نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 28 من 41
وضع القراءة:

الفصل السابع و العشرون

"ديفيد... هناك ما هو أهم مني."
ترددت نابيلار للحظة، وكأنها تجد صعوبة في نطق الكلمات التالية.
"إنها مينا يا ديفيد. لا أعلم ما الذي حدث لها، لكنها لا تستيقظ. لا أحد يعلم مكان أزار، حتى والدته اختفت أيضًا... لا أثر لأيٍّ منهما."
ارتجف صوتها.
"أرجوك... أكره الاعتراف بهذا، لكنه الوحيد الذي يملك معرفة عميقة بمصاصي الدماء."
خفضت نظرها للحظة، ثم همست:
"لقد تعرّضتُ للوسم."
كانت نابيلار عاجزة.
لقد جرّبت كل أنواع الأدوية، وحتى طقوس التطهير الخاصة بوالدتها، لكنها لم تستطع إعادة مينا إلى وعيها.
بقيت الطفلة غارقة في نوم غامض، وكأن شيئًا يفصلها عن هذا العالم.
---
شعر ديفيد بثقل الكلمات.
مرة أخرى...
هذه العائلة لن تتركه وشأنه.
والدها طرده بسبب أخطاء ابنه أزار، والآن الابنة التي أحبها تطلب منه العثور على الشخص الذي أشعل فتيل هذه الحرب اللعينة.
ومع ذلك...
لم يستطع رفضها.
ليس لأنه لم يتألم، بل لأنه يعرف أن نابيلار لا تطلب المساعدة إلا عندما تصل إلى حدودها.
"لأوضح شيئًا."
عاد صوته حازمًا.
"لم أعد أعمل لدى السيد فيقاس."
توقف للحظة، ثم تابع:
"ورغم ذلك، سأبذل كل ما في وسعي لإيجادها."
كانت نابيلار تتوقع أن يرفض.
بل كانت تعلم أن صمته الطويل لم يكن إلا نتيجة شيء عميق يحاول إخفاءه.
لكنها لم تتوقع أن يظل مستعدًا لمساعدتها رغم كل شيء.
---
"لا أعلم لماذا يستمر أبي في جرح الأشخاص الذين يهتمون به..."
فكرت نابيلار وهي تنظر إليه بصمت.
كان عليها أن تعترف بحقيقة مؤلمة.
ربما وجودها في حياته لم يكن عادلًا بالنسبة له.
فهي لم تأتِ إليه يومًا إلا عندما احتاجت إليه.
حتى إنها لم تسمح له بدخول منطقتها الخاصة أو الاقتراب منها كما يريد.
كلما فكرت في الأمر أكثر، شعرت بأنها ربما جرحته بما يكفي.
لكن قبل أن تستطيع قول أي شيء...
تغير شيء ما.
---
اهتز الهواء فجأة.
رفعت نابيلار رأسها باستغراب.
وكأن السماء استجابت لأفكارها، انشق شيء في الأعلى، وفي اللحظة التالية...
تحطم المنزل فوق رأسيهما.
لم يمنح الانهيار ديفيد فرصة للتفكير.
اندفع نحو نابيلار، وأحاطها بجسده ليحميها من الأنقاض المتساقطة.
كانت يداه تمسكان معصمها بقوة.
وفي تلك اللحظة بالذات...
بدأ وشم الجناح المكسور على ذراع نابيلار يتوهج.
ثم تغير.
الجناح المحطم...
أصبح سليمًا.
---
سقط الصمت لثوانٍ.
ثم قبض ديفيد على الأنقاض التي دفنتهما، ورفعها بقوة، قبل أن يرميها خلفه.
نظر كلاهما إلى الآخر.
كان ديفيد يحاول استيعاب ما حدث.
"أنا متأكد..."
قال وهو يحدق بها.
"أن الإحساس القوي الذي شعرت به، والكهرباء التي سرت في عنقي... جاءت منكِ يا نابيلار."
نظر إلى المكان الذي كانا يقفان فيه قبل لحظات.
"لو لم يحدث ذلك، لكنا سُحقنا بالكامل."
ظل صامتًا للحظة.
كلما حاول فهم حجم القوة التي تمتلكها نابيلار، فقد قدرته على التفكير بمنطق.
"أي لعنة هذه بحق الله؟"
---
لكن نابيلار لم تكن تسمعه.
كانت عيناها قد تغيرتا.
أصبحتا بلون ذهبي خالص.
بدا وكأنها انتقلت إلى نطاق مختلف تمامًا عن العالم المحيط بها.
كانت السماء تحت قدميها تعكس صفاء السماء فوق رأسها، كأنها تقف بين عالمين.
كان المشهد ساحرًا ومخيفًا في الوقت نفسه.
مشهد جعل قلب ديفيد يرتجف.
---
ظهرت حولها آلاف الرموز والشخصيات الغريبة.
كانت تظهر للحظات ثم تختفي، كأنها لغة قديمة تحاول أن تكشف عن نفسها.
ومن بينها...
اقترب طيف غريب.
كان يشبه فتاة في عمر الزهور.
لم تكن فائقة الجمال، لكن وجودها كان يحمل شيئًا غير طبيعي.
شيئًا جعل نابيلار تشعر بالخطر.
---
"نابيلار... ابنة سيلارا."
تردد صوت الفتاة داخل عقلها.
"خلاص العالم وفناؤه يكمنان في قرار واحد منكِ."
توقف الصوت للحظة.
ثم قال:
"أيتها الفارسة المقدسة..."
"الفوضى."
"أو ما تجسده رغباتك لطردها."
---
ظل الصوت يتردد داخل عقل نابيلار.
حتى شهقت فجأة، كأن تيارًا كهربائيًا ضرب جسدها.
وفي اللحظة التالية...
سُحبت بعنف إلى الخلف.
شعرت بأيدٍ كثيرة تمسك بها وتقيّدها.
حاولت المقاومة، لكن جسدها لم يستجب.
ثم فتحت عينيها بصعوبة.
رأت ديفيد.
كان يقاتل وحده.
حولَه كانت كيانات الكيتو ووحوش سوداء ضخمة بأجنحة تهاجمه من كل اتجاه.
حتى الأشخاص الذين كانوا يسحبونها بعيدًا كانوا يعانون من مقاومة هذه الكيانات.
---
كان جسد نابيلار مخدرًا بالكامل.
لم تستطع تحريك إصبع واحد.
هؤلاء ليسوا رجال والدها.
لقد أدركت ذلك عندما رأت الشعارات المختلفة على ملابسهم.
إنهم ينتمون إلى ممالك أخرى.
لكن لماذا يأخذونها؟
ولماذا الآن؟
---
"نابيلار!"
وصل صوت ديفيد إليها وسط الفوضى.
"لا تقلقي... سأجدك."
رفع رأسه نحوها.
"أقسم ألا أحد سيؤذيك!"
وفي تلك اللحظة...
شعر بطاقة هائلة تتجمع أمامه.
تشكلت على هيئة سيف.
انشقت السماء الحمراء، وسقط نور هائل عليه، وكأن أسطورة قديمة عادت إلى الحياة وسط صراخ الوحوش.
---
"لا تدعوا الغذاء يهرب!"
خرج صوت أحد الكيتو أخيرًا بوضوح.
"إنها الروح لنا! أمسكوا نابيلار!"
وأشار إلى المركبة التي كانت تُجبر نابيلار على الصعود إليها.
---
لم يكن ديفيد قادرًا على السماح لهم بأخذها.
صحيح أنه يعلم أنها ربما لن تكون في خطر داخل أيدي الممالك الأخرى...
لكن شيئًا داخله رفض تركها.
في تلك اللحظة، ظهر صوت غامض في ذهنه:
"تهانينا الحارة."
"لقد استحققت أن تكون حامي الفارسة المقدسة."
"استل هذا السيف... وأتمم به القسم."
---
لم يكن هذا مشهدًا داخل لعبة أو رواية خيالية.
لم يكن هناك زر للعودة أو فرصة لإعادة الاختيار.
كان هذا واقعًا.
وكان عليه أن يقرر.
حدق ديفيد في السيف المغروس داخل الصخرة المحطمة.
الحامي.
الفارسة المقدسة.
نظر إلى نابيلار.
بالطبع...
سيفعل أي شيء من أجلها.
مد يده.
وأمسك المقبض.
ثم انتزع السيف.
---
وفي اللحظة التالية...
اندفعت عشرات من كيانات الكيتو نحوه.
كانت تتصارع فيما بينها، لكنها اتفقت على شيء واحد:
نهش عظامه.
رفع ديفيد سيفه.
ولوّح به.
فانطلقت موجات من الضوء اخترقت أجسادهم.
كان يتحرك بصمت، بخطوات ثابتة، وضربات دقيقة...
كراقص يؤدي عرضًا لا يجسد الموت، بل الخلاص.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.