نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 24 من 41
وضع القراءة:

الفصل الثالث و العشرون

كانت الأرضية تهتز، ورائحة الدماء تطغى على عبق البخور الذي أشعله قبل قليل. نهض من وضعية التأمل، غير مصدّق لما خطر في ذهنه. لا يمكن أن تكون تلك الرائحة، وذلك الضغط الهائل، صادرين عن سبب واحد.
"نية قتل مصاصي الدماء... هل نزعت والدتي قيودهم؟"
تمتم وهو يتجه نحو النافذة. كانت السماء قد اكتست بلون الدم، وما يدور في رأسه لا يكاد يصدقه. إنها مرآة العالم، البوابة البصرية التي تربط بين العالمين، ولا تُفعّل إلا بأمر من أفراد العائلة المالكة في أوقات الحرب أو عند إعلان القرارات المصيرية.
وبينما كان يحدق فيها، بدأت السماء تتشقق كأنها زجاج يتصدع، وامتدت الشقوق في كل اتجاه. وفي الأسفل، وقف البشر يرفعون رؤوسهم نحو هذا المشهد المهيب، وقد امتزجت الدهشة بالرعب على وجوههم.
ثم ظهرت صورتها.
سيدة تتوج رأسها بتاج مرصع بجواهر صُنعت بعناية لتليق بهيبة ملكة مصاصي الدماء.
"أمي..."
خرج الاسم من بين شفتي كايل، بينما بدأت عيناه تغرقان بالدموع.
هل شعرت بالطاقة التي اكتسبها مؤخرًا؟ هل استخدمت مرآة العالم فقط لتخاطبه وتطلب منه العودة؟
أم أنها وجدت أخيرًا وسيلة تسمح له بالعيش بينهم؟
ربما أصدرت قانونًا جديدًا يتيح له البقاء في القصر مثل بقية أفراد العائلة.
مجرد التفكير في تلك الاحتمالات أشعل الفرح في قلبه. لأول مرة منذ وقت طويل، شعر بأن هناك احتمالًا لحياة طبيعية، حياة لا يضطر فيها إلى الاختباء أو الشعور بأنه دخيل بينهم.
لهذا السبب، تجاهل صوت الطرقات العنيفة على باب غرفته. لم يكن هناك شيء أهم من معرفة ما ستقوله والدته.
لكن المشاهد التي ظهرت في مرآة العالم لم تكن كما توقع.
بدأت الصور تتغير أمام عينيه.
أجزاء من مملكة مافيستا الخارجية... مدن محاصرة... وجنود يقاتلون... ثم ظهرت أراضٍ تتعرض لهجوم عنيف من قبل الكيتو.
تجمدت ابتسامته ببطء.
كلما شاهد المزيد من الصور، بدأ يدرك أن الأمر لا يتعلق به.
لم تكن والدته تبحث عنه.
بل كانت تستعد لإعلان شيء سيغير مصير الجميع.
انقبض صدر كايل.
كيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟
دوّى صوت الملكة في السماء:
"هذا الدمار تسببتم به أنتم أيها البشر. لقد خرقتم معاهدات السلام التي لم يجرؤ حتى أسلافكم على انتهاكها."
كان كل حرف تنطقه أشبه بموجة زلزالية تهز أبنية الممالك البشرية الخمس.
أجل...
تلك هي قوة الملكة.
تسلل حزن عميق إلى قلب كايل. أدرك أن حديثها لم يكن نابعًا من غضب شخصي، بل من مسؤوليتها كحاكمة تحمل مصير شعبها على عاتقها.
ثم نطقت بالجملة التي بدلت كل شيء:
"لقد بدأت الحرب بين مصاصي الدماء والبشر."
وفي اللحظة نفسها، ارتفعت صرخات الناس في كل مكان.
"ما ذنبنا في هذه الحرب؟"
"هل سنموت يا أمي؟"
"هل ستذهب إلى القتال يا أخي؟"
كانت أصواتهم تتدفق إلى أذنيه من خلال مرآة العالم، حتى شعر وكأن الممالك كلها تصرخ في وقت واحد.
لم يكن هذا آخر ما توقعه فحسب، بل كان أمرًا لم يتخيل حدوثه أصلًا.
حرب بين البشر ومصاصي الدماء؟ أمي... لستِ من النوع المتهور. لماذا اخترتِ الحرب، وأنتِ تمتلكين السلطة الكافية لفرض السلام؟
غرس أصابعه بين خصلات شعره بعصبية.
"الوحيدون الذين سيتضررون هم البشر."
كان يعلم ذلك أكثر من أي شخص آخر. فقد عاش بينهم قرونًا، ويعرف نقاط ضعفهم جيدًا. إنهم يدّعون امتلاك القوة، لكنهم لا يحسنون التحكم بعواقبها.
وبقيت السماء متوهجة باللون الأحمر، بينما ظهر عدٌّ زمني يعلن أن الحرب ستبدأ ما إن يصل إلى الصفر.
ظل كايل واقفًا أمام النافذة للحظات طويلة، عاجزًا عن استيعاب ما حدث.
في الخارج، تغير كل شيء خلال دقائق.
ارتفعت أصوات الإنذارات في أنحاء المدينة، وبدأ الناس بالخروج من منازلهم بحثًا عن إجابات. بعضهم كان يبكي، وبعضهم يصرخ، وآخرون يقفون عاجزين أمام السماء الحمراء التي أعلنت بداية عصر جديد.
أما هو، فلم يستطع سوى التفكير في شيء واحد.
"اللعنة... كيف سمح أبي لأمي باتخاذ هذا القرار وحدها؟"
خفض رأسه قليلًا.
"أعلم أنه مريض، لكن ليس إلى الحد الذي يعجز فيه عن ردعها أو إقناعها بالتراجع."
قطع سلسلة أفكاره صوت الطرق المتواصل على الباب.
في البداية حاول تجاهله، معتقدًا أن الجميع منشغل بما يحدث خارجًا.
لكن الطرق لم يتوقف.
من الأحمق الذي يطرق بابه الآن، بينما العالم بأكمله يستعد لحرب قد تبتلع الجميع؟
اتجه نحو الباب وفتحه.
وفي اللحظة التالية...
اخترقت سكين معدته.
لم تكن مباغتة حقيقية، فهو شعر بالهجوم قبل وقوعه، لكن طاقة غريبة شلت حركته وقيدت جسده. كانت قدرة خاصة تمنعه حتى من الدفاع عن نفسه.
تدفقت الدماء ببطء على ثيابه، بينما ثبت نظره على مهاجمه.
لم يكن الألم هو ما صدمه، بل هوية الشخص الذي أمامه.
إنه ذلك الفتى...
اليتيم الذي نجا من المذبحة.
لم يره منذ شهرين، لكنه تغير كثيرًا. عيناه أصبحتا سوداويين بالكامل، وأصابعه أطول من المعتاد، وبشرته اكتست بلون أزرق باهت. لم يعد يبدو كإنسان طبيعي.
صرخ الطفل، وصوته يرتجف بين الحقد والألم:
"أنت من قتلت والدتي! رأيت تسجيلات الكاميرات، وكان وجهك ظاهرًا فيها! أنت من قطع شريانها، أيها المصاص اللعين! يجب أن تموت!"
كانت كلماته أشبه بأشواك تغرس في قلب كايل.
صفعة أخرى من العالم.
لماذا يريد الجميع موته؟
ألا يعلمون كم استغرق منه ليكف عن التفكير في إنهاء حياته؟
وحتى بعدما وجد أخيرًا سببًا يتمسك بالحياة من أجله، جاءت الحرب لتسحق ذلك الأمل، ثم جاء هذا الطفل لينتزع ما تبقى منه.
ومع ذلك...
لم يقاوم.
واصل الطفل صراخه، وقد اختلط الغضب بالدموع.
"أتعلم؟ كنت مصابًا بالسرطان، ولم أستطع مغادرة الميتم لحضور جنازة أمي. اضطرت أختي إلى البقاء بجانبي... وبسببكم، أيها الملاعين، ماتت هي أيضًا!"
كان الحقد المتقد في عينيه يفوق الوصف.
لكن...
هل سيهدأ قلبه إن مات كايل؟
هل ستنطفئ تلك النيران المشتعلة في صدره؟
هل سيستعيد ما فقده؟
بالطبع لا.
فلا أحد يستطيع أن يعوض إنسانًا عمن فقدهم.
وهذا الشعور، تحديدًا، كان كايل يفهمه أكثر من أي شخص آخر.
ومع ذلك، لم يعد مستعدًا لأن يترك الآخرين يقررون نهايته.
هذه المرة، هو من سيختار مصيره.
لكن يبقى السؤال...
إلى جانب من سيقاتل؟
أما والدته...
فهو يعلم يقينًا أنها لن تتراجع عن قرار اتخذته، سواء كان صائبًا أم خاطئًا.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.