الفصل الرابع و الثلاثون
اهتز هاتفها داخل جيب بنطالها، قاطعًا موجة الأحزان التي كانت تغرق فيها.
خفضت نابيلار رأسها، وما زالت الكلمات التي سمعتها من والدتها تتردد في ذهنها.
"لا يُعقل أن تكون هناك قوى أخرى تقف وراء موت والدتي... وأنا التي عشت طوال هذه السنوات أظن أنني أنا من تسببت في وفاتها."
أخرجت هاتفها بيد مرتجفة، وما إن وقعت عيناها على الرسالة حتى ازداد اضطرابها.
> "نابيلار، عندما يكتمل القمر فوق الميتم، دعينا نلتقي. لديّ أمر مهم أريد إخبارك به."
تسارعت دقات قلبها.
لم يكن هناك سوى شخص واحد يمكن أن يرسل إليها مثل هذه الرسالة.
كايل.
تشتتت أفكارها أكثر، ومسحت دموعها على عجل.
ورغم الفوضى التي تعصف بالعالم، شعرت بجزءٍ من قلبها يحمد الله لأنه لا يزال على قيد الحياة.
لكن شعور الارتياح لم يدم طويلًا.
حتى هذا القصر المحصن لن يصمد طويلًا إذا تعرض لهجوم من أكثر من مصاص دماء من الفئة الملكية.
ترى...
ما الأمر المهم الذي أراد كايل إخبارها به؟
ظل السؤال يدور في رأسها حتى قطع عليها سلسلة أفكارها.
طرقات خفيفة على الباب.
لم تنتظر حتى تأذن بالدخول، إذ أطل رئيس الخدم برأسه من خلف الباب، وقال باحترام:
"السيد أزار عاد إلى القصر."
كان رئيس الخدم من القلة التي تحفظ جميع مداخل القصر ومخارجه، حتى الممرات السرية التي لا يعلم بوجودها سوى أفراد العائلة المالكة.
انتفضت نابيلار من مكانها.
وكأن قدميها تحركتا من تلقاء نفسيهما، تقودهما إلى أكثر مكان يقلقها في تلك اللحظة.
جناح العلاج.
حيث ترقد مينا.
---
ما إن وصلت، حتى رأت أزار واقفًا إلى جوار الفراش، يتفحص حالة ابنته بعناية.
لأول مرة، حدقت في ملامحه عن قرب.
كان وجهه جامدًا، لكن عينيه كانتا تخفيان قلقًا عميقًا.
ومن نظراته وحدها، أدركت أن علاج مينا ليس موجودًا في هذا المكان.
اقتربت ببطء من الفراش، ثم همست بصوت خافت:
"هل... ستكون بخير؟"
تنفس أزار بعمق.
لم يتخيل يومًا أنه سيعود إلى هذا القصر.
فقد غادره وهو في الثامنة عشرة من عمره، وشق طريقه وحده حتى وصل إلى المنصب الذي سلبه والده منه.
وكان السبب...
عقدة الماضي التي لم يستطع تجاوزها.
نابيلار.
رفع رأسه أخيرًا، وقال بصوت هادئ:
"لقد انتقل إليها نوع من اللعنات... لعنة أقرب إلى الأساطير الأزلية."
توقف لحظة، ثم سألها:
"هل سمعتِ من قبل بعالم الفوضى؟ أو بزعيم الفوضى؟"
شهقت نابيلار.
كيف يمكن لطفلة بريئة مثل مينا أن تحمل لعنة كهذه؟
ألم يعد هناك مكان في هذا العالم يخلو من اللعنات والمآسي؟
شعرت بثقل يجثم فوق صدرها، حتى بدا جسدها أكثر إنهاكًا من أي وقت مضى.
أكمل أزار، وعيناه معلقتان بالوشم على جسد مينا:
"أخشى أنه إن لم أعالجها في الوقت المناسب، فسيتخذها زعيم الفوضى وعاءً له."
صمت لحظة.
"أنا أعرف هذا الوشم."
بدت ثقته مخيفة.
وكأنه رأى هذه اللعنة من قبل.
شد قبضته بقوة حتى برزت عروق يده.
"تلك الفأرة اللعينة..."
خرجت كلماته ممتزجة بالغضب.
"تخلصت من مصيرها، وألصقته بابنتي... فقط لتنتقم مني."
ازدادت قبضته إحكامًا.
"سأجدك، أيتها الفأرة الهاربة من مختبري... وسأتأكد من أنك ستذوقين ضعف ما تعانيه مينا."
ساد الصمت للحظات.
كان أزار يعلم جيدًا ما يحتاج إليه.
خام الطاقة الزرقاء.
ذلك الخام النادر الذي لم يُعثر عليه سوى مرة واحدة، قبل عصر الفوضى الأول.
أطرق برأسه، ثم تمتم بأسف:
"اللعنة..."
أغلق عينيه.
"لو أنني أستطيع العودة بالزمن..."
ترددت كلماته في أذن نابيلار.
ولو أُتيحت لها فرصة العودة فعلًا...
لغيّرت كل شيء.
ولمنعت كل المآسي التي أصابت البشر ومصاصي الدماء على حد سواء.
---
وفي مكان آخر...
بينما كانت نابيلار تبحث عن سبيل لإيقاف الحرب، كانت أخبار الكارثة قد وصلت إلى وليام.
سقط على ركبتيه.
وضغط على صدره بقوة، بينما سالت الدموع من عينيه دون أن يشعر.
قال بصوت مبحوح:
"لقد ماتت الملكة..."
خفض رأسه أكثر.
"قُتلت بأسهم البشر."
توقف لحظة قبل أن يضيف:
"والملك... مات هو الآخر."
كان قد تلقى الخبر من كبار مصاصي الدماء، ممن نجوا من أفراد العائلة المالكة.
لكن الخبر لم يكن نهاية الكارثة.
فقد أخبروه أيضًا أن طاقة الأصل داخل القصر خرجت عن السيطرة.
وإن لم تُحتوَ سريعًا...
فلن يبقى أي أثر لمملكة مافيستا.
قبض وليام على أسنانه.
"لم أتوقع أن تسقط والدتي بهذه السرعة..."
رفع رأسه، وقد امتلأت عيناه بالغضب.
"أيها البشر الملاعين..."
وفجأة...
بدأت مكعبات من أرضية المكان ترتفع في الهواء، وكأن الجاذبية نفسها قد اختفت.
لم تتوقف عند الأرض.
حتى الأبنية بدأت تطفو، وتبعها الناس، وكل ما حولهم.
أدرك وليام أن الوقت لم يعد يسمح بالحزن.
لن يتمكن من الانتقام الآن.
عليه أن يعود فورًا.
فبعد وفاة الملكة...
أصبح هو المرشح الأول لاعتلاء عرش مافيستا.
---
مرّت عشر ساعات وهو جالس على الرصيف المحطم، ينتظر وصولها.
كان يحدق في كل شارعٍ مدمر، يترقب ظهورها بين الأنقاض، وكأن عينيه ترفضان الاستسلام.
كان ينتظر زهرته...
الفتاة التي أسرت عقله قبل أن تأسر قلبه.
أما خبر وفاة والدته، فقد هز كيانه بعنف. كان قد سمع به من فارس التطهير، الذي نجا بصعوبة بعد أن أرسله في مهمة لتفقّد أوضاع مملكة مافيستا عقب مقتل الحاكمة.
تنهد كايل طويلًا، ثم همس محاولًا طمأنة نفسه:
"أنا واثق أن وليام يستطيع السيطرة على طاقة الأصل، وستستقر أمور المملكة."
لكن أعماقه كانت تعرف الحقيقة.
نابيلار لن تأتي.
ولماذا قد تأتي أصلًا؟
إنها أميرة...
أما هو، فما زال مجرد شاب التقاها في ظروف استثنائية.
أخفض بصره إلى المعلومات التي نُشرت عنها مؤخرًا، ثم ابتسم بسخرية من نفسه.
"أتيتُ لأخبرك أنني سأقاتل في صف البشر."
هز رأسه بخفة.
هل سيخون عرقه من أجل فتاة؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!