نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 17 من 41
وضع القراءة:

الفصل السادس عشر

تنفّس كايل بعمق. كان يريد أن يجعل هذا اليوم يومًا لا يُنسى.
لم يكن يعرف إلى أين تأخذه نابيلار، أو ما الذي تخطط له. في البداية ظن أن الأمر سيكون مجرد نزهة عادية، لكنه أدرك سريعًا أن هناك شيئًا مختلفًا في خطواتها.
كانت هادئة أكثر من المعتاد، وعيناها تتحركان بين الطرقات وكأنها لا ترى المكان أمامها فقط، بل تستعيد ذكريات قديمة مرتبطة به.
لم يسألها كايل عن السبب.
لسبب ما، شعر أن عليها أن تخبره بنفسها عندما تكون مستعدة. كان يكفيه أنها سمحت له برؤية جانب منها لم يره من قبل.
توقّفا أمام منزل قديم تحيط به مجموعة من الأطفال.
نظر كايل إلى المكان باستغراب وقال:
"لماذا من بين كل الأماكن أحضرتني إلى حضانة أطفال؟"
تذمّر وهو يبتعد قليلًا عن الأطفال الذين كانوا يحملون خراطيم المياه، ووجوههم ملوثة بالطين.
ضحكت نابيلار وقالت:
"لم أقل إنه سيكون موعدًا على ضوء الشموع بجانب البحر."
وجد نفسه محاصرًا بكلماتها، فلم يجد خيارًا سوى التقدم نحوها. لكنه قبل أن يرد، شعر بيد صغيرة تسحب طرف قميصه.
رفعت فتاة صغيرة رأسها وهمست:
"ساعدني... لا أستطيع إيجاد أخي."
رغم انخفاض صوتها، سمعها كايل بوضوح. انحنى حتى أصبح بمستواها، ثم حملها على كتفه.
"أين كان أخوك آخر مرة؟ وما اسمه؟"
سألها وهو يسير في الاتجاه الذي أشارت إليه.
"اسمه سام. قال إن هناك مصاصي دماء في منزل الجيران، وذهب ليتفقد الأمر. لم أجده عندما بحثت عنه هناك."
عندما سمعت نابيلار كلمات الفتاة، عقدت حاجبيها، ثم انضمت إلى كايل.
أما هو فحدّق بها بدهشة.
مصاص دماء... وفي وضح النهار؟
بدا الأمر أشبه بقصة أسطورية لا يمكن تصديقها.
لكن في عالم تحكمه القوى الخارقة، توجد دائمًا استثناءات، وحتى الواقع يخفي بين طياته أمورًا لا تُصدق.
توجهت نابيلار إلى مديرة الميتم، التي ما إن رأتها حتى قالت:
"أوه، نابي! أنا سعيدة لقدومك. نحن فعلًا في ورطة. لا أثر لسام، ونبحث عنه منذ الصباح."
مسحت المديرة العرق عن جبينها، وكانت علامات الخوف والإرهاق واضحة عليها.
قالت نابيلار بنبرة جادة:
"اتركي أمر البحث عنه لنا. خذي هذه الصغيرة إلى الداخل، واحرصي على بقاء الجميع معًا."
هزّت المديرة رأسها موافقة.
وقبل أن تبتعد، قالت:
"هناك ظواهر اختفاء كثيرة في هذه المنطقة... خذا حذركما."
قالتها وكأنها تحدّق في كارثة شهدتها بعينيها
لم تستطع نابيلار تجاهل كلمات مديرة الميتم.
ظواهر اختفاء كثيرة...
جملة بسيطة، لكنها بقيت عالقة في ذهنها، خصوصًا بعد كل ما حدث في الأيام الماضية.
ومع ذلك، كان هناك شيء آخر يشغل تفكيرها أكثر.
"بشرتك لم تحترق تحت أشعة الشمس... هذا يعني أن لعنتي قد زالت."
فكّرت نابيلار وهي تحدق بكايل، الذي كان يتفحص المكان بعينين حادتين كالصقر.
شعرت بخلايا جسدها تنتفض، وارتفعت هرمونات السعادة في عروقها.
ربما حدث هذا بسبب الانفجار.
إذا كانت قد فقدت لعنتها حقًا، فهذا يعني أنها أصبحت مجرد إنسانة بلا أي قوى خارقة.
"هل سيتغير شيء إن أصبحت بشرية؟"
قالتها بصوت مسموع، محاولة جذب انتباه كايل.
لاحظ القلق المختبئ خلف كلماتها، فشعر بضيق يثقل صدره، وتسارعت خطواته حتى وقف على بُعد إنشات قليلة منها.
"ظننت أن مفهوم الأجناس لديك معدوم، أيتها المجنونة."
قالها وهو يدفع جبهتها برفق، لتقطب حاجبيها وتستعد للرد عليه، لكن...
دوّى انفجار من البناية المجاورة.
تحطم زجاج النوافذ وتناثر بالقرب منهما، وفي لحظة شعر كايل بأن الزمن تباطأ.
كانت نابيلار أمامه.
في غمضة عين، وقفت بجسدها الضئيل والفاني كدرع لتحميه.
"بحق الله... ماذا يدور في عقلك؟ من قد يفكر في حماية شخص تسبب في كل هذه المصائب؟"
علقت تلك الكلمات في أعماقه، حتى أيقظه صوتها:
"لا تخف. سأكون هنا لأجلك ما دام في قلبي نبض."
...
في ذروة هذا المشهد، انفتح باب إحدى الشقق على يمينهم، وخرج منه فتى صغير يصرخ:
"نابي! أنا خائف!"
توقف قلب نابيلار للحظة عندما رأت سام.
لقد كان مختبئًا هناك طوال الوقت... لكن ما الذي دفعه إلى الخروج الآن؟
في اللحظة نفسها، لاحظ كايل وجود كيتو آخر يتبع الفتى.
لكن هذا الكيتو كان مختلفًا.
كان يحمل ملامح سيدة عجوز، بينما كانت إحدى ساقيه مبتورة، ومع ذلك كان يزحف خلف سام بسرعة مرعبة.
غمرت الدموع عيني نابيلار، ثم انهمرت على خديها كالسيل.
للحظة، تجمد عقلها.
من تنقذ؟
كايل؟
الطفل؟
أم تهرب لتحمي نفسها؟
كانت تلك اللحظة أقسى من أي معركة خاضتها من قبل.
فقد كانت تعلم جيدًا أنها لم تعد تملك القوة التي اعتادت الاعتماد عليها.
لم تعد مصاصة دماء.
لم تعد تملك قدرة على مواجهة الوحوش.
لكن رغم ذلك...
كان هناك طفل صغير يرتجف أمامها.
وكان هناك شخص آخر خلفها، شخص خاطر بحياته من أجلها مرات عديدة.
فتح الكيتو فمه، وكشّر عن أنيابه الضخمة استعدادًا للانقضاض على سام.
وفي اللحظة التي سبقت تمزيقهم، تسلل صوت كايل إلى داخلها:
"أنتِ تدركين أنك خسرتِ قواكِ، نابيلار... وحتى إن كان الثمن فنائي، فسأحميكم."
لم تنتظر أكثر.
اندفعت نحو الفتى، ثم احتضنته بجسدها، متخذةً منه درعًا يحميه.
للحظة...
لم يتحرك كايل.
لم يكن عاجزًا عن إنقاذها، ولم يكن مترددًا بسبب الخطر.
بل لأنه لم يستطع فهم ما يراه أمامه.
نابيلار.
الشخص الذي فقد قدرته، والذي أصبح أخيرًا قادرًا على العيش بعيدًا عن اللعنات والمطاردات...
اختار أن يضع حياته جانبًا من أجل طفل لا تعرفه إلا منذ دقائق.
لم يرَ في عينيها خوفًا من الموت.
بل رأى إصرارًا على حماية شخص آخر، مهما كان الثمن.
"لماذا؟"
خرج السؤال في داخله دون صوت.
لماذا تخاطر بحياتها من أجل شخص بالكاد تعرفه؟
لقد كانت هذه فرصتها لتعيش مثل بقية البشر...
بلا لعنة.
بلا خوف.
بلا مصير محتوم يلاحقها.
لماذا تضيعها؟
ارتجفت أنفاسه، ثم انخفضت عيناه قليلًا.
لكن في اللحظة التالية، اختفى كل تردد.
"ابتعدوا عنها!"
خرج صوت كايل منخفضًا في البداية.
لكن تأثيره لم يكن منخفضًا أبدًا.
انتشر ضغط هائل في المكان، وكأن الهواء نفسه توقف عن الحركة.
اقترب بخطوات بطيئة نحو نابيلار، التي أغمضت عينيها مستسلمة للعضة القادمة.
برزت عروق رقبته، وامتلأت عيناه بلون بنفسجي داكن، بينما أحاطت به هالة من لهب أزرق.
تمزق قميصه تحت ضغط قوته المتصاعدة.
وفي اللحظة التالية...
ركل الكيتو الذي هدد نابيلار.
كانت مجرد لمسة واحدة منه كافية.
اشتعل جسد الكيتو، وتحول تدريجيًا إلى شكله البشري الأصلي، كما لو أن القوة الوحشية التي بداخله أُجبرت على العودة إلى نقطة البداية.
وعندما رأى بقية الكيتو هذا المشهد، تجمدوا في أماكنهم.
لم يروا أمامهم مجرد عدو.
بل رأوا وجودًا يتجاوز فهمهم.
كانوا بالنسبة إليه مجرد ذرات غبار أمام عاصفة لا يمكن إيقافها.
"قلت ابتعدوا!"
كررها كايل.
لكن هذه المرة لم تكن مجرد كلمات.
انطلقت موجات صادمة من صوته، كأن انفجارًا هائلًا وقع في قلب المكان.
دُفعت الكيتو نحو الجدران خلفهم، واشتعلت أجسادهم بلهب أزرق قرمزي، بينما بدأت هالتهم السوداء بالاختفاء.
ساد الصمت للحظة.
لم يبقَ سوى الدخان المتصاعد، والحطام المنتشر في المكان، وأثر القوة المرعبة التي تركها كايل خلفه.
وحين فتحت نابيلار عينيها، كان أول ما رأته هو كايل.
كان واقفًا أمامها، بينما وشم غريب على رقبته بدأ يتلاشى ببطء.
"علينا مغادرة المكان الآن."
قالها دون أي تفسير.
حدقت به نابيلار، رغم أنها كانت تركض بجانبه، وسألته بصوت متقطع:
"هل هذه قواك؟ ما الذي تسبب في كل هذه الفوضى؟"
لكنه لم يجب.
أما هو، فكان يحمل سام بين ذراعيه، بعد أن فقد وعيه من شدة الخوف.
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.