الفصل السادس و العشرون
"ألن ترد عليها؟"
تردد السؤال داخل عقله وهو يحدّق في شاشة هاتفه، حيث ظهر اتصالها التاسع والأربعون.
نابيلار.
حب حياته.
هي التي بادرت أخيرًا بالاتصال به.
للحظة، أراد أن يجيب، أن يسمع صوتها فقط، حتى لو لم تقل شيئًا.
لكن يده بقيت ثابتة.
كان هناك جزء منه يخشى الرد.
ففي كل مرة يرن فيها الهاتف، تراوده الرغبة في تحطيمه على الحائط. بالتأكيد هي لا تتصل للاطمئنان عليه فقط، بل تريد منه إنجاز مهمة لها… ربما تريد منه مساعدتها على الهروب من القصر.
لكن ماذا يستطيع أن يفعل الآن؟
لم يعد يملك مكانًا في الداخل.
حتى سلطته لم تعد ذات قيمة بعد أن تخلّى عنه الرئيس.
كانت حالته النفسية في أسوأ مراحلها، والمهدئات التي كان يعتمد عليها لم تعد تجدي نفعًا. كل دواء تناوله لم يخفف ألمه، بل جعله يشعر بأن جسده ينهار أكثر.
ومع ذلك…
لم يكن يستطيع لوم أحد على ما حدث له.
هو من فقد السيطرة على نفسه.
هو من بالغ في ردود أفعاله، وعجز عن تقبّل الحقيقة.
نابيلار لم تكن له.
ولن تكون له.
حتى لو قضى حياته كلها ينتظر منها مجرد ذرة من العاطفة.
---
جلس في الزقاق الصغير بين غرفته ومكتبه، غارقًا في أفكاره.
لو أنه فقط تحمّل أكثر…
لو أنه صبر قليلًا…
لو أنه لم يسمح لغضبه تجاه أزار بأن يسيطر عليه…
ربما كان كل شيء سيكون مختلفًا.
لكن كلمة "لو" لم تعد قادرة على تغيير شيء.
في تلك اللحظة، بدأت شعلة سوداء تظهر أمامه.
تراقصت في الهواء بهدوء غريب، وكأنها خرجت من أعماق يأسه.
حدّق بها ديفيد للحظات.
لم يشعر بالخوف.
بل شعر بالإرهاق.
لقد أصبح معتادًا على رؤية أشياء لا وجود لها.
كان يظن أنه يهذي بسبب كثرة الأدوية النفسية التي يتناولها. بدأ يرى أمورًا غريبة، ويسمع أصواتًا لا يعرف مصدرها.
"هل تريد تدمير هؤلاء الذين أزعجوك؟"
جاء الصوت من الشعلة.
ضحك ديفيد بسخرية خافتة.
هل وصل به الأمر إلى هذه الدرجة؟
حتى أوهامه بدأت تتحدث معه.
---
"لقد فعلت كل ما تطلبته الظروف لتبقى بالقرب من حبك."
استمرت الشعلة بالحديث.
"لكن ماذا قدمت لك نابيلار؟"
توقفت للحظة، ثم تابعت بصوت أكثر إغراءً:
"لا شيء."
"لقد اختارت رجلًا آخر غيرك."
بدأ اللهب الأسود يدور حوله، صعودًا وهبوطًا ببطء، وكأنه ينشر كلماته السامة في الهواء الخانق.
"أنا الفوضى… إذا وضعت يدك في يدي، يمكنني أن أزيل السبب الذي جعلك تخسرها."
أحكم ديفيد قبضته.
ثم انفجر ضاحكًا.
"هه..."
كان ضحكه خاليًا من الفرح.
"قد أكون محطمًا، مكسورًا، وربما مهلوسًا…"
رفع عينيه نحو الشعلة.
"لكنني بالتأكيد لم أصل إلى الحد الذي يجعلني أؤذي شخصًا أكنّ له المودة."
خرج صوته هادئًا، لكنه كان يحمل ثقل شخص دخل معركة بقلب سليم، ثم خرج منها وقلبه ممزق بين يديه.
---
"يمكنك تدمير السبب وراء تغيّرها عنك."
همست الشعلة.
"كايل… أليس هذا اسمه؟"
لم تتوقف.
ولم تكن تنوي التوقف.
للحظة، تخيل ديفيد الألم الذي سيصيب كايل لو اختار أن يستمع لهذا الصوت.
سواء كانت هذه الشعلة مجرد هلوسة من عقل متعب، أو شيئًا حقيقيًا جاء إليه…
فهي تمثل أسوأ جزء داخله.
هو لا ينكر أنه يريد تحطيم كايل.
يريد أن يكرهه.
ربما لأن كايل لم يكن السبب المباشر في اختيار نابيلار له، لكنه كان دائمًا ذلك الشخص الذي احتل مكانًا خاصًا في قلبها.
مكانًا لم يستطع ديفيد الوصول إليه.
---
وضع يده على صدره.
كان يشعر بقلبه ينزف مع كل ذكرى، بكل لحظة حب ضاعت، وبكل سنة قضاها وهو ينتظر شيئًا ربما لم يكن مقدرًا له.
لقد خسر تعبه.
وخسر سنوات عمره.
وخسر حلمه الصغير.
لكن في أعماقه، كان هناك صوت آخر يرفض الاستسلام.
"المعركة لم تنتهِ بعد… فالقلب الذي يحب لا يتوقف عن النبض بسهولة."
شد قبضته بقوة.
ثم رفع قدمه وسحق الشعلة السوداء تحتها.
ذلك الوسواس الذي اتخذ شكل لهب مظلم.
ذلك الجزء الذي حاول دفعه للخيانة.
كان عليه أن يختفي.
"حتى وإن لم تبادلني الشعور نفسه…"
قال بصوت مرتجف:
"أنا أختار ألا أخونها أبدًا."
---
ارتد صوته داخل المنزل الفارغ.
ذلك المنزل الذي صممه بنفسه.
الغرف التي اختار أثاثها بعناية.
كل زاوية فيه كانت تحمل حلمًا صغيرًا.
كان يتخيل يومًا أن يدعو نابيلار إليه.
ربما فقط لاحتساء كوب قهوة.
ربما فقط ليحصل على لحظة عادية معها.
لكن حتى هذا الحلم البسيط بدا بعيدًا الآن.
وفجأة…
توقفت أفكاره.
سمع خطوات تقترب.
ثم شعر بأنامل تمسك بقميصه من الخلف.
تجمد جسده.
هذه الرائحة…
لا يمكن أن يخطئها.
إنها هي.
إنها نابيلار.
---
للحظة، ظن أنه ما زال يحلم.
لكن عندما شعر بذراعيها تحيطان به، أدرك الحقيقة.
لم يكن يتخيل.
كان قلبه يكاد يخرج من صدره من شدة الفرح.
عناقها، رغم أنه لم يستمر سوى ثوانٍ، كان أشبه بمحيط يغسل روحه من الداخل.
أخرج كل السموم التي تراكمت في قلبه.
"هل أنت بخير؟"
خرج صوتها مختنقًا بالبكاء.
"لقد ظننت أن شيئًا سيئًا قد حدث لك… أنا… أنت لم ترد على مكالماتي. لم تفعل ذلك قط في حياتك."
كانت عيناها ممتلئتين بالدموع.
لكن هذه الدموع لم تكن بسببه.
هي لم تأتِ إليه لأنها اختارته.
بل لأنها احتاجت شخصًا تستند إليه.
كانت تعرف أنه أفضل من يستمع إليها.
ومع ذلك…
كان هذا كافيًا بالنسبة له.
---
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه رغم الحزن الذي يحيط به.
ضمها إلى صدره.
وبصوت متعب، كأنه خرج من أعماق روحه، قال:
"أنا بخير."
ثم همس:
"أنا بخير الآن."
وكأنه حصل على الشيء الوحيد الذي كان يريده.
وكأن حلمه الصغير تحقق.
ولو لثوانٍ فقط.
ولو كانت لحظة عابرة.
---
ابتعدت نابيلار عن حضنه، ثم ابتسمت وسط دموعها.
"زالت لعنتي يا ديفيد."
توقفت أنفاسه للحظة.
ثم انفجرت ملامحه بالسعادة.
كانت ردة فعله طفولية تمامًا.
رفعها في الهواء وكأنها طفلة صغيرة تطير بين يديه، بينما بدأت تضحك وتطلب منه أن ينزلها.
وفي تلك اللحظة…
شعر ديفيد أنه فهم معنى السعادة.
لأن نابيلار لم تتغير.
لا تزال هي نفسها أمامه.
وهذا يعني…
أنها ستبقى نابيلار التي أحبها.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!