الفصل الثاني و العشرون
لما استطاع تشغيل هذا السلاح.
ولما عادت الفوضى إلى العالم.
ولما وُلدت الكيتو من جديد.
على الشاشة...
اختفى الهدوء.
تحولت الشوارع إلى ساحات دماء.
أطفال يصرخون.
أمهات يهربن.
آباء يلقون بأنفسهم أمام الكيتو لإنقاذ صغارهم.
كانت مملكة مافيستا تنهار أمام عينيه.
ورغم ذلك...
لم يتحرك أزار.
ظل يراقب بصمت.
شعر بالفراغ يبتلع صدره.
كان يظن أن رؤية هذا المشهد ستمنحه الراحة.
لكن شيئًا لم يتغير.
بل ازداد خواءً.
كأن كل صرخة يسمعها تنزع جزءًا آخر من روحه.
اقترب العالم منه وهو يتابع الدمار بإعجاب.
وقال:
"سيدي... لقد نجحت في زرع البذرة."
ابتسم ابتسامة المنتصر.
"لن يتوقع هؤلاء الحمقى كيف اخترقنا دفاعاتهم."
مرت في ذهن أزار صور قديمة.
ثغرات صنعها أسلافه عبر عشرات السنين.
أسرار دفنت داخل حصون مافيستا.
واليوم...
حان وقت استغلالها.
لكن سؤالًا واحدًا ظل يطارده.
هل هذا حقًا ما كنت أريده؟
هل أردت رؤية الرعب في أعينهم؟
هل أردت سماع صراخ الأطفال؟
أطبق على فكيه بقوة.
ثم دفن كل تلك الأسئلة في أعماقه.
"أطلق بقية الأسهم."
قالها بصوت خافت.
لكن العالم تردد.
رفع أزار نظره إليه.
كانت عيناه خاليتين من أي رحمة.
"غليلي لم يُشفَ بعد."
ارتفع صوته هذه المرة.
"لم أشبع من صرخاتهم."
ثم صرخ:
"أريدهم أن يذوقوا كل الألم الذي قاسيته."
أصبح صوته زئير أسد جريح.
صرخة رجل فقد كل شيء.
ولم يتردد العالم لحظة واحدة.
وجه مئات الأسهم الأخرى نحو مختلف أنحاء مملكة مافيستا.
وقف أزار أمام الشاشة، يراقب الكارثة التي صنعها بيديه.
ثم همس، وعيناه لا تفارقان المشهد:
"الآن... يا أبي."
ساد الصمت.
"أرني كيف ستحمي مملكتك..."
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة.
"...حين يردّ لك مصاصو الدماء الصاع صاعين."
...
في الجهة الأخرى من العالم... داخل مملكة مافيستا.
سقطت الكأس المقدسة من يد الملكة، فاصطدمت بالأرض وتناثرت شظاياها في أنحاء القاعة.
ساد الصمت.
أسرعت الوصيفات نحوها، لكن الملكة رفعت يدها بإشارة هادئة، تمنعهن من الاقتراب.
جلست على الأريكة ببطء، بينما كانت عيناها تحدقان في الفراغ، وكأنهما تشاهدان ما لا يراه أحد غيرها.
بفضل رؤيتها الفائقة، كانت ترى مملكتها بأكملها وهي تغرق في الفوضى.
شوارع امتلأت بالدماء.
مواطنون يهربون بلا وجهة.
وأجساد الكيتو تعيث فسادًا في كل مكان.
مهما بلغت قوة عامة مصاصي الدماء ومهاراتهم...
فلم يكونوا ندًا لتلك الكائنات البدائية.
ارتجف قلبها عندما رأت أبًا يرمي بنفسه بين أنياب الكيتو، فقط ليمنح طفله فرصة للهرب.
أغمضت عينيها بقوة.
كم كانت عاجزة.
وكم كرهت هذا الشعور.
في تلك اللحظة، عاد إلى ذهنها صوت لم يفارق ذاكرتها يومًا.
صوت أختها.
"لقد حذرتكِ يا أونا... ما كان عليكِ تنفيذ رؤيا العرافة الأزلية بشأن التخلص من الفارس المقدس. الآن، لا أحد قادر على إيقاف هذه الفوضى سوى من تسبب بها."
ترددت الكلمات داخل رأسها كأنها قيلت للتو.
همست الملكة لنفسها، وكأنها تجيب شبح أختها:
"وماذا كان عليّ أن أفعل؟"
ارتجف صوتها.
"كان عليها أن تبقى عذراء... لكنها اختارت بشريًا زوجًا لها."
خفضت رأسها.
"هي من ورثت قوة الفارس المقدس... وكان مصيرها أن تضحي بنفسها من أجل عرقنا."
ساد الصمت للحظات.
ثم همست، وكأنها تحاول إقناع نفسها أكثر من أي شخص آخر:
"لم أكن مخطئة... كان لا بد أن تتحقق النبوءة."
لكن للمرة الأولى...
لم يمنحها هذا التبرير أي راحة.
تتابعت التقارير من مختلف أرجاء المملكة.
الكيتو ينتشرون بسرعة مرعبة.
الجنود يقاتلون.
لكن كل ما يفعلونه لا يتجاوز تأخير الكارثة.
كان الوقت ينفد.
عندها فُتح باب القاعة.
دخل ويليام مسرعًا، لكنه توقف فور أن وقعت عيناه على والدته.
طالما عرفها رمزًا للحكمة والثبات.
أما اليوم...
فقد رأى الخوف على وجهها لأول مرة.
اقترب منها ببطء.
"جلالتك..."
رفعت نظرها إليه.
ولم تحتج إلى كثير من الكلمات.
"ويليام..."
كان صوتها مثقلًا بما يكفي.
"عليك أن تجد الإمبراطور."
ساد الصمت في القاعة.
ثم تابعت:
"هو الأمل الوحيد لنجاة مملكتنا."
اتسعت عينا ويليام.
الإمبراطور...
الاسم الذي تحول إلى أسطورة.
الاسم الذي لطالما رفض الجميع مجرد التفكير في عودته.
بدأ الدم يغلي في عروقه.
كان يحلم بالعرش.
وبالمجد.
وبأن يصبح أعظم ملوك مافيستا.
لكن وهو يرى والدته بهذه الهيئة...
اختفت كل تلك الأحلام.
تبا للعرش...
وتبا للسلطة.
لم يعد لأي منها قيمة.
انحنى أمامها بكل احترام.
"سأجده."
رفع رأسه بثبات.
"حتى لو كان الثمن حياتي."
ثم وضع قبضته على صدره.
"تحيا مافيستا... جلالتك."
اختفى في لمح البصر.
وخلفه سبعة من فرسان المملكة.
وأثناء اندفاعهم عبر شوارع مافيستا...
لم يستطع أي منهم تجاهل المشهد.
النيران.
الصراخ.
الدماء.
لم يعد هناك فرق بين نبيل وعامة.
ولا بين قائد وجندي.
الجميع يتألمون بالطريقة نفسها.
ورغم ذلك...
ظل سؤال واحد يطارد ويليام.
أي نوع من الرجال يكون الإمبراطور؟
وهل سيوافق أصلًا على إنقاذ مصاصي الدماء؟
تحدثت الروايات القديمة عن احتمال أن يكون الإمبراطور ذا أصل بشري.
وهو أمر كان يرفض تصديقه.
كيف يمكن لبشري...
أن يكون أصل هذا العرق المجيد؟
عاد صوت أحد المستشارين ليقطع أفكاره.
"جلالتك..."
رفع تقريرًا بين يديه.
"أكد جواسيسنا أن البشر هم من بدأوا هذا الهجوم."
ساد الصمت.
ثم أكمل:
"لقد استخدموا سلاحًا جديدًا لتحويل أبناء عرقنا إلى الكيتو... وجرّنا إلى الحرب."
قبضت الملكة على ذراع كرسيها بقوة.
حتى الآن...
تجاوز عدد الضحايا مئة ألف من أبناء مملكتها.
وكان العدد يزداد مع كل دقيقة.
تنفست ببطء.
ثم نهضت.
ساد الصمت في القاعة بأكملها.
كانت الملكة التي أمضت ثلاثة قرون تمنع أي حرب...
تقف الآن على وشك اتخاذ القرار الذي أفنت حياتها لتجنبه.
قالت بصوت هادئ...
لكنه حمل من الحزم ما جعل الجميع ينتصبون في أماكنهم.
"الاكتفاء بالدفاع..."
رفعت رأسها.
"...سيكون خيانة لمن ماتوا."
نظرت إلى قادة الجيش واحدًا تلو الآخر.
ثم أصدرت أوامرها:
"أيها الجنرال..."
"جهز الجيش."
"افتحوا بوابات العالمين."
"انزعوا الأطواق التي تكبح نية القتل."
توقفت لحظة.
ثم قالت بصوت امتلأ بالغضب:
"أريد ممن تسبب بهذا الدمار..."
"...أن يرى الموت بعينيه."
"...ويتمنى الحصول عليه..."
"...دون أن يناله."
تبادل الحاضرون النظرات.
لم يسبق لهم أن سمعوا ملكة الحكمة والرزانة تتحدث بهذه القسوة.
فلمدة ثلاثمئة عام...
حافظت مافيستا على السلام.
ولم تسمح بسفك قطرة دم واحدة دون سبب.
أما اليوم...
فقد تجاوز البشر كل الخطوط.
استدارت الملكة نحو نافذة القصر.
كانت النيران تضيء سماء مافيستا.
أغمضت عينيها للحظة.
ثم قالت بهدوء:
"رغم كل شيء..."
"لن أطعنهم غدرًا."
استدارت نحو مستشاريها.
"أريدهم أن يعلموا أن الحرب قادمة."
"وأن يرتجفوا من مجرد سماع اسم عرقنا."
ثم أمرت:
"جهزوا مرآة العالم."
بدأت تخطو نحو أعلى نقطة في مملكة مافيستا.
المكان الذي تبلغ فيه قوة التواصل بين العالمين ذروتها.
كانت تعرف أن الوحش...
يحفظ عهوده دائمًا.
والآن...
حان الوقت ليتحمل من يسمون أنفسهم العقلاء نتائج الجنون الذي صنعه أحد أبنائهم.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!