دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 32 من 34
وضع القراءة:

خبايا القدر

كان آدم يسير في الممرات الفاصلة بين غرف المرضى بخطواتٍ هادئة، يراجع الملفات الطبية بين يديه، حتى استوقفه صوتٌ أنثوي يناديه من الخلف، استدار بهدوء، ليجد ليان تسرع نحوه بخطواتٍ متلاحقة، وقد بدا عليها الإرهاق من شدة استعجالها.
ما إن وصلت أمامه حتى توقفت تلتقط أنفاسها، قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة خجولة، وهمست باحترام:
- صباح الخير، أستاذي.
بادلها ابتسامةً هادئة، وأجابها بود:
- صباح الخير يا ليان.
خفضت رأسها بخجل، ثم أردفت بصوتٍ متردد:
- أرسلني الدكتور إسماعيل لأساعدك في الكشف على المرضى.
ارتسمت على وجه آدم ملامح الارتياح، وكأنها جاءت في الوقت الذي كان يحتاج فيه إلى من يسانده، ابتسم لها بامتنان، ثم عقب بلطف:
- حقًا؟ لقد جئتِ في الوقت المناسب... أشعر بإرهاقٍ شديد اليوم، ولن أستطيع الكشف على جميع المرضى بمفردي... هيا، اتبعيني.
أومأت برأسها بخجل، وسارت خلفه، بينما أخفت ابتسامتها التي ارتسمت بعفوية، وكأن مجرد السير خلفه كان كافيًا ليملأ قلبها بالفرح.
تنقلا بين الغرف واحدةً تلو الأخرى، كان آدم يفحص المرضى بعناية، بينما كانت ليان تدون جميع الملاحظات التي يمليها عليها بدقة، ولم تكن ترفع عينيها عنه إلا للحظاتٍ خاطفة.
وقبل أن ينتهي من فحص أحد المرضى، دوى رنين هاتفه في أرجاء الغرفة، أخرجه من جيبه سريعًا، وما إن لمح اسم عامر حتى تبدلت ملامحه، رفع الهاتف إلى أذنه على الفور، وهتف بقلق:
- أين أنت يا عامر؟ أخيرًا اتصلت... لقد حاولت التواصل معك كثيرًا منذ الأمس... هل أنت بخير؟
جاءه صوت عامر من الطرف الآخر متعبًا، بينما كان هدير السيارة واضحًا في الخلفية:
- لا تقلق... آدم، استمع إلي جيدًا... هل تتذكر بيت الجبل؟
انعقد حاجبا آدم باستغراب، لكنه لم يقاطعه، تابع عامر بنبرةٍ جادة:
- لا تذهب إلى البيت... اذهب مباشرةً إلى الجبل... سبقني إلى هناك، مفهوم؟
اشتدت حيرة آدم، وتسارعت دقات قلبه، ثم سأله بقلقٍ واضح:
- لماذا بيت الجبل يا عامر؟... هل ما أفكر فيه صحيح؟
أطلق عامر زفرةً طويلة، ثم أغلق عينيه للحظة قبل أن يعاود فتحهما، وأجاب بصوتٍ أثقلته المسؤولية:
- لم يعد لدي خيارٌ آخر... الحق بي، وخذ جميع احتياطاتك.
ساد الصمت بينهما للحظات، أدار آدم رأسه نحو ليان، فوجدها تراقبه بقلق، وما إن التقت عيناه بعينيها حتى أبعدت بصرها سريعًا بتوتر.
تنهد هو الآخر، ثم أجاب عامر بحزم:
- حسنًا... سأكون هناك... فقط انتبه لنفسك.
أنهى المكالمة، ثم التفت إلى ليان، وقد بدت على وجهه علامات الاعتذار، ثم ابتسم لها ابتسامةً خفيفة، وأردف:
- ليان... سأضطر إلى المغادرة الآن، عامر يحتاجني في أمرٍ ضروري... أرجوكِ اهتمي ببقية المرضى.
رفعت رأسها إليه، ثم ابتسمت بثقة، وأجابته بهدوء:
- لا تقلق، أستاذي... سأهتم بالجميع... وأوصل سلامي لعامر.
اتسعت ابتسامته قليلًا، وهز رأسه شاكرًا إياها، ثم استدار مسرعًا نحو غرفته، ما إن دخلها حتى خلع معطفه الطبي، وألقاه فوق المقعد، ثم تناول مفاتيحه وبعض متعلقاته، وغادر المستشفى بخطواتٍ متعجلة.
وبعد لحظات...كانت سيارته تشق الطريق بسرعة، متجهةً نحو الجبل... إلى المكان الذي قد يغيّر مصير الجميع.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
ساد الهدوء أرجاء الكوخ، حتى بدا وكأن الزمن قد توقف داخله.
كانت بيسان تجلس على طرف السرير الصغير، تحتضن ذلك القميص الأبيض الذي تركه صاحبه هنا في آخر مرة جمعتهما بهذا المكان. ضمته إلى صدرها وكأنه آخر ما تبقى لها من دفء، ثم مررت أصابعها المرتجفة فوق نسيجه، بينما انزلقت دموعها بصمتٍ موجع.
كانت قد هدأت قليلًا... أو ربما أقنعت نفسها بذلك، اعتدلت في جلستها ببطء، وأخذت تتأمل المكان الذي طالما احتمت به هي ووالدها، انها غرفة صغيرة لا تتسع إلا لشخص أو اثنين، لكنها كانت بالنسبة إليها وطنًا كاملًا.
امتلأت جدرانها بالصور القديمة، وتوزعت آلات التصوير في زواياها، بينما تناثرت الكتب فوق الطاولة والأرفف، وكأنها تحكي ذكريات رجلٍ أحب الحياة بعدسته أكثر من الكلمات.
وبجوار السرير الصغير، كان يوجد حمامٌ متواضع، أما في الركن المقابل فاستقر صندوق خشبي متوسط الحجم، لم تكن تعلم يومًا ما الذي يخفيه داخله.
وقفت ببطء أمام صورة صغيرة موضوعة فوق الطاولة، التقطتها بكلتا يديها، وأخذت تتحسس ملامح الرجل المبتسم فيها، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة سرعان ما اختنقتها العبرة.
احتضنت الصورة إلى صدرها بشوقٍ جارف، وقبلتها أكثر من مرة، قبل أن تهمس بصوتٍ خافت اختلط ببكائها:
- هل رأيت ما حلّ بنا يا أبي؟... قرة عينك التي كنت تفتخر بها كبرت كثيرًا... حتى أشعر أحيانًا أنني أصبحت عجوزًا تحمل هموم الدنيا فوق كتفيها.
سكتت لحظات، ثم أغمضت عينيها بقوة، وكأنها تحاول استعادة صوته بين جدران الكوخ.
- أعلم أنني قصرت في حقك... ولم أزرك منذ مدة، لكن الأمر لم يكن بيدي.
فتحت عينيها من جديد، وأكملت بألمٍ أشد:
- هل تعلم أن أمي تزوجت بعد رحيلك؟... تزوجت رجلًا لا أعلم كيف أصفه لك... ولا كيف استطاعت أن تقبل به.
أخفضت رأسها، بينما بدأت أنفاسها تتسارع شيئًا فشيئًا.
- لقد حاول التحرش بي أكثر من مرة يا أبي...
خرجت كلماتها مرتجفة، وكأنها كانت تُنتزع من أعماق روحها، انهمرت دموعها بغزارة، وأخذت تحدق في الصورة وكأنها تنتظر منها جوابًا.
- هل تعلم...؟ كنت في السابعة عشرة من عمري فقط...ما زلت أذكر تلك الليلة وكأنها تحدث الآن.
أغمضت عينيها بقوة، وعادت بها الذاكرة إلى تلك الليلة السوداء، ارتجف جسدها كله، وهمست بصوتٍ متقطع:
- اقتحم غرفتي ليلًا... وتسلل حتى وصل إلى سريري، انتفضت من نومي عندما شعرت بأحد يلمس شعري...كانت رائحته خانقة... تفوح بالمحرمات، أردت أن أصرخ...لكن يده سبقتني، وأطبقت على فمي، بينما أخذ يهددني...
توقفت عن الحديث للحظات، وقد خانتها الكلمات، ثم رفعت الصورة إلى صدرها أكثر، وكأنها احتمت بوالدها بعد سنواتٍ من رحيله:
- تحملت كل ما فعله في تلك الليلة... فقط حتى لا ينفذ تهديده بإيذاء قرة عينك... نيسان.
ارتفع بكاؤها، لكنها سرعان ما كتمته بكفها، مسحت دموعها بطرف كمها، ثم تابعت بصوتٍ متهدج:
- هل تعلم أنني ختمت القرآن في تلك الفترة؟ كنت أقرأه طوال الوقت... طوال الساعات التي كان يجلس فيها بجواري ويفعل ما يشاء...لم يكن ينقذني سوى كلام الله.
ابتسمت ابتسامة مكسورة، لا تحمل سوى وجع السنين:
- لا أعلم كيف نجوت منه...لكنني متأكدة أنه كان قد شرب كثيرًا في تلك الليلة، حتى غلبه النوم، انتظرت بصمت...ثم تسللت من جواره بهدوء، ودخلت إلى الحمام، ظللت أغسل جسدي طويلًا...أحاول أن أمسح آثار لمساته القذرة عني، وكأن الماء قادر على محو ذلك الرعب من روحي.
رفعت رأسها نحو السقف، وأغمضت عينيها:
- دعوت الله كثيرًا تلك الليلة...ناجيته وبكيت بين يديه حتى لم تعد لدي دموع، لكن...أتدري يا أبي ما أكثر شيء آلمني؟وليس ما فعله ذلك الرجل...بل أن أمي لم تصدقني عندما أخبرتها في صباح اليوم التالي.
سقطت دمعة جديدة فوق الصورة، أخذت تمسحها بأطراف أصابعها بحنان، وكأنها تخشى أن تؤذي ملامح والدها، ثم أطلقت زفرةً طويلة أثقلت صدرها، واستأنفت حديثها بحزنٍ أعمق:
- لم أُلِمها حينها...ربما لأنني كنت أحاول أن أقنع نفسي بأنها ما زالت أمًا....لكنني أدركت مع مرور الأيام أنها تخلت عنا منذ زمن، بل واستيقظت أخيرًا على الحقيقة التي كنت أهرب منها،
ابتسمت بسخرية تخللها الحزن القهر:
-لقد طردتنا من بيتنا...من البيت الذي ترعرعنا فيه معًا...من البيت الذي كان يحمل رائحتك في كل زاوية.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم أغمضت عينيها لبرهة، وكأنها تحاول أن تجمع ما تبقى من شتات روحها، قبل أن تهمس بصوتٍ أنهكه الألم:
- هل تعلم ماذا حدث بعد ذلك يا أبي؟...لقد وقعت في دوامة الحب.
ابتسمت بسخرية مريرة، وهزّت رأسها بيأس، ثم تابعت:
- لقد أحببت الشخص الخطأ يا أبي...إن ابنتك مغفلة منذ ولادتها...دائمًا ما تقع في الاختيار الخاطئ.
أطرقت برأسها قليلًا، ثم أطلقت زفرةً موجوعة، ومسحت دموعها بكفها، قبل أن تتجه ببصرها نحو بقية الصور المعلقة على الجدران، كانت تتأملها واحدةً تلو الأخرى، وكأنها تستعيد عمرًا كاملًا اختبأ بين تلك الإطارات القديمة.
همست بصوتٍ اختلطت فيه الحسرة بالشوق:
- لقد ذهبت أختي يا أبي...إنها هناك... بجوارك.أشعر بأنها تنتظرني، وكأنها تقول لي تعالي... لقد انتهى كل شيء.
ابتسمت ابتسامةً واهنة سرعان ما ابتلعها البكاء، ثم أردفت:
- أتدري؟...حتى هذه اللحظة لا أستطيع أن أصدق أنها رحلت، أشعر بأنها ستفتح الباب في أي لحظة، وتركض نحوي كما كانت تفعل دائمًا...تعانقني عناق طفلةٍ اشتاقت إلى وطنها.
تنهدت بحرقة، وضغطت على صدرها محاولةً كتم ذلك الألم الذي يكاد يمزقها، ثم تمتمت بصوتٍ مبحوح:
- آه يا أبي...لقد تعبت...تعبت حقًا، أعلم أنني أثقلت عليك بكل هذا الحديث، لكنني كنت أعلم أنك وحدك من سيحتمل أوجاعي، حتى بعد رحيلك، أتمنى أن تكون نائمًا بسلام...كما تنام ابنتك نيسان بجوارك.
وبينما كانت تجول بعينيها في أرجاء الكوخ، وقع بصرها على صندوقٍ خشبي صغير لم تنتبه له من قبل، تقدمت نحوه ببطء، ثم حملته بين يديها.
كان متوسط الحجم، تتوسط غطاءه نقوشٌ ورموزٌ غريبة لم تفهم معناها، قلبته بين كفيها أكثر من مرة، وهي تحاول فتحه، لكنه بقي مغلقًا بإحكام.
عقدت حاجبيها بحيرة، ثم قربت عينها من ثقب المفتاح، فلم ترَ سوى الظلام، زفرت باستسلام، ووضعته إلى جانبها، قبل أن ترفع رأسها نحو السقف مجددًا.
ساد الصمت للحظات...
ثم همست بصوتٍ اختلط فيه الحب بالألم:
- أتدري يا أبي... من هو الشخص الذي أحببته؟
إنه طبيبٌ جرّاح...ذلك الرجل الذي أنقذ نيسان من الموت مرة...وساعد من حيث لا يشعر، في موتها مرةً أخرى.
أخفضت رأسها، وأطبقت جفنيها بقوة، بينما انسابت دموعها فوق وجنتيها:
- لا أعلم إن كنت قد ظلمته أم لا...لكن موت نيسان حطم كل شيء بداخلي، لم أعد أميز بين الحقيقة والخديعة، لقد جرحته بكلماتٍ قاسية...ومع ذلك...خرج يبحث عني في عتمة الليل حتى وجدني.
رفعت الصورة إلى صدرها بقوة، وكأنها تستمد منها بعض الطمأنينة، ثم تابعت بانكسار:
- أرجوك يا أبي...أخبرني ماذا أفعل، لقد تعبت حقًا....هل تعلم؟لقد عزفت لك لحن إعصار الوجع الذي يفخخ جسدي بالألغام.
كنت أقبع في دقائق الليل، بين رماد الثواني، أجلس وحيدةً إلى جوار عقاقير الألم، بعيدًا عن فوانيس كوخنا القديم...ثم أفقد أجزاء روحي شيئًا فشيئًا...حتى أصبحت كصحراءٍ قاحلة، لا تعرف معنى الحياة ولا تملك القدرة على التنفس.
كادت أن تواصل حديثها...لكنها انتفضت فجأة.
صدر من خارج الكوخ صوتٌ خافت، تبعه صرير الباب الخشبي وهو يُفتح ببطء، تجمد الدم في عروقها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ومسحت دموعها بسرعة، ثم أخذت تنظر حولها في هلع، تبحث عن أي شيء يمكنها الدفاع عن نفسها به، لكنها لم تجد شيئًا.
دبّ الرعب في أوصالها، فأسرعت نحو الحمام الصغير، واختبأت خلف بابه، في اللحظة التي ازداد فيها صرير الباب معلنًا دخول أحدهم، وضعت يدًا فوق قلبها الذي كان يخفق بعنف، بينما كبحت أنفاسها باليد الأخرى.
أغمضت عينيها، وبدأت تتمتم بآياتٍ من القرآن الكريم، تستودع نفسها لله، وترجو أن يحفظها من أي سوء.
وبحذرٍ شديد...فتحت الباب فتحةً صغيرة، ونظرت منها، لم ترَ سوى ظهر رجلٍ طويل، عريض المنكبين، يقف في منتصف الكوخ، مولّيًا ظهره لها، أغلقت عينيها مجددًا، واستمرت في تلاوة ما تحفظه من القرآن، بينما كانت ترتجف خوفًا.
وفجأة...
سمعت تنهيدةً طويلة خرجت من ذلك الرجل، راقبته وهو يتحرك مبتعدًا عن مجال رؤيتها، اتسعت عيناها بدهشة، أين ذهب؟
وبعد لحظات، دوّى صوت زنبرك السرير معلنًا جلوسه عليه، حبست أنفاسها مرةً أخرى...وأخذت تنتظر، دون أن تعلم أن القادم سيغيّر كل شيء.
__________**
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.