الفصل الثاني
كان صوت مكبرات الشرطة يتردد في الأرجاء، مطالبًا إياهما بعدم التحرك، لكن الكلمات شتّتت تركيز كايل، فلم تعد بالنسبة إليه سوى ضوضاء بعيدة تزيد اضطرابه.
إنها مثله... مصاصة دماء.
لا عجب أنها تمكنت من إسقاطه أرضًا بتلك القوة.
رفع نظره إليها ببطء، ولا تزال أصابعها ممسكة بذراعه، وكأنها تخشى أن يقفز مجددًا.
"أحقًا... رأيتِ ذلك؟"
خرج صوته مترددًا على غير عادته.
كانت والدته تمتلك القدرة على التنبؤ بالمستقبل، لكن كايل لم يصدق يومًا أن حياة كهذه قد تنتظره. لا مستقبل لمخلوق مثله... هذا ما آمن به دائمًا.
اقتربت نابي خطوة أخرى، وظلت تحدق فيه مطولًا، وكأنها ترى ما لا يراه.
"اقتلني إن شعرت بأن حياتك بعد هذه اللحظة مجرد وهم. لن تخسر شيئًا إن حاولت... ثق بي."
همست بهدوء، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى شبر.
شعر بأن خلايا رأسه ستنفجر.
لا يا كايل... إنها تخدعك، تتلاعب بعقلك. ربما تريدك أن تقتلها فقط... لا تصدقها.
شد على أسنانه، وقبل أن يتخذ قرارًا، أمسكت نابيلار بيده، فتجمد في مكانه.
"توقف عن الجبن يا كايل. اسمي نابي... وعليك أن تعيش لنفسك هذه المرة."
حدقت مباشرة في عينيه. لم تكن نظرات شفقة، ولا خوف، بل نظرات لم تُرِد شيئًا سوى أن يبقى حيًا.
ارتجف صدره بعنف.
"اذهبي إلى الجحيم! أنتِ ومنطقك الأعوج!"
صرخ كايل، حتى طغى صوته على هدير المروحية فوقهما.
اشتعلت عيناه بغضب شرس، وبدت ملامحه مشوهة كوحش جريح، يحاول التهام كل ما تقع عيناه عليه.
"لا يهمني شيء! لا أمان مع أحد!"
صرخ، ثم دفعها بعنف نحو الحافة، وفي اللحظة التالية سقطا معًا.
اندفعت الرياح الباردة حول جسديهما، بينما كانت أضواء سيارات الشرطة تدور أسفلهما بجنون.
وأخيرًا... ظن كايل أن خلاصه قد حان.
لن يعود ذلك الظلام الذي يعشش في قلبه، ولن يسمع الأصوات التي تطارده، ولن يطارده فشله بعد الآن.
لكن قبل أن يلامس جسداهما الأرض، رفع عينيه نحو نابيلار.
كانت هادئة بشكل مستفز، لا تقاوم. عيناها مثبتتان في عيني كايل، وكأن الموت بالنسبة إليها يشبه احتساء قهوة الصباح كل يوم.
اشتدت أعصابه، وصرّ على أسنانه.
كيف يمكنها أن تبدو بهذه اللامبالاة؟ بكل هذا البرود؟
ثم...
ارتطم العالم.
صوت تحطم.
عظام تتكسر.
دماء تغطي سيارات الشرطة.
أجساد ممزقة فوق الإسفلت.
شهق كايل بعنف.
فتح عينيه فجأة وهو يلهث، كأن روحه أُعيدت بالقوة إلى جسده.
تراجع إلى الخلف واضعًا يده المرتجفة فوق فمه.
"مستحيل..."
اتسعت عيناه بصدمة.
كان لا يزال فوق السطح.
الرياح نفسها... المروحية نفسها...
"لا... لا يُعقل... هذا جنون."
تلعثم، بينما أخذ بصره يدور في المكان.
لقد شعر بالموت، وعاش تلك اللحظة، وشعر بعظامه تتحطم فعلًا.
بدأ قلبه يرتجف بعنف.
هل... ما حدث قبل قليل كان رؤية؟
رفع نظره إليها مجددًا.
هل هي السبب؟
لم يتعاطَ شيئًا اليوم. لا مخدرات، ولا عقاقير. كان عقله يجب أن يكون سليمًا.
ما حدث قبل لحظات لم يكن طبيعيًا.
تسارعت أنفاسه.
ماذا لو أنني أتوهم؟
اندفع فجأة نحو الخنجر الملقى على الأرض، والتقطه كالغريق الذي يتمسك بأنفاسه الأخيرة.
في حركة خاطفة باغتها، غرس النصل مباشرة في موضع قلبها دون تردد.
كانت طعنة قاتلة، حاسمة، لكن نابيلار لم تصرخ.
لا أحد ينجو من تلك الطعنة.
اتسعت عيناه، وفي أقل من رمشة، كانت تقف خلفه بلا أي جرح، وكأن الطعنة لم تحدث أصلًا.
تصلب جسده، وسقط السلاح من يده دون أن يشعر.
بدأت غرائزه كلها تصرخ مطالبة إياه بالابتعاد عنها.
هذه ليست طبيعية.
اقتربت نابي منه ببطء، حتى أصبحت شفتاها قريبتين من أذنه.
"مهما حاولت قتلي، لن تنجح."
همست بصوت منخفض.
"وإن أردت فنائي، فعليك أن تمتص كل قطرة من دمي."
شعر كايل بقشعريرة باردة تزحف أسفل عموده الفقري.
وفي تلك اللحظة، بدأت المروحية بالهبوط فوق سطح المبنى، بينما اندفع رجال الشرطة نحو الباب الحديدي.
لكن كايل لم يستطع إبعاد عينيه عنها.
ظلتا معلقتين بها...
بجمالها البارد، المبهم، القاتل.
لو كنت قادرًا على امتصاص دمك... لما كنت في عالم البشر الحقير أصلًا.
أراد قولها، لكن الكلمات علقت في حلقه.
قالت نابي بثبات:
"إما أن تقبل عرضي، أو أتركك هنا معهم."
ثم أضافت، وهي تمد يدها نحوه:
"القرار لك."
تردد كايل.
لأول مرة منذ زمن طويل، شعر بالخوف.
ولاؤه لمملكته لا يسمح له بأن يُؤسر، ويكفيه العار الذي يعيشه.
لكن الهرب مع فتاة مجهولة لا يعرف عنها شيئًا بدا جنونًا أكبر.
أغمض عينيه.
تدفقت الذكريات في عقله...
الدماء.
صرخات الضحايا.
لعنته.
فشله.
وصوت أخيه الذي ما زال يلاحقه.
ثم فتح عينيه أخيرًا، وقال بصوت خافت وهو يمد يده نحوها:
"من أجل المملكة."
ابتسمت، وكأنها كانت تعرف مسبقًا أنه سيوافق.
وما إن شبكت أصابعها بأصابعه، حتى اجتاح جسده ثقل غريب.
بدأت رؤيته تضطرب، وراحت الأصوات تتلاشى تدريجيًا.
كان آخر ما شعر به دفء يدها.
شعر وكأن الأرض اختفت من تحت قدميه، وانطوى العالم حوله
عندما فتح عينيه مجددًا، كان مستلقيًا على أريكة قديمة داخل شقة صغيرة.
رمش عدة مرات محاولًا استيعاب ما حدث.
لا يتذكر كيف غادر السطح، ولا كيف هرب من الشركة، ولا ما الذي فعلته نابي بالضبط.
"كايل، اعتبر نفسك في منزلك."
التفت نحو الصوت.
كانت نابي تنزع رباط شعرها بلا اكتراث، ثم ألقت بملابسها المتسخة داخل سلة قرب الأريكة.
كان التلفاز يعرض نشرة الأخبار.
وكما توقعت، لم يظهر أي خبر عن مطاردتهما.
حدق كايل في الشقة الصغيرة.
بالكاد كانت تتسع لشخصين.
بسيطة...
هادئة.
قالت وهي تتجه نحو الحمام:
"أعلم أن لديك ملايين الأسئلة."
ثم التفتت إليه قليلًا.
"خذ حمامًا أولًا، وبعدها سأجيبك عن كل شيء."
كانت نبرتها أقرب إلى الأمر منها إلى الاقتراح.
عبس كايل بضيق.
أراد خنقها، لكنه تذكر أن القتل العادي لا ينفع معها.
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل.
والشرطة، على الأرجح، ما تزال تطوق المدينة.
ولم يتسنَّ له حتى إخفاء آثار جريمته الأخيرة.
أغمض عينيه للحظة.
أدرك أن حياته لم تعد طبيعية منذ اللحظة التي التقى فيها بهذه الفتاة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!