفيع بين الجنون... والجنون بعقلانية."
ثم أشار نحو مينا.
"أما أنا، فأقف بينهما."
أخذ نفسًا عميقًا، ثم أردف:
"لكن مينا، من بين الجميع، لا تستحق أن تُوسم من قبل أولئك الملاعين. لا أريدها أن تعيش وهي ترى نفسها عبئًا على هذا العالم، أو تهديدًا يجب التخلص منه."
رفع نظره إليه بثبات.
"لذلك... ابتعد عن طريقي."
دفعه جانبًا، ثم عبر البوابة.
وأصبحت ابنته أولويته الأولى.
ساد الصمت للحظات، ولم يبقَ سوى ديفيد والعالم يتبادلان النظرات.
قال ديفيد أخيرًا:
"لا يزال هناك وقت للانسحاب. فظاعة ما حدث لا تعني أن كل شيء قد انتهى، فما زالت هناك فرصة للتراجع."
لكن العالم لم يستمع.
أمسك بالكرسي وقذفه نحو الحائط حتى تحطم، ثم أشار إلى شاشات العرض التي كانت تبث الدمار الذي أحدثته أقوى أسهم أزار الزرقاء.
"هذا هو العالم الذي أريده... عالم أعيد تشكيله بالطريقة التي أحددها."
ارتجف صوته من شدة الانفعال.
"ولن أتخلى عن حلمي، أتفهم؟ اذهب أنت ومنطقك اللعين، ومن معك، إلى الجحيم."
ثم صرخ:
"ما الذي تعرفه عن معاناتي؟"
ظل ديفيد صامتًا.
كان يرى جزءًا من نفسه في هذا الرجل.
لكن من يرفض السير نحو النور...
لن يدرك أبدًا أن الظلام ليس كل شيء.
"سأدمر الجميع..."
تمتم العالم وهو ينهار على الأرض.
"سأقضي عليكم جميعًا."
ابتسامةٌ هادئة علت وجه نابيلار، بينما أشرقت عينا والدتها ببريقٍ دافئ، وكأنها تستعيد ذكرياتٍ كانت يومًا مصدر سعادتها.
"إلى أن قابلتُ والدك ووقعت في حبه. كان يعلم أنني الفارس المقدس، وأنني وريثة سيد اللعنات، ومع ذلك تزوجني. شكّل زواجنا تهديدًا للمملكة، لا سيما بعد إنجابي لأزار؛ فقد وُلد وهو يحمل دماء عرق مصاصي الدماء الخالص."
تنهدت بعمق، وأحكمت قبضتها بقوة، وكأن الكلمات التالية هي الأصعب على لسانها.
ساد الصمت للحظات، ولم تجرؤ نابيلار على مقاطعته، فقد شعرت أن ما سيأتي سيحمل الحقيقة التي تهربت منها والدتها طوال حياتها.
"بفضل حماية والدي، تمكنت من العيش في مملكة مافيستا سبع سنوات، إلى أن اغتيل بفعل مؤامرات الصراع على السلطة داخل القصر. عندها لم يكن أمامنا سوى الهرب. غادرت مع والدك بعدما علمت أنني كنت حبلى بك."
شهقت وهي تستعيد تلك الذكريات، وكأنها تعيشها من جديد. فقد اضطرت إلى مغادرة عالمها، ومملكتها، ومنزلها، قسرًا، تاركة خلفها كل ما عرفته يومًا.
"عشنا في عالم والدك حياة هادئة، إلى أن وُلدتِ، وظهرت عليك لعنة الفناء. عندها أدركت أنني أنا من ورّثك إياها، فهي لعنة لا تصيب أحدًا إلا إذا ورثها عن سيد اللعنات."
ارتجف صوتها وهي تكمل:
"شعرت يومها بأن شيئًا في داخلي قد انكسر... عزيزتي، لا تتخيلين كم هزّ ذلك كياني."
انسابت دموعها بصمت، فتقدمت الفتاة الغريبة وربتت برفق على كتفها، محاولةً تهدئتها.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!