نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

الفصل الأول

الفصل الأول
"هه، لقد فشلت مرة أخرى في امتصاص دم فريستك، أأنت حقًا مصاص دماء؟"
لم يكن الصوت مسموعًا في الغرفة، لكنه كان يثقل رأسه.
رفع جسده ببطء عن الجثة الممددة عند قدميه، في محاولة يائسة لتجاهل الصوت.
كانت الغرفة خانقة. رائحة نبيذ قوي تنبعث من القناني المحطمة فوق البلاط، مختلطة برائحة الدم. انعكست أضواء السيارات القادمة من الشارع على الجدران الباهتة، فبدت الظلال وكأنها تتحرك حوله.
عاد الصوت يخترق رأس كايل:
"لقد جلبت العار لنسلنا العريق."
"نفيك إلى عالم البشر لم يجد نفعًا."
"لِمَ لا تموت فقط؟"
أغمض عينيه بقوة، وضغط بكفيه على رأسه.
"توقف... آه..."
خرج صوته متقطعًا، بينما كان يتجاهل بركة الدم تحت قدميه، وكان سلاحه يقطر دمًا.
'أنا لست نكرة.'
ظل يسعل لدقائق، قبل أن يوجه نظره نحو الشق المفتوح في معصم الضحية. مد يده نحو الملاءة ليغطي وجهها، لكن يده توقفت عندما وقعت عيناه على إطار صورة صغير بجانب الوسادة.
امرأة تبتسم، وإلى جانبها فتى صغير يحتضنها.
'ليس خطأك يا كايل، البشر غذاؤنا، إنها الطريقة الوحيدة لتستعيد قواك.'
'هه... ماذا لو كان حديث ويليام صحيحًا؟'
أطبق قبضته بعنف، ثم قذف هاتفه نحو المرآة.
تحطمت المرآة، وتناثرت شظاياها على الأرض، كاشفةً الهالات الداكنة تحت عينيه. ارتجفت شفتاه، وكأن الكلمات غصة في حلقه.
"تبًا لك يا ويليام."
راح يرمي كل ما وقع عليه بصره ويحطمه على الأرض.
"لا تتحدث! سئمت من صوتك الذي يلاحقني، ألا يكفيك استيلاؤك على مكاني؟!"
صرخ حتى تشقق صوته، ثم ضرب الحائط بكلتا يديه. تسرب عرق بارد من جبينه، وساد الصمت للحظات.
بقي في مكانه لأكثر من ساعة دون أن يتحرك.
وأخيرًا نهض، ونفض الغبار عن سرواله. قادته خطواته إلى أحد الأدراج في الخلف، فأخرج منه سكينًا فضيًا.
رفع كم قميصه، ورسم على جلده خطين متقاطعين، لم يتجاوز حجمهما حجم حبة فستق. لم ينزف دمًا، بل تحول الجرح فورًا إلى اللون البني القاتم.
ضحك بسخرية وهو يحدق في السقف.
"كان هذا الجرح سيشفى تلقائيًا لو كنتُ مصاصَ دماءٍ كاملًا."
فجأة، دوى ضجيج قادم من الشارع.
وضع ما بيده على الطاولة، ثم تقدم نحو النافذة ذات الستائر المهترئة، يراقب سيارات الشرطة وهي تطوق المبنى من الأسفل.
عاد وأغلق الستائر سريعًا، وأسند ظهره إلى جدار الغرفة، ثم ضرب الأرض بقدمه.
"اللعنة، إنه ليس وقتكم يا أغبياء!"
بدأ يجمع أغراضه بسرعة، ووضع خنجره في جيبه الخلفي، ثم ألقى نظرة أخيرة إلى السيدة الممددة بجانب الفراش. كانت عيناها مفتوحتين، دامعتين، وقد تجمد فيهما خوفها الأخير.
ارتدى قفازه الأسود، فداس على إحدى الألعاب، فبدأت بالغناء.
"باب الطوارئ."
توجه نحو السلالم محاولًا الهرب.
"أسرعوا يا رجال! طوقوا المكان!"
توقف فجأة عندما سمع الأصوات القادمة من الأسفل. استطاع تحديد موقع رجال الشرطة بدقة، فركل الكرسي القريب من الممر.
'إنهم منتشرون في الطابق الرابع... قريبًا سيصلون إلى هنا.'
توجه إلى المصعد، وضغط الزر مرة.
"هيا... هيا."
كرر المحاولة، لكن المصعد لم يعمل.
دون سابق إنذار، دوى إطلاق نار متتالٍ.
تسارع تنفسه، فاستدار نحو السلالم، وركض إلى الأعلى. ركل الباب الحديدي بقوة، فتحطم القفل، حتى وصل إلى سطح المبنى.
كان السطح بلا أي سياج. كانت صناديق خشبية كثيرة مبعثرة في كل مكان، وفي الجهة الشمالية لمح سلمًا خارجيًا يصعد عليه عدد من رجال الشرطة.
مرت رصاصة بجانب كتفه.
وانغرست أخرى في الصندوق أمامه.
أخفض كايل رأسه، ثم ركض حتى وصل إلى الحافة، وجر قدميه ببطء.
من هذه الزاوية، كان يستطيع رؤية سيارات الشرطة التي تطوق المكان. وفي السماء، كانت مروحية تتقدم نحوه، تشق ظلام الليل.
"سيكون عارًا إن أمسكوا بي حيًا."
تيبست أنامله، بينما ملأ رئتيه بالهواء البارد، فارتجف جسده بقشعريرة حادة.
"هه، لم يبقَ سوى مخرج واحد."
تمتم وهو يحدق في الفراغ السحيق أسفله.
ابتلع ريقه الجاف، ثم وقف بثبات على الحافة، وبسط ذراعيه، بينما تعبث الريح بقميصه.
آلاف الضحايا مروا بين يديه.
علقت إحدى قدميه في الهواء، بينما ظلت الأخرى على السطح.
دقت ساعة البرج معلنة منتصف الليل.
"هه، لا أصدق... اللعنة. لطالما كنتُ كابوسًا في أعين البشر."
حدق إلى يديه المرتجفتين. تساقطت قطع من الطوب بجوار قدمه، واندفعت نحو الأسفل. تراجع خطوة إلى الخلف، ورفع نظره إلى برج الساعة الذي أشار إلى الثانية عشرة والربع.
في الجهة الأخرى من السطح، كانت تراقبه بصمت.
للحظة، لم ترَ أمامها ذلك القاتل الذي تطارده الشرطة.
رأت الوجه نفسه الذي ظهر في رؤياها مرارًا.
منذ أن وقعت عيناها عليه، عادت تلك الصورة المزعجة إلى ذهنها من جديد.
لم تفهم يومًا سبب ظهوره في رؤاها المتكررة، لكنها كانت متأكدة من أمر واحد:
لا يجب أن يموت الليلة.
لهذا تركت ما بين يديها، وتحركت نحوه دون تردد، متجاهلة أفراد الشرطة.
"اقبضوا عليها! لا تطلقوا النار، الزعيم يريدها حية!"
تجمد في مكانه. لم تكن الأصوات موجهة إليه.
سمع قفزات سريعة فوق الصناديق. أجبرته هالة غريبة على فتح عينيه بدهشة. كانت هناك خطوات أخرى عديدة... خطوات رجال الشرطة.
"أيطاردون أحدًا غيري؟"
استدار نحو مصدر الصوت. في اللحظة التالية، شعر بيدٍ تمسك قميصه بعنف وتجره إلى الخلف، فسقط أرضًا، حتى ملأ صفير حاد أذنيه.
عندما رفع نظره، التقت عيناه بعينين ناعستين، جعلتاه يتساءل: هل عليه أن يصدق أنها إنسية فعلًا، أم أن كل هذا من نسيج خياله؟
بدت بشرتها البيضاء غريبة وسط ذلك الظلام.
وفي اللحظة التي تشتت فيها انتباهه، دفعت كتفه بقوة حتى اختل توازنه، ثم انتزعت خنجره وثبتت نصله على عنقه.
حاول إبعاد ذراعها، لكن دون جدوى.
قطب حاجبيه.
'مهلًا، كيف تمكنت من أخذ خنجري؟'
ابتسمت الحسناء، وكأنها قرأت ما يدور في نفسه.
"اسمعني، لا يهمني أي نوع من المصائب تلاحقك، ولكن لا تقتل نفسك."
تحدثت بثبات، لكن صوتها بدا له أشبه بتهويدة لطفل على وشك النوم.
تأمل ملامحها بصمت.
"أمجنونة أنت؟ العالم قاسٍ. تتحدثين وكأنك أنا. من تظنين نفسك؟"
خرجت الكلمات بين ضحكاته الساخرة، قبل أن يغطي عينيه بيده.
كان آخر ما يتوقعه أن تعيق طريقه فتاة بشرية.
فحص تفاصيل ذراعها، فلم يجد أي أثر لجروح.
كان هدوؤها مفرطًا.
لقد رأت أنيابه بوضوح، ومع ذلك لم تبد خائفة، وكأنها معتادة على رؤية أمثاله.
كشفت عن أنيابها بهدوء، ثم قالت:
"وما العيب في أن تكون مصاص دماء بلا قوى خاصة؟"
ثم رمت الخنجر بعيدًا.
لثانية، ظن كايل أنها ستلعب دور المفترس وتنقض عليه، لكنها اكتفت بالوقوف تحدق فيه.
"ألستِ خائفة من أن أقتلك؟"
بدت كلماته لها كنكتة طريفة، فاتسعت ابتسامتها أكثر، ليراقبها وهي تتراجع وتفتح ذراعيها.
كشف ضوء المروحية سواد شعرها المتطاير.
اقتربت أصوات رجال الشرطة من السلالم.
انحنت قليلًا، ومدت يدها في الهواء.
لمح كايل بريق طاقة في عينيها.
"لا، لست خائفة. تعال معي، ولن يؤذيك أحد."
كان ثمة شيء غريب فيها.
كانت غريزته تصرخ، مطالبةً إياه بالهرب.
'أنا من فقد عقله. هذه تفاهة. لماذا لا أجعلها تسقط معي؟ هكذا سأتخلص منها... ومني.'
اقترب منها.
"اقتلني."
"ولكن عش أنت. ما زال الطريق أمامك ممتدًا... أستطيع رؤية ذلك."
رمش مرتين، وكأنه يحاول طرد الفكرة من ذهنه.
'إنها ليست كأي مصاصة دماء أعرفها.'
"نحن سيان."
توقفت خطواته فجأة.
وضع يده فوق صدره. تشوشت رؤيته، وتراجع نصف خطوة، وكأنه يرفض تصديق كلماتها.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.