صفعة مدوية
رفرفت أهداب بيسان ببطء، وهي تشعر بثقلٍ غريب يطبق على رأسها، حاولت فتح عينيها بصعوبة، ثم رفعت يدها تفركهما برفق، قبل أن تعتدل في جلستها.
ألقت نظرةً متفحصة على غرفتها، فضاقت عيناها بحيرة، وانعقد حاجباها تلقائيًا، وضعت كفها على رأسها، محاولةً استرجاع ما حدث، آخر ما تتذكره...
أنها خرجت من الباب الخلفي للمشفى، بعد أن بدلت ثيابها داخل المرحاض، ثم...توجهت إلى قبر نيسان.
جلست بجواره طويلًا، تبكي، وتحدثها، وتروي لها كل ما أثقل قلبها...لكن...بعد ذلك...لا تتذكر شيئًا.
أغمضت عينيها، وقد بدأت دموعها تتجمع من جديد.
وفجأة...اتسعت عيناها، وكأن ذكرى خاطفة مرت بعقلها، التفتت بسرعة، تبحث بعينيها في أرجاء الغرفة.
لقد تعرفت إلى تلك الرائحة...تلك الرائحة التي كانت عالقة دومًا بثياب نيسان كلما كانت تجلس فوق قدميه.
بللت شفتيها بتوتر، ثم أنزلت قدميها إلى الأرض، واستقامت واقفة، وقبل أن تخطو خطوةً واحدة...وقعت عيناها على شيءٍ ملقى بالقرب من السرير.
انحنت تلتقطه، كانت...سترةً سوداء، أخذتها بين يديها، وأمعنت النظر فيها، ثم قربتها من أنفها تستنشق رائحتها.
وما إن تأكدت مما ظنته...حتى أبعدتها عنها بسرعة، وكأنها أمسكت جمرةً مشتعلة.
همست بدهشةٍ امتزجت بالغضب:
"إنها... سترة عامر."
حدقت في السترة بذهول، بينما أخذت الأسئلة تتزاحم داخل رأسها بلا رحمة، كيف وصلت إلى غرفتها؟ ومن الذي أعادها إلى المنزل؟ وكيف وصلت هذه السترة إلى هنا؟
ازدادت أنفاسها اضطرابًا، واتجهت بخطواتٍ مترددة نحو باب غرفتها، تريد أن تجد إجابةً تُنهي هذا الصراع الذي يفتك بعقلها.ط، وقبل أن تضع يدها على المقبض...
فُتح الباب من الخارج، كانت مروة، ما إن وقع بصرها على بيسان حتى لاحظت الشحوب الذي يكسو وجهها، والخوف المرتسم بوضوح في عينيها.
اقتربت منها على الفور، وأمسكت بيدها برفق، ثم أجبرتها بلطفٍ على الجلوس فوق السرير، قبل أن تتأملها بقلقٍ بالغ:
- ما بكِ يا ابنتي؟ هل أنتِ بخير؟
لم تُجبها بيسان، اكتفت بالإشارة إلى السترة الموضوعة بجوارها، ثم سألت بصوتٍ متوتر:
- كيف وصلت هذه إلى هنا؟
اتبعت مروة اتجاه إصبعها، فانحنت تلتقط السترة، وأخذت تتفحصها باستغراب، عقدت حاجبيها، ثم رفعت رأسها نحو بيسان متسائلة:
- ما هذه؟
نهضت بيسان من مكانها، وأخذت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا بخطواتٍ متسارعة، بدأت الصور تتدافع داخل رأسها...
تذكرت...نعم...لقد رأته.....رأته يحملها بين ذراعيه.
لكن...هل كان ذلك حقيقة؟ أم مجرد حلمٍ صنعه عقلها المرهق؟ وضعت يدها فوق رأسها، وهي تحاول استيعاب الأمر، إلا أن وجود تلك السترة أمامها كان كافيًا ليؤكد أن ما حدث لم يكن حلمًا.
رفعت رأسها نحو مروة، وسألتها بنبرةٍ امتزج فيها الارتباك بالخوف:
- كيف وصلت إلى هنا؟... أقصد... من الذي أحضرني إلى البيت؟ آخر ما أتذكره أنني كنت في المقبرة.
ابتسمت مروة ابتسامةً خفيفة وهي تتذكر ما حدث، ثم أجابتها بحنان:
- عامر يا ابنتي... هو من وجدك، وأحضرك إلى هنا.
توقفت بيسان عن الحركة، أغمضت عينيها بقوة، وأخذت نفسًا عميقًا تحاول به السيطرة على غضبها.
وحين فتحتهما مجددًا، كانت ملامحها قد هدأت ظاهريًا، لكنها كانت تخفي في داخلها بركانًا من الغضب، اقتربت من مروة، وجلست بجوارها، ثم أعادت السؤال ببطء، وهي تشدد على كل كلمة:
- من... الذي... أحضرني؟
رمقتها مروة باستغراب، ثم أجابت للمرة الثانية:
- لقد أخبرتك يا ابنتي... الطبيب عامر. ما بكِ؟
بدأت قدم بيسان تتحرك بعصبية، بينما راحت تضغط على أصابعها بقوة، ثم سألت بحدةٍ أكبر:
- وكيف أحضرني؟
استغفرت مروة ربها، ثم وضعت يدها على جبين بيسان تتحسس حرارتها، قبل أن تهمس بقلق:
- بيسان... حرارتك طبيعية، فما الذي أصابك؟ لماذا لا تستوعبين ما أقوله؟
وفجأة...انفجر كل ما كانت تحاول كتمانه، وقفت بيسان بعصبية، وارتفع صوتها وهي تصرخ:
- من سمح له بأن يُحضرني؟! ومن سمح له أن يتبعني؟!
كانت أنفاسها تتسارع بصورةٍ مخيفة، بينما تابعت بغضبٍ عارم:
- أنا حرة في تصرفاتي... فليبقَ بعيدًا عني! إنه السبب في كل ما حدث! ألم يكفه ما عانيناه بسببه؟!
في تلك اللحظة، اندفع عمر إلى داخل الغرفة، وخلفه غزل، بعدما سمعا صراخها، اقترب منها عمر بسرعة، وهو يتفحص ملامحها القلقة، ثم تساءل بخوف:
- ماذا هناك يا بيسان؟ لماذا تصرخين؟
استدارت إليه بعينين تمتلئان بالغضب، ثم واجهته بصوتٍ مرتفع:
- لماذا سمحت له؟! أخبرني... لماذا؟!
ازدادت دموعها انهمارًا، وهي تكمل بانهيارٍ كامل:
- كنت أريد أن أبقى بجوار أختي... بجوار من قتلها... من حرمني منها!
ثم صرخت بكل ما بقي في صدرها من وجع:
- قاتل...قاتل...قاتل! كيف سمحتم له بالدخول إلى منزلنا؟! كيف؟! أنتم السبب... لماذا لم تبلغوا عنه؟! إنه قاتل!
لم يحتمل عمر حالتها، كانت كلماتها تطعن الجميع، لكنها كانت تمزقه هو أيضًا
وفجأة...
ارتفعت يده...وفي لحظة غضبٍ لم يحسبها...استقرت صفعةٌ قوية على وجنتها، ساد الصمت.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف عن الحركة، وضعت بيسان يدها على خدها بذهولٍ كامل.
انسدل شعرها فوق وجهها، يخفي ملامح صدمتها، رفعت عينيها ببطء نحو عمر، كان ينظر إليها بوجهٍ شاحب، وقد أدرك فداحة ما ارتكبه.
اقترب منها خطوة، بينما غلبه الندم:
- بيسان... أنا...
لكنها رفعت يدها في وجهه، تمنعه من إكمال حديثه، خرج صوتها هادئًا...هادئًا إلى حدٍ أخافهم جميعًا:
- اصمت.
ازدادت ملامح عمر انكسارًا، وهمس بأسف:
- لم أقصد...
قاطعت كلماته دون أن تنظر إليه، ثم أشارت بيدها نحو الباب:
- تفضلوا... جميعًا... إلى الخارج.
رمقت غزل عمر بنظرة عتابٍ قاسية، ثم أسرعت نحو مروة تساعدها على الوقوف.
أما مروة...فالتفتت إلى بيسان، وهمست بحنانٍ يعتصره الألم:
- خذي حمامًا دافئًا يا ابنتي... ربما تستعيدين شيئًا من نشاطك.
لم تُجبها بيسان، جلست بصمتٍ على طرف السرير، تحدق في نقطةٍ بعيدة، وكأنها لم تعد ترى من حولها.
وبعد لحظات...نهضت بهدوءٍ غريب، واتجهت نحو الحمام، أغلقت الباب خلفها، وقفت أمام المرآة بعدها رفعت أصابعها تتحسس أثر الصفعة على وجنتها، بينما أخذت تحدق في انعكاس وجهها طويلًا.
مسحت دموعها بقوة، ثم وضعت كلتا يديها على حافة المغسلة، وأغمضت عينيها، في خيالها...كان عامر يقف أمامها.
فتناولت بعض قطرات الماء، ونثرتها بقوة نحو المرآة، وكأنها ترشها في وجهه، ثم همست بغلٍّ لم تستطع إخفاءه:
- هل ظننت أنك نجوت بفعلتك أيها الطبيب المبجل؟
ابتسمت بسخريةٍ موجعة، ثم أردفت:
- لقد أخطأت الظن...أقسم لك...لن يكون اسمي بيسان...ولن أكون أخت نيسان...إن لم أجعلك تدفع ثمن ما فعلته.
اقتربت أكثر من المرآة، وحدقت في انعكاسها بعينين امتلأتا بالقهر، ثم أردفت بنبرةٍ حاسمة:
- استمتع بأيامك هذه...
لأنك لن تراها مرةً أخرى، أغمضت عينيها، ثم تنفست ببطء، وبعد دقائق...شرعت في الوضوء، استعدادًا لأداء ما فاتها من صلاة.
__________**
في الخارج...
جلس عمر على الأريكة، وقد غرق في بحرٍ من الشرود، بينما كان مشهد صفعته لبيسان يتكرر أمام عينيه بلا رحمة، تنهد بحرقة، وأطرق رأسه، وكأن ثقل الدنيا قد استقر فوق كتفيه.
كانت غزل تراقبه بصمت، لكنها لم تستطع كبح ضيقها أكثر، هزت قدمها بعصبية، ثم واجهته بعتابٍ امتزج بالحزن:
- لماذا فعلت ذلك يا عمر؟ ألم يكن ما تعانيه كافيًا حتى تزيدها وجعًا؟
رفع رأسه إليها ببطء، وقد امتلأت عيناه بالندم، ثم تمتم بأسى:
- لم أجد طريقةً أخرى لأخرجها من تلك الحالة... أقسم أنني لم أكن أريد إيذاءها.
حركت مروة رأسها بقلة حيلة، وقلبها يعتصر ألمًا على ما وصل إليه حالهم، ثم عقبت بصوتٍ خافت:
- لكن ليس بالضرب يا عمر... وخاصةً على وجهها.
أغمض عينيه للحظة، ثم زفر بضيقٍ من نفسه، وهمس:
- هذا ما حدث...
ساد الصمت للحظات...ولم يقطعه سوى رنين هاتف المنزل، نهض عمر متثاقلًا، واتجه نحو الهاتف، ثم رفع السماعة إلى أذنه، ليستمع إلى صوت امرأةٍ تلقي السلام.
انعقد حاجباه باستغراب، قبل أن يرد بأدب:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... تفضلي.
تسلل شيءٌ من الأمل إلى صوت أحلام وهي تستفسر:
- عمر؟... ءأنت يا عمر؟ أنا خالتك أحلام.
ألقى عمر نظرةً سريعة نحو والدته، ثم أجابها بنبرةٍ لم تخلُ من السخرية:
- أهلًا بكِ يا خالتي أحلام... هل تذكرتِ شيئًا نسيته منذ زمن؟
انعقد حاجباها باستغراب، وسألته بعدم فهم:
- ماذا تقصد يا عمر؟
جلس بأريحيةٍ متعمدة، ووضع إحدى ساقيه فوق الأخرى، ثم أردف بتهكمٍ واضح:
- أقصد... هل تذكرتِ أن لديكِ ابنًا أيضًا؟ أم أنكِ أنجبتِ طفلًا جديدًا وتريدين إرساله إلينا كما أرسلتِ ابنتيك؟
اشتد ضيقها من أسلوبه، فردت بحدة:
- احترم نفسك يا عمر... ما هذا الكلام؟ أعطني مروة... أو أعطني بيسان.
ابتسم ابتسامةً ساخرة، ثم عقب:
- هل تريدين أمي لتعطيها بعض التعليمات؟ لا تقلقي... إنها ترعاهما كأنهما ابنتاها، بل وأكثر.
رمقته مروة بنظرة عتاب، ثم نهضت من مكانها، وأخذت السماعة من يده برفق.
وضعتها على أذنها، ثم رحبت بها بهدوء:
- أهلًا يا أحلام.
تنهدت أحلام براحةٍ بسيطة، ثم بادلتها التحية:
- أهلًا يا مروة... كيف حالكم؟
حاولت مروة منع دموعها من الانهمار، ثم أجابت بصوتٍ متعب:
- نحمد الله... أخبريني، ما سبب اتصالك؟
تلعثمت أحلام قليلًا قبل أن تتحدث بتردد:
- أممم... هل بيسان بجوارك؟ أريد أن أتحدث معها... لقد حاولت الاتصال بها مرارًا، لكن هاتفها مغلق.
التفتت مروة نحو غزل، وأشارت لها بعينيها أن تتأكد من أن باب غرفة بيسان مغلق، حتى تتمكن من الحديث براحة.
ثم عادت تخاطب أحلام بهدوء:
- إنها متعبة قليلًا... لكن يا أحلام، أريد أن أخبركِ بشيء.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يأتيها صوت أحلام:
- تفضلي يا مروة... ما الأمر؟
استنشقت مروة نفسًا عميقًا، واستعدت لإخبارها بالحقيقة...
لكنها توقفت فجأة، اتسعت عيناها وهي ترى باب غرفة بيسان يُفتح ببطء.
خرجت بيسان، وقد ارتدت ملابسها السوداء المخصصة للخروج، وكانت ملامحها هادئة على غير عادتها، إلا أن ذلك الهدوء كان يخفي خلفه عاصفةً هوجاء.
أسرعت غزل نحوها، وأمسكت بيدها بحنان، ثم سألتها بلطف:
- إلى أين أنتِ ذاهبة يا بيسان؟
رفعت بيسان عينيها إليها، لم تنطق بكلمة.
لكن الحزن الذي كان يفيض من نظراتها كان كفيلًا بالإجابة، فهمت غزل ما تعنيه تلك النظرة.
اقتربت منها أكثر، وربتت على ظهرها بحنان، ثم احتضنتها هامسةً عند أذنها:
- كل شيء سيكون بخير يا بيسان... لا تحزني... ما فعله عمر كان خوفًا عليكِ، صدقيني.
ارتسمت على شفتي بيسان ابتسامةٌ منكسرة، ثم رفعت بصرها نحو عمر، كان يقف بعيدًا، عاجزًا عن النظر إليها، اقتربت منه ببطء، رفع رأسه إليها، وقد امتلأت عيناه بالندم.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!