نصفي الدموي
نصفي الدموي
جزء 4 من 41
وضع القراءة:

الفصل الثالث

تردد كايل قبل دخوله إلى الحمام.
ماذا لو كان هذا فخًا؟ ماذا لو كانت تعمل لصالح الشرطة؟
أدار صنبور المياه ببطء، فاندفعت المياه بقوة، ثم أعاد خصلات شعره المبعثرة إلى الخلف.
اختلطت أنهار الدماء التي غسلتها المياه من ثيابه، لتجد طريقها نحو المصرف، تاركةً إياه وحيدًا مع عقله الذي غزته تلك الفتاة.
"اللعنة عليكِ."
ضرب الحائط بقبضته، حتى كاد يحطمها، لكن الجدار بدا وكأنه مصنوع من الفولاذ.
وبقدر رغبته في تمزيق جسدها، كان فضوله لمعرفة حقيقتها يزداد اشتعالًا.
"أنا متأكد من أنني سقطت معها من السطح، وطعنتها، ومع ذلك لم تمت. هناك سرٌّ تخفيه، وعليّ اكتشافه. لا يمكن لشخص يمتلك تلك القوة أن يكون مجرد إنسان."
أنهى جولةً من معركة أفكاره المبعثرة، ثم خرج مرتديًا بنطالًا وجده بجانب المنشفة، مبرزًا عضلاته المشدودة، التي تزينها وشومٌ نقطية تمتد من منتصف خصره إلى أسفل سرته، مشكلةً فم تنين مفتوح.
"تمتلك مظهرًا جذابًا، لكن عقلك محصور في حيزٍ ضيق."
علّقت وهي تربت على الأريكة، مشيرةً إليه أن يجلس بجانبها.
أحكم قبضته حتى برزت عروق يده.
لكنه لم يجلس، ولم ينصع لأوامرها، بل اندفع نحو التلفاز وحطمه بضربة واحدة.
مشى فوق زجاج الشاشة المحطم حافي القدمين، ثم أمسكها من عنقها.
"أنا كايل. لا أحد يُملي عليّ ما أفعله."
اللعنة على برودها... واللعنة على نظراتها اللامبالية.
أبعدت يده عن عنقها بسهولة.
"أنت مصاص دماء بلا قدرات، أي أنك مجرد بشري. تذكر، لسنا على الكفة نفسها."
لم تحِد نظراتها عن عينيه، وكانت قبضتها أقوى من قبضته.
وفي أعماقه، كان يدرك حقيقة الفارق الهائل بين قوتهما.
لكن غروره وطبيعته الإجرامية رفضا أن ينقادا لشخص مثلها.
"من أنتِ؟ وما الذي تريدينه مني؟!"
صرخ وهو يبتعد عنها، ثم لم يجد أمامه سوى الطاولة، فحطمها بعنف.
لم يكن بركان غضبه ليهدأ بكلمات أو تنهيدة؛ فالخراب وحده كان قادرًا على إخماده.
صفقت بيديها مرة واحدة.
في اللحظة نفسها، تجمد كايل في مكانه.
شعر بضربات قلبه تتردد داخل رأسه، بينما بدأت قطع الأثاث المحطمة تعود إلى أماكنها وكأن شيئًا لم يحدث.
كانت تستعرض قواها أمامه دون أدنى محاولة لإخفائها.
"أنا مصاصة دماء هجينة. نحن وجهان لعملة واحدة. لا أريد أن ينتهي بك المطاف عالقًا، كما أنك أنت من اعترض طريقي."
كانت نبرتها ثقيلة، كأنها تحمل وزن سلسلة جبال بأكملها.
جثا كايل على الأرض تحت ضغط هالتها الطاغية.
"أريد أن أشهد أفضل نسخة منك."
أضافت وهي تقترب منه.
كانت نظراته الصقرية تنهش تفاصيلها في صمت.
انخفضت حتى أصبحت في مستوى جلوسه، ثم قالت:
"تعلّم كيف تتحكم بغضبك. كلما أدركت أن العنف لن يجدي نفعًا، استطعت الاستفادة من وجودي إلى جانبك."
لم يكن يرغب في سماع حديثها.
حتى صوتها كان يؤجج غرائزه العدائية.
كانت بالنسبة إليه كالوقود الذي يُسكب فوق نيران قلبه.
وقبل أن يرد عليها، لمح ارتجافة خفيفة في يدها، لكنها أخفتها سريعًا خلف ظهرها.
نهضت واستدارت.
"أنتِ متهافتة أكثر من اللازم... وبهذا ستسرعين اقتراب نهايتك."
همهمت وهي تأخذ نفسًا عميقًا، ثم حدقت فيه بوجه شاحب، بينما كان يبادلها نظرات يملؤها الحقد.
"حتماً... الأمر يستحق المعاناة."
قالتها بهدوء، ثم عادت لتجلس على الأريكة.
بقي صامتًا لبرهة، مثقلًا بالهيبة التي فرضتها عليه، قبل أن يستسلم ويقترب منها.
تمكن كايل من الوقوف، وسار حتى جلس بجانبها هذه المرة.
"لا يُسمح للهجناء بالعيش في عالم البشر."
قالها وهو يحدق في الحائط، كأنه يسترجع ذكرى قديمة.
فقاطعته بسخرية:
"لأننا غذاؤكم المفضل؟ أم لأن طعمنا أفضل من البشر العاديين؟ أم لأننا وجبة لا يتناولها إلا النبلاء؟"
حدق بها مذهولًا.
"هل سبق لكِ أن زرتِ مافيستا؟"
من يجهل مافيستا؟
إنها أعظم ممالك مصاصي الدماء عبر التاريخ، وأصل الخراب والانقسام الذي حلّ بالبشر.
"عشت طفولتي الأولى هناك. وبعد وفاة والدتي، اصطحبني والدي للعيش في عالمه... عالم البشر."
توقفت للحظة قبل أن تتابع:
"واجهت صعوبة في التأقلم هنا، لكنني صنعت طريقتي الخاصة لمواجهة تلك المصاعب."
تحدثت بحزن دفين، أخفته خلف ابتسامة هادئة.
لكي تمتلك هذه القوة المبالغ فيها، فلا بد أن تكون والدتك من سلالة ملكية.
في العادة، لا يُسمح للهجناء بمغادرة أسوار المملكة.
هناك سرٌّ تخفيه... وهذه ليست القصة كاملة.
فكر كايل وهو يراقبها تتجه نحو غرفة مفتوحة.
"أراك بعد غروب الشمس."
قالتها وهي تغلق الباب خلفها بقوة.
رفع كايل رأسه نحو ساعة الحائط.
كانت تشير إلى السادسة والنصف صباحًا.
لقد أشرقت الشمس بالفعل.
"لا نوافذ... فقط باب غرفتها، والحمام، وذلك المطبخ المفتوح. ما هذا المكان بحق الجحيم؟"
راوده مجددًا ذلك الشعور بالرغبة في تحطيم كل ما حوله، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة.
ترددت كلماتها داخل عقله.
تنهد، ثم جلس على الأريكة، يحدق في الحائط بصمت.
...
في غرفة ذات أثاث يصرخ بالفخامة والهيبة، وقف المحقق المسؤول عن منطقة نوبيان، بينما جلس شابٌ يلعب بكرة بلورية، منتظرًا من المحقق أن يبرر فشله.
"لقد كانت مهمة بسيطة: أن تمنعها من السفر خارج البلاد، أن تقبض عليها."
نبرة صوته جعلت المحقق يشعر بخطر فقدان وظيفته التي يحبها. إنه يكره التعامل المباشر مع الجهات العليا.
'اللعنة، لماذا هذا المدلل متعجرف؟ أبناء الأغنياء ألا يعرفون معنى التواضع؟' أراد المحقق مواصلة لعن ذلك السيد الشاب، الذي بدت عليه بوادر عاصفة هوجاء، لكنه لم يكن ينوي التخلي عن إكمال مهامه في ملاحقة المجرمين، لذا عليه أن يتحمل هذا الذل لوقت أطول.
"آسف سيدي، لقد كان معها رجل آخر. وبعد بعض التحريات، تبيّن أنه المجرم المتهم بجرائم القتل المتسلسل، ويُشتبه بانتمائه لعشيرة مصاصي الدماء. لقد كانا معًا على سطح المبنى، ثم اختفيا في غمضة عين. سيدي، كما تعلم، هي مصاصة دماء هجينة، ما يستدعي تدخل قسم مكافحة مصاصى، "
قاطع المحققَ صوتُ تحطم الكرة البلورية على الحائط خلفه، إذ غضب الجالس على الكرسي من هذه التبريرات العقيمة. كان يعلم تمامًا أن القبض عليها يتطلب فريقًا بقدرات خاصة.
لا أريد لفت انتباه والدي، ليس بعد المصيبة التي وضعتني فيها تلك الخرقاء، لن أستعين بفريق المهام الخاصة. مجرد تخيّل وجهها يصيبه بالجنون. لقد كان قريبًا جدًا من تحقيق هدفه.
"أنا أدفع لك لتحضرها، حتى لو كانت في أسفل سابع أرض، أو في أعلى سابع سماء! لا يهمني مع من كانت، أنا أريد نابيلار، أريدها حالًا!"
صراخه عكر مزاج الفاتنة التي نهضت من كرسيها، غير قادرة على تحمّل الحالة التي وصل إليها، فاقتربت منه واحتضنته بلطف من الخلف، وربّتت على كتفه.
صوتها أقرب إلى فحيح الأفعى منه إلى الاطمئنان: "عزيزي أزار، إنها لا تستحق كل هذا العناء، هي مجرد بقايا. لا تدعها تؤثر على حياتنا، ثم إن والدك يكرهها."
أشار أزار إلى المحقق بأن ينصرف، ثم التفت إلى جميلته، ومسح على رأسها محاولًا تمالك نفسه. لم يكن من شيمه أن يفقد أعصابه، خصوصًا أمامها.
"أنتِ لا تعرفين، تلك الفتاة شيطان يمشي على هيئة الصالحين. عليّ أن أطهر العالم من شرها."
قال ذلك وعيناه تشتعلان من ذكريات سوداء توالت على محياه مرارًا دون توقف. سار مبتعدًا عن فتاته، محكمًا قبضته. إن صدره يحترق، والسبب هو هي.
'لقد أخطأتِ بكشفك لخططي يا نابيلار، أنتِ الآن بتِّ عدوّتي.'
أطلق أزار عدة رصاصات على صورة نابيلار المعلقة على الحائط. كم بدت فاتنة في ثوبها الأحمر القاتم.
حدّقت خطيبته إليه بقلق.'كم أبغض تلك الحقيرة، إنها كل ما يشغل تفكيره. حتى أنه نسي أمر ترتيبات عرسنا، اللعنة عليكِ يا نابيلار. أتمنى أن تموتي سريعًا.'
عضّت على شفتيها حتى كادت تدمى.
3 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 الفصل الأول 2 الفصل الثاني 3 الفصل الثالث 4 الفصل الثالث 5 الفصل الرابع 6 الفصل الخامس 7 الفصل السادس 8 الفصل السابع 9 الفصل الثامن 10 الفصل التاسع 11 الفصل العاشر 12 الفصل الحادي عشر 13 الفصل الثاني عشر 14 الفصل الثالث عشر 15 الفصل الرابع عشر 16 الفصل الخامس عشر 17 الفصل السادس عشر 18 الفصل السابع عشر 19 الفصل الثامن عشر 20 الفصل التاسع عشر 21 الفصل العشرون 22 الفصل الحادي و العشرون 23 الفصل الثاني و العشرون 24 الفصل الثالث و العشرون 25 الفصل الرابع و العشرون 26 الفصل الخامس و العشرون 27 الفصل السادس و العشرون 28 الفصل السابع و العشرون 29 الفصل الثامن و العشرون 30 الفصل التاسع و العشرون 31 الفصل الثلاثون 32 الفصل الحادي و الثلاثون 33 الفصل الثاني و الثلاثون 34 الفصل الثالث و الثلاثون 35 الفصل الرابع و الثلاثون 36 الفصل الخامس و الثلاثون 37 الفصل السادس و الثلاثون 38 الفصل السابع و الثلاثون 39 الفصل الثامن و الثلاثين 40 الفصل التاسع و الثلاثين 41 الفصل الاربعون و الأخير

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.