ما بين الحب والخذلان
____________**
جلس شريف أمام رئيسه مطأطئ الرأس، بينما كانت أصابعه تنغرز في بعضها من شدة التوتر. رفع رأسه قليلًا، محدقًا عبر العتمة التي أخفت ملامح الرجل الجالس أمامه، ثم أردف بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا:
- سيدي... لقد أخبرتك سابقًا أن عامر شخصٌ ماكر، ولا يكنّ لنا أي احترام. منذ أن انضم إلينا بدأ يجمع أسرارنا بمساعدة أحدهم، والآن أصبحت بحوزته أدلةٌ كافية قد تقود إلى إعدامنا جميعًا.
ضرب الرجل الطاولة بعنف حتى اهتزت، ثم زمجر بغضب:
- هذه مشكلتك منذ البداية يا شريف! لقد أمرتك أن تتخلص منه بنفسك، لكنك كنت جبانًا.
أطلق شريف زفرةً مكتومة، يحاول السيطرة على أعصابه قبل أن يجيبه:
- سيدي... أرجوك أن تفهمني جيدًا، التخلص منه ليس بهذه السهولة. ضع احتمالًا أن تكون الأدلة مع شخصٍ آخر، فإذا قتلناه... أين سنبحث عنها؟ وكيف سنعرف في حوزة مَن هي؟
ضيّق الرئيس عينيه، ثم سأله بنبرةٍ مشوبةٍ بالشك:
- ألست تعمل معه يا شريف؟
انتفض شريف واقفًا بعصبيةٍ شديدة، حتى كادت كلماته تخرج من بين أسنانه:
- كيف أعمل معه؟! بعد كل هذا الإخلاص لكم؟! أقسم لك، حتى لو بقي آخر رجلٍ على وجه الأرض... فلن أكون في صفه.
ظل الرئيس يتأمله بصمتٍ طويل، قبل أن يشبك أصابعه فوق الطاولة متسائلًا:
- لكن هناك أمرًا لم أفهمه... لماذا تخلصت من تلك الفتاة الصغيرة؟
عاد شريف إلى مقعده، وأطرق رأسه بضيق:
- لم يكن أمامي خيارٌ آخر يا سيدي.
ارتفع حاجب الرجل باستغراب:
- وكيف ذلك؟ وأي خيارٍ تتحدث عنه؟
مرر شريف كفه المرتجفة فوق وجهه، ثم تنفس بعمق قبل أن يجيب:
- بعدما زرعنا أجهزة التنصت في مكتب عامر... اكتشفنا أنه يحب أختها، بل وكان ينوي التقدم لخطبتها، لكن والده رفض الأمر؛ لذلك رأينا أن قتل الفتاة الصغيرة سيزرع الكراهية في قلب أختها تجاهه، وسيجعل الجميع يوجهون أصابع الاتهام إليه، عندها سينكسر قلبه، وسيصبح في أضعف حالاته... وحينها سيكون التخلص منه أسهل بكثير.
ظل الرئيس يفكر للحظات، ثم سأله بهدوءٍ مخيف:
- ولماذا لم تتخلص من الفتاة الكبرى... أو من والديه؟
ابتلع شريف ريقه بصعوبة، وأجاب وهو يحك مؤخرة رأسه:
- والداه تقدما في العمر، ومصيرهما الموت عاجلًا أم آجلًا... أما الفتاة، فما زالت لنا حاجةٌ بها، وسنستخدمها لاحقًا للإيقاع به.
انعقد حاجبا الرجل وهو يسترجع ذكرى قديمة:
- أليست هذه ابنة أحمد... ذلك الذي كان يطاردنا وتخلصنا منه؟
أومأ شريف مؤكدًا:
- نعم... هي نفسها.
تجمدت ملامح الرئيس وهو يضيف:
- وأليست والدتها المرأة التي تزوجتها؟
أجاب شريف بسرعة، محاولًا إخفاء ارتباكه:
- كان هدفي التقرب من العائلة فقط للحصول على المعلومات التي أخذها أحمد، لكنني قلبت المنزل رأسًا على عقب... ولم أجد شيئًا يديننا.
ظل الرجل صامتًا برهة، ثم سأله بنظرةٍ ثاقبة:
- أتظن أن أحمد هو من ساعد عامر؟
هز شريف رأسه نافيًا:
- لا أعتقد... لا بد أن هناك شخصًا آخر يعمل بيننا لصالحه.
أسند الرئيس ظهره إلى المقعد، ثم لوّح بيده بفتور:
- حسنًا... يمكنك الانصراف الآن، لكن لا تتحرك كثيرًا في هذه الفترة.
__________**
وقفت غزل أمام الزجاج الفاصل، واضعةً كفها عليه برفق، رغم أنها لا تستطيع رؤية من في الداخل، لكن مجرد علمها بأن بيسان هناك... كان يمنحها بصيص أملٍ تتمسك به.
اقترب عمر منها، ووضع يديه على كتفيها مواسيًا:
- يكفي يا غزل... ستكون بخير، عامر أكد أنها مجرد صدمة.
مسحت دموعها بصمت، ثم تحركت معه حتى جلست إلى جوار مروة، وأسندت رأسها على كتفها، بينما كانت شهقاتها تخرج مكتومة.
وفي تلك اللحظة، لمح عمر آدم يقترب منهم، فسأله بقلق:
- أين عامر؟
تنهد آدم بحزن، ثم أجابه بهدوء:
- دخل إليها قبل قليل... لا تقلق، بإذن الله سيكون كل شيء بخير.
في الداخل...كانت بيسان مستلقية فوق السرير كما أُحضرت قبل ثلاثة أيام، بلا حركة، بلا كلمة، حتى نبضات قلبها أصبحت ضعيفة بصورةٍ أقلقت الجميع.
اقترب عامر منها بخطواتٍ بطيئة، وجلس إلى جوارها، ثم مسح دمعةً خانته قبل أن يهمس بصوتٍ متعب:
- أعلم أنكِ حزينة... بل ومحطمة لفقدانها.
صمت لحظة، ثم تابع بحرقة ناظرًا لكفها:
- تحدثي... اصرخي... عاتبيني... حمّليني الذنب كله إن شئتِ، فأنا أعلم أنكِ ترينني السبب؛ لكن... أقسم بالله أنني أموت ألف مرة كل يوم وأنا أراكِ بهذه الحالة.
ابتلع غصته بصعوبة، ثم أكمل بهمس:
- أعلم أنكِ تسمعينني... وأقسم بمن أحل القسم أنني لم أكن أعلم أنهم سيؤذونها، لقد أحببت نيسان من أعماق قلبي، حتى إنني حجزت لها موعد العملية قبل كل شيء.
ابتسم ابتسامةً موجوعة وهو ينظر إلى جهاز نبضات القلب:
- هل تعلمين؟... كنت قد أخبرت أبي أنني سأطلب يدك بعد عودتنا من المزرعة.
ضحك بسخريةٍ من نفسه، ثم أردف:
- وهل تعلمين شيئًا آخر؟ لقد أصبحت أكره تلك المزرعة بقدر ما كنت أحبها... حتى إنني لم أذهب لأرى المهرة "بيسان" كنت أتمنى أن أحمل اسمك معها، لتظل تذكّرني بك... وكأن نيسان قرأت ما في قلبي قبل أن ترحل.
تنهد طويلًا، ثم أغلق عينيه بألم يمنع دموعه من الانهيار:
- ليتنا لم نلتقِ... ربما لما حدث كل هذا.
ابتلع غصته ثم استرسل بصوتٍ خافت:
- دخلت تلك المنظمة بإرادتي، لكنني لم أستطع الخروج منها إلا بعدما حصلت على الأدلة، وبمساعدة رجلٍ لن أنسى فضله ما حييت... لكنهم عرفوا كيف يهزمونني.
ثم انحنى قليلًا نحوها وهمس:
- أرجوكِ... لا تكرهيني بذنبٍ لم أرتكبه، وإن كان قرارك أن تكرهيني... فسأتقبله، لكنني سأحزن كثيرًا، لأنني وضعت نفسي مكانك.
ارتجف صوته وهو يواصل:
- هل تسمعين نبضات قلبك الضعيفة؟... أنا أيضًا أصبحت ضعيفًا... لكن أمامك أنتِ فقط.
رفع بصره إلى عينيها الذابلتين، ومسح دموعه المنهمرة، ثم ابتسم بعشقٍ صادق:
- لكن! هل يكفي حبي ليشفع لي عندك؟... أنا أحبك يا بيسان، لم أعد أستطيع إخفاء ذلك، لا أعلم متى بدأ هذا الحب، ولا كيف تسلل إلى قلبي، لكنني أعلم يقينًا... أنني أحبك.
كانت تحدق أمامها بعينين زائغتين، تسمع كل كلمةٍ ينطق بها، لكنها عاجزة عن الرد أو حتى الحركة.
وفجأة!
انسابت دمعةٌ وحيدة من طرف عينها، استمرت الدمعة بالانحدار ببطء فوق وجنتها الشاحبة، وكأنها كانت تحمل معها كل ما عجز قلبها عن البوح به، أغمضت عينيها بألمٍ يكاد يمزق روحها، بينما كانت ذكرياتها تتدفق بلا رحمة.
نعم... لقد رحلت، رحلت أختها... ابنتها... رفيقة عمرها... آخر ما تبقى لها في هذه الحياة، رائحة من والدها الراحل.
بدأ عقلها يستعيد ما حدث شيئًا فشيئًا؛ رائحة المعقمات، برودة جدران المشفى، وجوه الأطباء، ثم ذلك المشهد الذي حاولت الهروب منه مرارًا...
عمر...
كان يقف أمامها باكيًا، وصوته يرتجف وهو يخبرهم بخبر وفاة نيسان، تذكرت كيف ذهبوا إلى المشفى، وكيف ودعوها للمرة الأخيرة قبل أن توارى الثرى، كما تذكرت نظرة عامر إليها يومها...
نظرةً امتزج فيها الندم بالعجز، وكأنه كان يخبرها بصمت أنه بريء، لكنه عاجز عن إثبات ذلك، ازدادت دموعها انهمارًا، فانتبه عامر إليها على الفور، انتفض واقفًا، وامتزجت الفرحة بالقلق في ملامحه وهو يهتف:
- بيسان... هل أنتِ بخير؟
التفتت إليه ببطء، وما إن التقت عيناها بعينيه حتى اشتعل داخلهما بحرٌ من الكراهية، حاولت النهوض بعنف، وهي تنتزع الإبرة الطبية من يدها بهستيريا، إلا أن جسدها الواهن لم يسعفها.
اتسعت عينا عامر خوفًا، وأسرع نحوها حتى لا تؤذي نفسها، لكنها صرخت فيه بصوتٍ مزق أرجاء الغرفة:
- لا تقترب! ابقَ بعيدًا عني... فقط ابقَ بعيدًا!
توقف مكانه للحظة، ثم اقترب خطوةً واحدة بحذر، كانت ملامحها حمراء من شدة البكاء، ووجهها غارقًا بالدموع.
ضحكت ضحكةً باكية مؤلمة، ثم اندفعت نحوه تضرب صدره بقبضتيها المرتجفتين، وهي تصرخ بانهيار:
- لماذا قتلتها؟! لماذا؟! لقد كانت تحبك كثيرًا... ألم تشفق عليها لأنها طفلة؟! أجبني... لماذا؟!
أغمض عامر عينيه بألم، ثم همس بصوتٍ متهدج:
- أقسم بالله... لم أكن أعلم أنهم سيقتلونها أو حتى يقتربوا منها.
قهقهت بصوتٍ مختل، حتى بدت كأنها فقدت صوابها، ثم نزعت الإبرة بعنف، فتناثر الدم على ثيابها وثيابه معًا، انهارت على ركبتيها، بينما اقترب منها مرةً أخرى، لكنه لم يجرؤ على لمسها، خرج صوته مكسورًا وهو يهمس:
- أعتذر منكِ كثيرًا يا آنسة بيسان... معكِ كل الحق في اتهامي... لكن... ألا يشفع الحب؟
رفعت رأسها إليه، ومسحت دموعها بعنف، ثم ابتسمت ابتسامةً موجوعة وهي تقول:
- أتعلم... أنني أحببتك؟
تجمد في مكانه.
اختلطت الصدمة بالسعادة داخل عينيه، قبل أن تتابع بصوتٍ حطم ما تبقى من قلبه:
- لكنني... أصبحت أكرهك بضعف كل ذرة حبٍ سكنت قلبي يومًا. أنت لا تختلف عن زوج أمي... بل أنت أسوأ منه. لقد حرمتني من أغلى ما أملك في هذه الدنيا.
أطرق رأسه بعجز، ثم جلس على الأرض بجوارها، وكأنه استسلم لألمه أخيرًا، خرج صوته مثقلًا بالوجع:
- أعدك... سأجد القاتل الحقيقي، وسأضعه بين يديكِ، حتى تشفي غليلك منه.
ازداد نحيبها، ثم نهضت بصعوبة، ودفعت صدره بكل ما بقي لديها من قوة وهي تصرخ:
- ماذا سأستفيد من اعتذارك؟! هل سيعيد لي أختي؟! هل ستعود نيسان للحياة؟! اخرج... لا أريد رؤيتك... ابتعد عني... اتركني وشأني...
ثم خفت صوتها فجأة، وهمست بوهنٍ يكاد لا يسمع:
- اتركني...
راقبها عامر بقلقٍ بالغ، كانت تتمايل في وقفتها، وملامحها شاحبة، وأنفاسها متقطعة، بينما وضعت يدها على رأسها بعد أن داهمها دوارٌ شديد إثر انهيارها العصبي.
لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى ترنح جسدها، وفي اللحظة التي فقدت فيها وعيها، اندفع عامر ليلتقطها بين ذراعيه قبل أن ترتطم بالأرض.
حملها بحنانٍ بالغ، وكأنها عصفورٌ جريح يخشى أن ينكسر بين يديه، ثم وضعها برفق فوق السرير، وأعاد تثبيت المحلول في يدها، وغطاها جيدًا، قبل أن يمسح دموعه سريعًا ويغادر الغرفة حتى لا يراه أحد بتلك الحالة.
وما إن خرج، حتى اقترب منه عمر بلهفة واضحة، وسأله:
- ما الأمر يا عامر؟ لماذا تأخرت كل هذا الوقت؟ هل هي بخير؟
تنهد عامر بحرقة، ثم أجابه بصوتٍ خافت:
- لقد استعادت وعيها... وأفرغت كل ما كان يعتصر قلبها، أظن أنها ستكون أفضل بعد ذلك... لا تقلق يا عمر.
اقتربت غزل بخطواتٍ مترددة، وعيناها معلقتان به برجاء:
- هل... ستكون بخير؟
ابتسم لها ابتسامةً باهتة، ثم التفت نحو مروة التي كانت تنظر إليه بقلب أمٍ أنهكه الحزن، وأردف بأسفٍ بالغ:
- لا تقلقي يا خالتي... ستكون بخير بإذن الله. وأعتذر منكم جميعًا... فلو لم تعرفوني، لما وصلتم إلى كل هذا. مهما اعتذرت... فلن أستطيع إعادة الماضي.
تنهدت مروة بحرقة، ثم ابتسمت له ابتسامةً شاحبة وقالت:
- هذا أمرٌ لم يكن بيدك يا بني... لكننا نتمنى فقط أن يُعثر على القاتل الحقيقي.
اشتدت ملامح عامر عزيمةً، وأجاب بثقة:
- سنعثر عليه يا خالتي... وقريبًا جدًا أيضًا.
أطرقت مروة برأسها للحظات، وكأنها تجمع شتات ذكرياتها المؤلمة، ثم رفعت بصرها إليه وهمست بصوتٍ خافت، خشية أن يسمعها أحد:
- أريد أن أحدثك بأمرٍ ما... هل من الممكن أن تبتعد قليلًا؟
أومأ عامر برأسه، فالتفتت مروة إلى عمر وغزل قائلة:
- اتركاني معه قليلًا.
امتثل الاثنان لطلبها وابتعدا، بينما بقي عامر ينظر إليها بترقب، حتى أردفت بعد ترددٍ طويل:
- هل أنت متأكد يا بني أن عصابة المافيا هي من فعلت ذلك؟
عقد عامر حاجبيه باستغراب، ثم أجاب بثقة:
- نعم يا خالتي... لا أشك في ذلك أبدًا.
تنهدت مروة ببطء، ثم تابعت بنبرةٍ يغلب عليها التردد:
- لقد أخبرتنا سابقًا أن هناك رجلًا ساعدك في الحصول على الأدلة.
أومأ مؤكدًا حديثها، ثم تساءل باستغراب:
- صحيح... لكن ما الذي جعلك تتذكرين ذلك الآن؟
أغلقت عينيها للحظات، وكأنها تسترجع شريطًا قديمًا من الذكريات، ثم شرعت تروي بصوتٍ مثقل بالألم:
- قبل خمس أو ست سنوات تقريبًا... كان زوج أختي يساعد رجلًا على الهروب من أشخاصٍ كانوا يطاردونه، وبذل كل ما يستطيع لحمايته، لم يخبرني باسم ذلك الرجل، لكنه أوصاني قبل وفاته بيومٍ واحد فقط أن أعتني بابنتيه، وألا أسمح لتلك العصابة بالوصول إليهما.
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن يسألها عامر باهتمام:
- وكيف قُتل؟
ارتجفت شفتاها، وسرحت عيناها بعيدًا...عاد بها الزمن إلى ذلك اليوم الأسود...
رأت أحمد مضرجًا بدمائه، يلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما كانت يده المرتجفة تمتد إليها ببطاقة ذاكرة صغيرة، يضعها في كفها قبل أن تسقط يده بلا حراك، خرجت من ذكرياتها على صوت عامر وهو يناديها، فأخذت نفسًا مرتجفًا، ثم أردفت:
- أطلقوا عليه سبعة عشر رصاصة... بعدد سنوات ابنته بيسان آنذاك، وحتى اليوم... لم أخبرها بالحقيقة، ما زالت تظن أن والدها مات في حادث سير.
تجمد عامر في مكانه، واتسعت عيناه بصدمةٍ كبيرة، ثم سألها بسرعة:
- هل... كان طويل القامة؟ وذو عينين رماديتين؟
هزت رأسها بالإيجاب، لتتأكد شكوكه كلها، ثم همست بيقين:
- نعم... إنه هو.
جلس عامر على المقعد القريب منه وقد خانته قدماه، وشعر وكأن الهواء قد انسحب من رئتيه.
مرر يده فوق وجهه بإرهاق، ثم تمتم بصوتٍ بالكاد يُسمع:
- لقد أنقذ حياتي... وساعدني كثيرًا، أقسم أنني لم أنسَ معروفه يومًا.
رفع رأسه إليها مجددًا، وسألها بقلق:
- هل تعرضت العصابة لكم بعد وفاته؟
حركت رأسها نفيًا، ثم أجابت:
- لا... لم يقتربوا منا أبدًا، بعد وفاته تزوجت أختي من رجلٍ صاحب مكانة ونفوذ، لذلك أظن أنهم فضلوا الابتعاد.
تنهد عامر بعمق، وفي تلك اللحظة دوى رنين هاتفه، أخرج الهاتف من جيبه، فوجد اسم والدته يضيء الشاشة، استأذن من مروة باحترام، ثم ابتعد قليلًا وأجاب الاتصال.
وما إن سمع صوت والدته المرتجف بالبكاء، حتى أغمض عينيه بألم.
- حمدًا لله أنك أجبت يا بني... كيف حالك؟
ابتلع غصته بصعوبة، ثم أجاب بصوتٍ متعب:
- لست بخير يا أمي... أقسم أنني أشعر وكأنني أختنق.
وضعت نادية يدها على فمها تمنع نفسها من الانهيار، ثم أردفت بحنان:
- تحدث يا بني... أخبرني ماذا حدث. أكل هذا بسبب الطفلة؟ لا تحمل نفسك ذنب موتها، فليس لك يدٌ فيما جرى.
أسند عامر جبينه إلى الزجاج الفاصل أمامه، ثم همس بانكسار:
- أمي... أرجوكِ... أنا السبب...
اختنق صوته، وعجز عن إكمال حديثه، تنهدت نادية بحرقة، ثم سألته برفق:
- وكيف أصبحت بيسان؟
مسح دموعه بطرف كفه، وأجاب بصوتٍ متهدج:
- أرجو أن تتحسن... لكنها واجهتني بوجهٍ لم أتخيل أن أراه يومًا. أقسم لك يا أمي... إن الموت أهون عليّ من نظراتها وكلماتها، لا أظن أن هناك أملًا في أن تسامحني.
ابتسمت نادية رغم دموعها، محاولةً أن تبث فيه بعض الأمل:
- إن كنت تحبها حقًا يا بني... فأخبرها، أحيانًا يشفع الحب لأصحابه.
رفع بصره إلى السقف، ثم أغمض عينيه بإرهاقٍ شديد وهمس:
- لقد أخبرتها...
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يكمل بصوتٍ منكسر:
- أتدرين ماذا كان ردها؟ قالت لي كنت أحبك... لكنني الآن أكرهك بقدر كل ذرة حبٍ كانت في قلبي لك.
انسابت دمعة من عين نادية، لكنها تماسكت عندما رأت جمال يقترب منها، تنفست بعمق، ثم أردفت:
- سأغلق الآن يا بني... لقد جاء والدك. لكن تذكر دائمًا... أن المحب الحقيقي لا يتخلى عن حبيبه مهما اشتدت الأخطاء.
أجابها عامر بعزمٍ امتزج بالألم:
- بإذن الله يا أمي... وسأعثر على قاتل نيسان، وأقسم أنه لن يفلت من يدي سالمًا.
أنهى المكالمة، واستدار ببطء...ليتفاجأ بفداء تقف خلفه، تحمل صينيةً عليها بعض الطعام، وتنظر إليه بابتسامةٍ باهتة.
أغمض عامر عينيه للحظة، ثم فتحهما بإرهاقٍ واضح، وقد بدا وكأن الحزن قد استنزف كل ما تبقى فيه من قوة، تقدمت فداء نحوه بخطواتٍ هادئة، ثم رفعت الصينية قليلًا وهي ترسم ابتسامةً رقيقة على وجهها محاولةً التخفيف عنه:
- لا بد أنك جائع... لذلك أحضرت لك هذا.
أنزل عامر بصره إلى الطعام، لكنه شعر بأن شهيته قد ماتت منذ سماعه خبر نيسان، فرفع عينيه إليها معتذرًا بلطف:
- أعتذر منك يا فداء... لكن ليست لدي شهية لتناول أي شيء.
انعقد حاجباها بحزن، ثم اقتربت منه خطوة أخرى، وتوسلته بنبرةٍ يغلب عليها الرجاء:
- عامر... أرجوك، لا تجعلني أعود خائبة ولو لمرة واحدة. خذ منه بضع لقيمات فقط.
نظر إليها بصمتٍ لثوانٍ، ثم مد يده وأخذ الصينية منها احترامًا لمشاعرها، قبل أن يبتسم ابتسامةً صغيرة بالكاد ظهرت على شفتيه:
- شكرًا لكِ يا فداء... سأذهب أولًا لأصلي، ثم أتناول الطعام.
أشرقت ملامحها ببعض الارتياح، وسألته وكأنها تريد وعدًا يطمئن قلبها:
- هل هذا وعد؟
بادلها ابتسامةً هادئة، ثم أومأ برأسه مؤكدًا:
- وعد.
تنفست براحة، ثم ابتسمت قائلة:
- حسنًا... سأعود إلى عملي إذًا.
راقبها وهي تبتعد، ثم أطرق رأسه طويلًا، وكأن أثقال الدنيا كلها قد استقرت فوق كتفيه.
____________**
كانت غزل تجلس بصمت، تسند رأسها إلى الحائط البارد، بينما بدت عيناها غارقتين في بحرٍ من الحزن، أما آدم، فكان يراقبها من بعيد بقلبٍ يعتصره الألم.
ما إن أنهى صلاته، حتى اتجه إلى آلة القهوة، وعاد يحمل كوبين، ثم جلس إلى جوارها بهدوء، متعمدًا إصدار صوتٍ خفيف حتى تشعر بوجوده، التفتت إليه للحظة، ثم أعادت بصرها إلى الفراغ أمامها دون أن تنطق.
فرك آدم مؤخرة رأسه بتوتر، ثم مد أحد الكوبين نحوها قائلًا:
- تفضلي... ربما تساعدك على استعادة شيءٍ من تركيزك.
انتظر أن تمد يدها، لكنها بقيت ساكنة، فأكمل بلطف:
- لا تحزني يا آنسة غزل... بإذن الله ستكون بيسان بخير.
ثم التفت إليها مضيفًا:
- وأنتِ أيضًا تبدين مرهقة جدًا. منذ ثلاثة أيام وأنتِ على هذه الحال، اذهبي واستريحي قليلًا.
رفعت غزل رأسها نحوه، وكانت عيناها ممتلئتين بالدموع، ثم همست بصوتٍ مكسور:
- ألا ترى ما الذي حدث لنا؟... في البداية فقدنا أغلى ما نملك... ثم إن حالة بيسان لم تتغير منذ ثلاثة أيام... وكأنها غادرت معنا ولم يعد منها سوى الجسد.
شعر آدم بانقباضٍ في قلبه، فأعاد مد الكوب إليها مرةً أخرى، ثم وضعه بين يديها برفق بعدما لاحظ أنها لا تقوى حتى على رفع يدها.
ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ مطمئنة وهو يردف:
- عامر أخبرنا بكل شيء... صدقيني، ستكون بخير بإذن الله.
أحاطت غزل الكوب بكلتا يديها، وكأنها تبحث عن قليلٍ من الدفء وسط ذلك البرد الذي اجتاح روحها.
ظلت تحدق في القهوة للحظات، قبل أن تهمس بشرود:
- هل تعلم شيئًا؟
هز آدم رأسه نافيًا، ثم أجاب بهدوء:
- لا... ماذا هناك؟
تنهدت بعمق، دون أن ترفع عينيها عن الكوب، ثم أردفت:
- كثيرًا ما كنت أحدث نفسي... وأقول: لولا أننا تعرفنا عليكم، لما حدث لنا كل هذا.
صمتت قليلًا، ثم أغمضت عينيها وأكملت بصوتٍ يغلب عليه الرضا رغم الألم:
- لكنني في النهاية أعود وأقول... إن كل ما حدث كان بأمر الله.
أسند آدم رأسه إلى الحائط، وأطلق زفرةً طويلة، ثم ابتسم ابتسامةً شاحبة وهو يجيبها:
- وهل تعلمين؟... الأيام التي تعرفنا فيها عليكم كانت من أجمل أيام حياتنا.
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن يتابع بنبرةٍ أكثر دفئًا:
- لقد أنسيتمونا ضغوط العمل، وأعدتم إلينا أشياء كدنا ننساها.
توقف فجأة..التفتت غزل نحوه باستغراب، لتجده يحدق في عينيها دون أن يشعر.
ارتبكت، فأبعدت بصرها سريعًا، بينما أخذ هو نفسًا عميقًا، وكأنه يجمع شجاعته ليقول شيئًا ظل حبيس قلبه طويلًا.
ثم همس بصوتٍ خافت:
- إنني...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!