ما بين الخوف والإعتراف
نظر إليها عامر بضيق مصطنع:
- سامحك الله يا أمي... هل فداء من الممكن أن تكون هي؟
ضحكت نادية بسعادة:
- ألف مبارك يا بني، لكن أخبرني... متى حدث هذا؟ ومتى فاتحتها بالأمر؟
أجابها عامر:
- أجل، لم يمضِ وقت طويل على خروجها من الغرفة.
رفعت نادية حاجبها باستغراب:
- هل أتت إلى هنا قبلي؟
هز عامر رأسه نافيًا:
- لا... إنها هنا منذ الأمس، والقصة طويلة يا أمي.
نظرت إليه بتساؤل:
- ولماذا هي هنا؟ لا تخبرني أنها متعبة أيضًا؟
فكر عامر قليلًا قبل أن يجيب:
- أظن ذلك.
وقفت نادية بحماس الأم التي تريد الاطمئنان على زوجة ابنها المستقبلية:
- إذًا دعني أزورها وأطمئن عليها، في أي غرفة هي؟
أسرع آدم بالنفي:
- لا تذهبي...
ثم توقف عندما أدرك ما قاله، وأكمل محاولًا تدارك الأمر:
- أقصد... الآن لا بد أنها محرجة قليلًا بعد ما أخبرها عامر به، ثم أكمل بمرح مصطنع، لأن ولدك وبسم الله عليه استيقظ صباحًا وعرض عليها الزواج.
نظرت نادية إليه بسعادة حقيقية، ثم اتجهت نحو الباب:
- أخبرني بأي غرفة تجلس، ارجوك آدم اريد ان أراها.
تنهد آدم بقلة حيلة:
- إنها في أول غرفة بهذا الطابق، والغرفة التي بجانبها جهزناها لعامر لأننا سنقوم بنقله إليها.
فتحت نادية الباب وهي تبتسم بسعادة:
- حسنًا، سأذهب إليها كزيارة مريضة فقط، ولن أتحدث عن هذا الموضوع، لا تقلقوا.
وما إن خرجت حتى وضع آدم يده على جبهته بضيق، بينما نظر إليه عامر باستغراب:
- ما بك يا آدم؟
تردد آدم قليلًا قبل أن يجيب:
- بصراحة يا عامر... لقد سمعنا عرضك لبيسان أنا وعمر، وكانت ردة فعل عمر قوية قليلًا.
اعتدل عامر بسرعة متجاهلًا الألم:
- ماذا تقصد؟ هل آذاها؟ تحدث.
اقترب آدم منه بسرعة يمنعه من الحركة:
- لا تفعل هذا عامر، لم يؤذها، لكنه كان غاضبًا مما سمعه.
أغمض عامر عينيه بضيق من نفسه، ثم أمسك يد آدم برجاء:
- آدم، أرجوك دعني أذهب وأوضح له الأمر.
هز آدم رأسه رافضًا:
- لا، إن ذهبت الآن لن يكون الأمر بهذه السهولة، الأفضل أن تبقى كما أنت... لا تنسَ أننا سننقلك إلى جانب غرفتها.
أعاد عامر رأسه إلى الوسادة بضيق، ثم نظر بعيدًا وهو يتمتم:
- أتمنى ألا يفعل لها شيئًا...
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
قبل ذلك الوقت، كان عمر قد وصل إلى الغرفة وهو يحمل بيسان بين ذراعيه، ووضعها بحذر على السرير، بينما كانت أحلام تقف أمامه بقلق واضح، تراقب ملامح بيسان المتعبة.
اقتربت منها بخوف، تسألها بلهفة:
- ما بها؟ هل هي بخير؟ ماذا حدث؟
بقيت بيسان صامتة للحظات، ثم نظرت إلى عمر بتردد وكأنها أدركت أن الوقت قد حان لمواجهة الحقيقة.
تحدث عمر وهو يحاول السيطرة على غضبه وانفعاله:
- هل يمكنكم الخروج قليلًا؟
نظرت إليه غزل باستغراب وقلق:
- ما الأمر عمر؟ هل أنتِ بخير بيسان؟ هل حدث شيء لعامر؟
ضرب عمر بيده على حافة السرير، فانتفض الجميع من صوته المرتفع:
- قلت إلى الخارج.
نظرت إليه غزل بغضب، غير مصدقة طريقته معها:
- لن أخرج، وأنت عمر لماذا تغضب هكذا؟ ألا ترى أنها متعبة؟ ماذا فعلت بيسان؟
أخذ عمر نفسًا عميقًا، يحاول أن يحافظ على هدوئه رغم الصراع الذي بداخله، ثم تحدث بصوت منخفض لكنه حازم:
- قلت إلى الخارج غزل... لا تجعليني أكرر كلامي.
نظرت بيسان إلى غزل محاولة تهدئتها:
- لا يوجد شيء يا غزل، أنا بخير... عمر فقط يريد أن يحدثني بموضوع يخصه.
نظر عمر إليها بطرف عينيه باستغراب، وكأنه لم يفهم كيف استطاعت أن تخفف الموقف بهذه البساطة، بينما أخذت غزل نفسًا عميقًا قبل أن تتجه نحو الباب.
- حسنًا بيسان كما تشائين... وأنت عمر، كن هادئًا معها في الحديث.
خرجت غزل وأغلقت أحلام الباب خلفها، ليبقى عمر وبيسان وحدهما.
نظر إليها عمر للحظات بصمت، ثم تحدث بهدوء حذر:
- والآن أخبريني... ما الذي رأيته قبل قليل؟
بدأت بيسان تعبث بأصابعها بتوتر، ثم رفعت عينيها إليه:
- عمر، سوف أخبرك بكل شيء، لأنني لا أريد أن أخفي عنك شيئًا... لكن أرجوك لا تقاطعني.
نظر إليها بجدية:
- أريد أن أعرف كل شيء يا بيسان، وصدقيني... إن لم يعجبني الأمر، سترين مني تصرفًا لن يعجبك.
أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تستعد لفتح جرح قديم أخفته طويلًا:
- لا أعلم متى بدأ إعجابي به... هل عندما ساعد نيسان؟ أم بسبب حبه لها؟ أنت تعلم يا عمر أن كل شخص يقابل بيسان يتحدث عنها وعن مشكلة السمع لديها، لكنه كان مختلفًا عنهم جميعًا... لم يشعرها يومًا بأنها مختلفة أو ناقصة.
صمتت قليلًا، ثم أكملت بصوت يحمل ألم الاعتراف:
- أقسم لك أنني لم أتحدث معه عن مشاعري أبدًا، كنت فقط أراه... وأشعر أنني أنجرف إليه يومًا بعد يوم، وأتعلق به أكثر دون أن أشعر.
خفضت عينيها بحزن:
- كنت أوبخ نفسي كثيرًا، يقال إن كل ممنوع مرغوب... وهذا ما حدث معي، وجدت نفسي متعلقة به كالغريق الذي لا يعرف السباحة.
ابتسمت ابتسامة حزينة وسط دموعها:
- لقد أصبح بداخلي مثل الأكسجين الذي يحتاجه مرضى الاختناق... أو مثل الدواء الذي يتمسك به المريض حتى يبقى واقفًا. كان يجعلني أفقد توازني.
نظر إليها عمر بصمت، بينما تابعت وهي تسترجع سؤالًا قديمًا:
- هل تذكر ذلك اليوم عندما سألتني لماذا أكره الرجال؟ كنت قد خرجت حديثًا من حادثة اعتداء...
توقفت للحظة، وكأن الكلمات تؤلمها رغم مرور الوقت:
- هل تعلم أن زوج أمي حاول الاعتداء عليّ؟
اتسعت عينا عمر بصدمة، وظهر الغضب في ملامحه للمرة الأولى بهذه القوة، لكنها أسرعت بإكمال حديثها قبل أن يقول شيئًا:
- لكنه لم يحدث شيء... في ذلك اليوم لا أعلم كيف أنقذني الله منه، ربما لأن الله كان رحيمًا بي.
مسحت دموعها وهي تكمل:
- الوحيد الذي لم أشعر بالخوف أو النفور منه هو عامر بعدك يا عمر، صحيح أنني عاتبته وحملتُه مسؤولية ما حدث مع نيسان، لكن ذلك كان بسبب صدمتي الكبيرة وقتها.
تنهدت بحزن، ثم نظرت إليه:
- هل تعلم شيئًا؟ ليتنا نملك في حياتنا حكايا تمنحنا القدرة على تجاوز الصعوبات قبل وقوعها... ليتنا نملك شجاعة الشخصيات التي قرأنا عنها، وصبر من خاضوا المغامرات، وحكمة من تعلموا من أخطائهم... ليتنا نستطيع يا عمر أن نعرف الطريق قبل أن نسير فيه.
صمتت قليلًا، ثم أكملت بصوت ضعيف:
- لكننا بشر... نتعلم بعد أن نتألم.
اقتربت كلماتها من قلب عمر، بينما تابعت:
- هل تعلم أن عامر أنقذني من شيء لا أعلم إن كنت سأنجو منه أم لا؟ كانوا قد جهزوني لرئيسهم لأنه أعجب بي... إنه يحبني يا عمر كما أحبه.
ابتسمت بضعف رغم دموعها:
- عرفت بالأمس أنني لا أستطيع إخراجه من تفكيري أبدًا.
ثم أضافت بخجل وارتباك:
- وهل أزيدك من الشعر بيتًا؟ لقد اعترفت له بحبي عندما أصيب... لأنني خفت أن أخسره كما خسرت من أحببت.
بقي عمر صامتًا، وملامحه لا تحمل تفسيرًا واضحًا، ثم وقف وبدأ يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا، حتى طال صمته.....وبعد وقت تحدث بصوت هادئ:
- وماذا كان جوابك له؟ هل وافقتِ على عرضه؟
تنهدت بيسان بانكسار، وأخفضت عينيها وهي تشعر بثقل الكلمات التي تحملها داخل قلبها:
- لا... لم أخبره بشيء، لقد قال إنه لا يريد الجواب الآن، وبصراحة لم أكن لأستطيع أن أعطيه إجابتي في تلك اللحظة، أعلم أنني أخطأت بحق الله قبل أن أخطئ بحقي، لكن الأمر لم يكن بيدي يا عمر.
أخذ عمر نفسًا عميقًا، ثم نظر إليها بنظرة تحمل الكثير من المشاعر المتداخلة بين الخوف عليها والحرص على مصلحتها:
- أنتِ تعرفين يا بيسان أن ما حدث ليس صحيحًا.
أومأت بيسان بحزن، والندم واضح في ملامحها:
- أجل... أعترف بذلك، لكن انظر إلى نفسك يا عمر... ماذا فعلت عندما أحببت فتاة ثم اكتشفت أنها ليست كما ظننت؟
ساد الصمت للحظات، قبل أن يبتسم عمر ابتسامة خفيفة، محاولًا تخفيف التوتر بينهما:
- رغم أن الأمر مختلف تمامًا، لكنني رأيتها قبل يومين، والشخص الذي كان معها هو خالها... لا تقلقي.
اتسعت عينا بيسان بسعادة، وكأن خبرًا جميلًا أُعيد إليها بعد خوف طويل:
- حقًا؟ هذا خبر جميل.
أومأ عمر برأسه، ثم عاد إلى الموضوع الأساسي:
- أجل... لكنه ليس موضوعنا الآن، لنعد إلى حديثنا، إذا اعترضت على الأمر، هل ستحترمين رأيي كأخ لكِ؟
ساد الصمت بينهما قليلًا، ونظرت بيسان إليه بحزن، كانت تعلم أن عمر ليس شخصًا عابرًا في حياتها، بل السند الذي وقف معها في أصعب لحظاتها، وبعد لحظات أجابته بصوت هادئ:
- أجل، سأحترم رأيك يا عمر... لأنني في النهاية لا أريد أن أخسرك.
تنفس عمر براحة، وكأن إجابتها خففت جزءًا من القلق الذي يثقل قلبه:
- إذًا...
---
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!