الفصل السابع و الثلاثون
فجأة، وجدت نفسها ملقاة على الأرض، ويدها تتحسس أثر الصفعة التي تلقتها.
"اصمتي. لقد سمعناكِ بما يكفي. لن أسمح لكِ بأخذ مينا!"
قالت نابيلار ذلك وهي تمد يدها لتشكّل درعًا يحمي من خلفها.
كانت ماليسا تحتضن ابنتها، وتقبّل جبهتها ببطء، بينما تحدّق بخوف شديد نحو تاتيانا، التي بدت كثور هائج لا يمكن لأحد السيطرة عليه.
أما الرجل الذي كان يلقي التعاويذ، فلم يُظهر أي اهتمام بما يحدث. رغم أن الغرفة بدأت تتصدّع من شدة الطاقة السوداء المتدفقة من الشقوق في الأرض.
كان الأمر وكأن الأفكار السلبية، والمشاعر المحطمة، وخيبات الأمل، قد تجمّعت كلها في هذه البقعة.
نهضت تاتيانا واقتربت أكثر من نابيلار. بدأت مخالبها تطول، وأنيابها أصبحت أطول من أي أنياب سبق رؤيتها. ورغم شحوب بشرتها، تحولت هيئتها إلى شكل وحش يثير الرعب.
"اللعنة عليكم جميعًا... لقد حاولت أن أنسى كل شيء، وأن أبدأ صفحة جديدة. لكن انظروا ماذا فعلتم بي! حولتموني إلى هذا الوحش!
تلك ماليسا قتلتني فعلًا، وأنتِ دمّرتِ روحي يا نابيلار. لن أنسى اللحظة التي كسرتِني فيها وخذلتِني. يا أزار... جميعكم مسؤولون عمّا أصبحت عليه!"
كانت صرخاتها تدفع بطاقة غريبة، تخلّف أثرًا أسود مع كل موجة تنطلق منها، حتى إن الجدران خلفهم بدأت تتحطم.
"لن يأخذني مني أحد... إلا بأمرٍ منها لتقطّعكِ إلى إرب!"
ارتفع صوت ديفيد، ووقف أمام موجات الظلام بسيفه الساطع، كدرع يحمي نابيلار التي كانت خلفه.
"لم يُجبركِ أحد على اختيار طريق الفوضى. أنتِ من اخترتِ أن تكوني في هذا الجانب."
قال ديفيد ذلك، ثم ضرب الهواء بسيفه، لتتغير حقول الطاقة من حولهم إلى قوة هادئة تشبه الشفاء.
ورغم أن الشعلات السوداء كانت لا تزال تتوهج، بقي أزار يحدّق بين مينا وتاتيانا، قبل أن تنتقل نظراته إلى الأخيرة.
هناك شيء واحد عليّ فعله.
فكّر بذلك وهو يتراجع باتجاه مينا.
وعندما رأت تاتيانا اتجاهه، أدركت أنه حسم أمره. لم يكن هناك أحد يريدها في هذا العالم، حتى بعد أن أصبحت وحشًا. لم يكن هناك أحد يحاول إنقاذ ما تبقى من مشاعرها الصادقة.
"استيقظي... وسلّمي قلب زعيم الفوضى للوعاء. استيقظي ودعي الأسطورة تعيد نفسها. استيقظي... إن النبوءة ستتحقق."
ما إن نطق الرجل الذي كان يلقي التعاويذ بهذه الكلمات، حتى فتحت مينا عينيها.
اجتاح المكان ضغط هائل أجبر كل من لا يملك طاقة خارقة على خفض رأسه حتى كاد يلامس الأرض.
وحدهم نابيلار، وتاتيانا، وديفيد، بقوا واقفين، يحدقون في مينا التي استيقظت وهي تبادلهم نظرات ناعسة.
في اللحظة التالية، اخترقت الشعلات السوداء صدرها.
لم تستطع نابيلار حتى التحرك لمنع ذلك.
تعالت ضحكات الرجل، وهو يصفق بوجه ممتلئ بالسرور.
"مينا... لا!"
صرخت والدتها وهي تحاول النهوض، لكنها كانت تسقط مرارًا وتكرارًا.
أصاب التوتر نابيلار، وتسارع تنفسها.
قلت إنني سأُنقذها... قلت إنه لن يكون هناك مزيد من الحزن.
فكّرت نابيلار وهي تتجه نحو مينا.
"توقفي!"
بدأت سيول الطاقة تنبعث منها، كأنها جذور شجرة عملاقة تتشابك وتزحف فوق الأرض حتى تصل إلى مينا.
لكن ديفيد لم يكن واقفًا عاجزًا. اندفع نحو الرجل الغريب، واشتبك معه، ثم سحبه إلى الخارج حيث ستكون مساحة القتال أفضل.
"لن أسمح لك بالتدخل وكسر التعويذة! على زعيم الفوضى أن يعود!"
قال رجل آخر اقتحم الغرفة عبر السقف، لتنهمر قطع الحجارة في كل مكان. أُصيبت ماليسا ببعض الجروح الطفيفة.
وفجأة، غمر المكان ضوء هائل.
قوى الإمبراطور.
فكّر الرجل عندما لاحظ أن شعلاته السوداء بدأت تختفي.
"ديفيد! اقضِ عليها!"
قالت نابيلار بصوت متعدد الطبقات، وكأن عشرات الأشخاص يتحدثون من خلالها.
اتسعت حدقتا الرجل.
كان يظن أن السيف سيخترق قلب زعيم الفوضى، لكنه رأى ديفيد يقطع "وعاء الفوضى" في لحظة، وكأنه وُلد من أجل هذا الأمر.
عينا أزار الحمراوان، وعروقه البارزة، وصراخه:
"تاتيانا!"
في اللحظة التي بدأت فيها بالتناثر والاختفاء، ابتسمت تاتيانا وقالت:
"هكذا... كنت أريد سماعك تنطق اسمي. هكذا، بجرعة حب حقيقية.
الوداع يا أزار..."
كانت محاولات أزار للوصول إليها بلا فائدة.
لقد اختفت.
"أبي..."
سمع أزار صوت مينا خلفه.
استدار بكل كيانه المنهار، في حالة لم يكن يريد لها أن تراه بها.
"أرجوك، أبي... توقف عن إيذاء نفسك. أنا هنا، معك."
تحدثت مينا وعيناها ممتلئتان بالدموع.
احتضنها أزار وقبّلها دون توقف. لقد ظن أنه سيخسرها.
اقتربت نابيلار من ماليسا التي كانت تنزف.
"أشعر بها... لا يمكنكِ إنقاذي. أنا سعيدة بسماع صوت مينا. أرجوكِ، اعتني بها."
همست ماليسا وهي تحدق بصعوبة في وجه نابيلار، التي بدت كأميرة ترتدي تاجًا من الطاقة.
أحكمت نابيلار قبضتها.
كانت ماليسا محقة... لا تستطيع إنقاذها.
"حسنًا..."
قالت نابيلار وهي تطلق تنهيدة عميقة.
لم ينتهِ الأمر بعد. لا تزال مينا في خطر.
"ديفيد... قم بإنهاء الأمر."
حدقت به وهي تشير نحو مينا.
"عليك ختم قوى الفوضى التي بداخلها. على سيف الفارس المقدس كبح جميع القوى."
كان هذا صوت والدتها، يهمس في أذنها.
اخترق سيف ديفيد منتصف قلب مينا، وكانت الصدمة في عيني أزار تجاه الفاجعة التي يراها أمامه كافية لزلزلة كل فكرة طيبة كان يحملها عن نابيلار.
"ثق بي، لن يصيبها مكروه."
قال ديفيد ذلك، وهو يشير بعينيه إلى أزار ألّا يتحرك.
"سأستخدم كل قواي لختم قلب زعيم الفوضى، حتى لو كان الثمن نهايتي."
أكملت نابيلار الجزء الأخير من حديثها بصوت خافت، وهي تتذكر كايل. كانت تشعر بالندم لأنها لم تذهب لمقابلته، لكن الوضع كان يستدعي بقاءها هنا.
"لا يا نابيلار... لا يمكن ختمها بقواك فقط. نحتاج إلى الأصل، إلى الشيء الذي تسبب في كوننا مصاصي دماء."
قال أزار ذلك وهو يراقب الطاقة التي كانت تنتقل من نابيلار إلى ديفيد عبر يدها الموضوعة على كتفه.
تحول لون عينيها إلى الذهبي.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!