نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 34 من 41
وضع القراءة:

الفصل الثالث و الثلاثون

أما نابيلار، فقد امتلأت عيناها بالدموع وهي ترى والدتها في تلك الحالة، عاجزة حتى عن مواساتها.
ابتسمت والدتها رغم الدموع التي غمرت وجهها، وقالت بصوت مرتجف:
"عليكِ أن تري هذا بنفسك، حتى تتأكدي أنكِ لم تكوني يومًا السبب في موتي، يا نابيلار."
تسارعت أنفاس نابيلار.
ولسنوات... بل طوال عمرها، عاشت وهي تؤمن أن موت والدتها كان ذنبها الذي لن يُغتفر.
رفعت والدتها يدها، وبفرقعة أصابعها تبدلت الأجواء من حولهما.
بدأ المشهد يتشكل تدريجيًا أمام ناظري نابيلار، حتى ظهرت غرفة مألوفة.
إنها الغرفة نفسها.
الغرفة التي كانت تقف فيها قبل لحظات.
بدت كما تركتها تمامًا؛ مبعثرة، يغطيها أثر الفوضى والدماء.
اقترب المشهد أكثر، حتى أصبح وكأنه حقيقة تعيشها لا ذكرى تشاهدها.
"قليلٌ بعد، يا نابي... يا صغيرتي. قطرة دم أخرى، وستكفيك لتعيشي حياتك مثل أي فتاة تحلم بالمستقبل."
تمتمت والدتها بصوتٍ واهن، بينما كانت تملأ قوارير زجاجية بدمائها، ثم تُحكم إغلاقها واحدة تلو الأخرى.
اتسعت عينا نابيلار.
لقد تعرفت إلى تلك القوارير فورًا.
كانت هي نفسها التي رافقتها طوال طفولتها.
في الجهة الأخرى من الغرفة، كانت نابيلار الصغيرة تغط في نوم عميق إلى جوار والدتها، التي بدا عليها الإنهاك الشديد بعد استنزافها المتواصل.
ساد المكان هدوء غريب...
ثم تبدل كل شيء.
شعرت نابيلار بقلبها ينقبض عندما رأت ديفيد يدخل الغرفة بخطوات هادئة.
كان يبدو مختلفًا.
ملامحه جامدة بصورة مخيفة، وفي يده خنجر منقوش برموز لم تخطئها عيناها.
إنه خنجر صُمم خصيصًا للقضاء على مصاصي الدماء.
تجمدت في مكانها.
أرادت أن تصرخ.
أن تركض.
أن تمنع ما تعرف أنه سيحدث.
لكنها لم تستطع سوى المشاهدة.
اخترقت الطعنة قلب والدتها.
توقفت أنفاس نابيلار.
اتسعت عيناها وهي تحدق في ديفيد.
كانت عيناه تتوهجان بلون قرمزي ساطع.
"مستحيل..."
همست وهي تضع يدها على فمها.
"لا يمكن لديفيد أن يقتل والدتي."
خانتها ساقاها، فسقطت على الأرض تحت وطأة الصدمة.
وفجأة...
تغير الصوت الخارج من فم ديفيد.
لم يعد صوته.
كان صوت امرأة.
"آه... يا آرونا، لم أرد أن أقتلك بنفسي. لقد فشل فيقاس في التخلص منك، بل والأسوأ من ذلك... وقع في حبك."
ضحكت بسخرية قبل أن تتابع:
"أخطأتِ عندما دنستِ شرف الفارس المقدس. ألا تدركين أن قوى مصاصي الدماء تنتقل بالوراثة بصورة أقوى من انتقالها بالوسم؟ كان موتك محتومًا... فالنبوءة يجب أن تبقى كما رأيتها."
شهقت نابيلار، وقد شعرت بأن كل ما تعرفه عن الماضي بدأ ينهار.
وفي اللحظة التي أفلت فيها ديفيد الخنجر من يده، انفتح باب الغرفة بقوة.
اندفعت طاقة هائلة إلى الداخل.
كان والدها.
لم يتردد لحظة، فسارع إلى تفعيل تعويذة غريبة أحاطت بجسد ديفيد، قبل أن يندفع نحو زوجته المحتضرة.
"يمكنني إنقاذك... أقسم لك، لا تزال دماؤك موجودة."
هزت آرونا رأسها بضعف، وابتسمت ابتسامة يائسة.
"الخنجر... أسطوري."
توقفت لاهثة، ثم همست:
"ولا علاج لجرحه..."
ما إن نطقت كلماتها الأخيرة، حتى تلاشى المشهد من حول نابيلار.
وفي طرفة عين، عادت إلى الغرفة التي كانت تقف فيها.
ترنحت خطواتها، وضغطت يدها على صدرها.
كان قلبها يثقل أنفاسها، وعقلها يعجز عن استيعاب الحقيقة التي شاهدتها للتو.
اجتمع اثنا عشر ممثلًا عن الممالك الرئيسة التابعة لمملكة مافيستا في إحدى قاعات القصر الجانبي، الواقعة في الجناح الشرقي.
ساد المكان صمت ثقيل، ولم يكن يقطعه سوى أصوات النقاش المحتدم.
فمع كل يوم يمضي، كان عدد المصابين يتجاوز السبعة آلاف.
وبسبب الأسهم الزرقاء وكيانات الكيتو القادمة من عالم الفوضى، فقد الجميع شخصًا عزيزًا. لم يعد في تلك القاعة من لم يذق مرارة الفقد، حتى بدا وكأن كل واحد منهم يحمل حزن عمرٍ كامل، ولا يريد سوى الخلاص.
"لقد تسرعت الملكة في اتخاذ قرار إعلان الحرب."
قال أحد الممثلين، وهو رجل ملتحٍ أخذ يمرر يده بين خصلات شعره في توتر.
رد آخر وهو يضرب الطاولة بقبضته:
"لقد تبيّن أن البشر ليسوا بذلك الضعف الذي ظنناه. ما نريده الآن هو أن تعود ممالكنا إلى ما كانت عليه."
استمر الاجتماع أكثر من سبع ساعات.
تعددت الآراء، واشتدت الخلافات، لكن الجميع اتفق في النهاية على قرار واحد.
إجبار الملكة على التراجع عن قرارها...
أو إيقاف الحرب فورًا.
فمن وجهة نظرهم، كانت تقود العالمين إلى بداية عصر الفوضى الأول.
نهض المجتمعون من أماكنهم استعدادًا للتوجه إلى القصر الملكي وإبلاغها بقرارهم.
لكن...
قبل أن يخطو أحدهم خارج القاعة، اهتزت الأرض بعنف.
تبع ذلك صوت انفجارات متتالية، أعقبه صفير حاد شق السماء.
اخترقت عشرات الأسهم الزرقاء القصر الملكي.
ولم تحمل معها هذه المرة كائنات الكيتو كما اعتادوا.
بل حملت الموت وحده.
كل سهم أصاب هدفه بدقة مرعبة، يخترق القلب مباشرة دون أن يخطئ.
في غضون لحظات، غطى الغبار والدخان الأزرق أرجاء القصر، حتى أصبحت الرؤية شبه مستحيلة، كما أعاقت الطاقة المنبعثة منه وصول أي تعزيزات من الخارج.
لقد كانت مجزرة مخططًا لها بعناية...
هدفها القضاء على كل من يحمل دمًا ملكيًا.
"الحمد لله أنكم بخير... أين الملكة؟"
سأل أحد الممثلين، رغم أنه كان قبل دقائق يطالب بعزلها، عندما لمح عددًا من أفراد العائلة المالكة يخرجون من بين الدخان.
لكن الرعب المرسوم على وجوههم أجابه قبل أن ينطقوا.
قال أحدهم بصوت مرتجف:
"ذهبت... لتتفقد جلالة الملك."
ساد الصمت.
كانت نظرات الجميع تقول شيئًا واحدًا...
لا أحد ممن بقي في الداخل سيخرج حيًا.
في الجهة الأخرى من القصر، وبين سحب الدخان الكثيفة، كانت غرفة العرش قد تحولت إلى أنقاض.
انهارت الملكة على ركبتيها أمام جسد زوجها.
لقد فارق الحياة منذ أكثر من أسبوع...
ولم يلحظ أحد ذلك.
كانت منشغلة بإدارة الحرب، حتى لم تجد وقتًا لتتفقده بنفسها.
وقبل أن تستوعب الحقيقة كاملة...
شق سهم أزرق الهواء، ليستقر في قلبها.
شهقت وهي تتراجع خطوة.
أصبحت أنفاسها متقطعة، واختلطت الذكريات في رأسها، حتى سمعت صوتًا تعرفه جيدًا.
صوتًا ظنت أنها لن تسمعه مرة أخرى.
"أيتها الملكة... أختي العزيزة."
تجمد جسدها.
"أخبريني... كيف يكون مذاق الكأس حين تُسقين منه بنفسك؟"
اتسعت حدقتاها عندما وقع بصرها على الخنجر الأسطوري.
وفي لحظة واحدة، عادت إليها ذكرى اليوم الذي غرست فيه ذلك الخنجر في قلب آرونا.
ارتجفت شفتاها.
"النبوءة... لا يجب أن تتغير..."
لكن كلماتها لم تكتمل.
فقد اندفع طيف أختها، وغرس الخنجر مرة أخرى في منتصف قلبها.
"وموتك... هو الخطوة الأولى لتحقيق النبوءة."
اقترب منها أكثر.
"ليعود زعيم الفوضى."
ثم اشتعل صوته بالغضب.
"أين كان عدلك حين جعلتِ أختك وعاءً لقوى الفوضى؟ وأين كان عدلك حين قتلتِ الفارس المقدس؟"
ابتسم ابتسامة ساخرة.
"أي هراء كان ذلك؟"
توقفت أنفاس الملكة.
وخمد قلبها إلى الأبد.
ساد الصمت.
ثم بدأ جسد طيف أختها يتغير تدريجيًا.
تلاشت ملامحها، لتحل محلها هيئة رجل طويل القامة، ترتسم على وجهه ابتسامة باردة تنذر بالشر.
مرر أصابعه بين خصلات شعره، بينما كان يصغي باستمتاع إلى سيمفونية الصراخ القادمة من أنحاء القصر.
ثم رفع عينيه نحو العرش المهجور.
وقال بهدوء:
"ألم يفكر أحد منكم... من أين جاءت قوى الفوضى أصلًا؟"
لم ينتظر جوابًا.
اختفى كما ظهر، دون أن يترك خلفه أي أثر.
لكن صوته ظل يتردد في أنحاء القصر كله.
"ارتعبوا... يا أهل هذا العالم."
توقف لحظة.
"فقد وجد زعيم الفوضى وعاءه."
هل أخطأت الملكة عندما سخّرت كل قطرة من قوتها لصد تلك الأسهم التي باغتت القصر واخترقت أقوى حواجزه الدفاعية؟
أم أن خطأها الحقيقي كان قبل ذلك بسنوات طويلة؟
فالقوة التي جرت في عروقها لم تكن سوى قوة صُنعت من دماء سليل زعيم الفوضى.
أما أختها...
فقد كانت المرأة التي اختارت نفيها إلى عالم البشر بدلًا من قتلها.
وفي النهاية، لم تستطع حتى حماية نفسها.
فهل سيذكرها التاريخ بوصفها امرأة ضحت بكل شيء من أجل مملكتها؟
أم سيسجلها كامرأة أعمتها النبوءة، حتى فقدت قدرتها على رؤية الحقيقة؟
ومع سقوط الملكة، بدأت موازين القوى في مملكة مافيستا تتداعى.
لم يعد شيء في مكانه.
اجتاحت سيولٌ هائلة من الطاقة أنحاء المملكة، وبدأت تتفلت من كل قيد.
ولم يعد أمام أحد سوى خيار واحد...
إما السيطرة عليها سريعًا...
أو الاستعداد لزوال مملكة مافيستا إلى الأبد.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.