دوامة الحقيقة
في تلك الأثناء...كان عامر يجلس على حافة السرير الخشبي، يتأمل أرجاء الكوخ بعينين امتلأتا بالشوق والألم، كم من ذكرى احتضنها هذا المكان...وكم مرة لجأ إليه هاربًا من قسوة العالم.
ابتسم ابتسامةً باهتة وهو يجول ببصره بين الجدران، ثم تنهد بحرارة، وراح يهمس وكأنه يخاطب المكان نفسه:
- اشتقت إليك كثيرًا...لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة وطئت فيها قدماي هذا الكوخ.
تقدم ببطء بين الأثاث البسيط، وأخذ يمرر أنظاره فوق الصور المعلقة، حتى استقرت عيناه على صورة أحمد.
توقف أمامها طويلًا.....ارتسمت على شفتيه ابتسامة امتنان، بينما غامت عيناه بالدموع، اقترب من الصورة، ومد يده يتحسس إطارها برفق، ثم أردف بصوتٍ خافت اختلطت فيه المحبة بالحزن:
- مرحبًا يا عمي أحمد...أرجو أن تكون بخير حيث أنت، والله لقد اشتقت إليك كثيرًا.
خفض رأسه قليلًا، ثم أكمل بصوتٍ أثقلته الذكريات:
- لن أنسى ما حييت ما قدمته لي، لن أنسى كيف احتضنتني عندما كنت مطاردًا، وكيف فتحت لي أبواب هذا المكان، وجعلتني أشعر بأنني واحد من عائلتك.
تنهد بحرقة، ثم تابع بغصة اثقلت صدره:
- هل تعلم يا عمي...لقد عرفت مؤخرًا من تكون ابنتاك.
ارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة، لكنه سرعان ما أطرق برأسه بأسى واختنق صوته بالعبرات بينما يكمل:
- وأعتذر لأن أول خبر سأخبرك به ليس خبرًا سعيدًا...لقد رحلت ابنتك الصغيرة...رحلت دون ذنب اقترفته.
تغير صوته للغضب الشديد ضاغطًا على يده:
-أقسم لك أنني لو استطعت الوصول إلى أولئك المجرمين لزججت بهم في سجنٍ لا يرون بعده نور الشمس، لكنني...لا أملك دليلًا يدينهم.
أغمض عينيه بقهر، ثم تابع:
- والأسوأ من ذلك...أن ابنتك لا تمنحني فرصةً لأدافع عن نفسي....إنها ترى أنني السبب...وتلقي عليّ اللوم في كل مرة تنظر إليّ فيها، لكن...أقسم لك أنني سأقتص منهم جميعًا...ولو كان الثمن حياتي.
خلف باب الحمام...
كانت بيسان تضع يدها فوق فمها، تكتم شهقاتها بصعوبة، كانت تسمع كل كلمة ينطق بها، وكل حرف كان يخترق قلبها كالسهم.
رفع عامر رأسه مجددًا نحو صورة أحمد، ثم ابتسم بخجل، وكأنه يستحي من الاعتراف بما في قلبه، تنحنح بخفة، ثم أردف:
- وهناك أمر آخر أريد أن أخبرك به يا عمي...لقد وقعت في حب ابنتك...بيسان.
ساد الصمت لثوانٍ، بينما ازدادت دموع بيسان انهمارًا، أما عامر، فقد أطلق زفرة طويلة، وأكمل بابتسامة صادقة:
- نعم...لقد أحببتها، ولا أعلم متى بدأ ذلك، ولا كيف حدث، ولا في أي لحظة تسللت إلى قلبي، كل ما أعلمه...أنها أصبحت تسكنه....ولو سألتني عن السبب...فسأجيبك بأنني أحببتها لأنها هي، فقط لأنها بيسان.
أغمض عينيه يتخيل ابتسامتها وخجلها:
- لم أبحث عن سببٍ لحبي لها، ولم أسأل نفسي يومًا لماذا أحببتها، أحببتها حبًا نقيًا...صافيًا...صادقًا.....حبًا لا يعرف المصلحة، ولا ينتظر مقابلًا، أحببتها كما هي بكل ما فيها.
مسح دمعةً تسللت إلى وجنته، ثم أكمل بصوتٍ يغلبه التأثر:
- وتالله يا عمي...إنها قوية.....قوية إلى الحد الذي يعجز فيه الآخرون عن كسرها، لكنني رأيت كيف أثقلها الهم، وكيف مزق الحزن قلبها، وكيف أرهقتها الحياة حتى لجأت إلى العزلة، وأغلقت أبوابها في وجه الجميع.
أخذ يتذكر مواقفها وكيف تحملت ما مرت به:
- ورغم كل ذلك...أقسم أنها لن تُهزم، ستنهض من جديد، ستعود كما كانت...بل أقوى.لأنها ابنتك، ولأنها خُلقت من معدنٍ لا ينكسر.
خلف الباب...أغمضت بيسان عينيها بقوة، كانت دموعها تنساب بلا توقف، بينما أخذت ترتجف من شدة ما تسمعه، ابتسم عامر بحنين، ثم أردف:
- لقد اتصلت بعمر حتى أطمئن عليها...لأنها أصبحت قلبي، لكنه أخبرني أنها غادرت بعدما تركت لهم رسالة وداع.
ابتسم بأسى، ثم تابع:
- إنها تشبهك كثيرًا يا عمي، كلما تألمت...اختفت وكلما ضاقت بها الدنيا...اعتزلت الجميع، وكأن الصمت هو المكان الوحيد الذي تجد فيه نفسها.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ يبحث بعينيه في أنحاء الكوخ:
- لقد أخبرتني ذات يوم...أنه عندما يحين الوقت المناسب، آتي إلى هنا، وأخبرتني أيضًا أن هناك صندوقًا خشبيًا صغيرًا بجوار آلة التصوير...لكنني لا أجده.
شهقت بيسان بصمت وهي تتذكر أنها نقلت الصندوق من مكانه ووضعته بجانب الصور، راقبته من خلال فتحة الباب، وهو يتحرك في أنحاء الغرفة باحثًا عنه، ظل يبحث لعدة لحظات...حتى وقعت عيناه على الصندوق، تقدم نحوه، وانحنى يلتقطه بين يديه.
تأمله طويلًا، بينما كانت الحيرة تعصف بعقله، أهذا هو القرار الصحيح؟ هل يسلم ما بحوزته لتلك العصابة حتى يحمي من يحب؟ أم يتمسك بموقفه، ويواصل طريقه حتى يكشفهم جميعًا؟
أغمض عينيه للحظة، وأطلق زفرةً مثقلة بالحيرة:
"آه... لو أستطيع الإمساك بشريف، إنه رأس هذه العصابة كلها، لو سقط...لسقطوا جميعًا"
ظل يتأمل الصندوق، والخوف ينهش قلبه مما هو مقبل عليه وفجأة...تصلبت ملامحه، التفت ببطء بعدما التقطت أذناه صوتًا صادرًا من خلفه...
نظر بسرعة نحو مصدر الحركة، وانعقد حاجباه بحذر، وبحركةٍ تلقائية، أخرج مسدسه من جيبه الخلفي، وأحكم قبضته عليه، مستعدًا لأي طارئ.
تقدم بخطواتٍ بطيئة، وعيناه تجولان في أرجاء المكان بحذرٍ شديد، توقف بجوار السرير، ثم ثبت نظره على باب المرحاض، اقترب أكثر...ومد يده نحو المقبض، بينما كانت أنفاسه تتباطأ استعدادًا لفتحه.
في الداخل...
أغمضت بيسان عينيها بقوة، وكتمت أنفاسها، وهي ترفع أكف الضراعة إلى الله بقلبٍ مرتجف، تدعوه ألّا يراها، فهي لا تعلم من اين ظهر الصوت ايضًا.
أنزل عامر مقبض الباب، فانفتح قليلًا...وكاد أن يدفعه أكثر، لولا أن سمع صوتًا آخر صادرًا من الصالة الصغيرة، توقفت يده في الهواء، ترك المقبض فورًا، واستدار متجهًا نحو مصدر الصوت، رافعًا سلاحه من جديد بحذر.
في تلك اللحظة...
وضعت بيسان يدها فوق صدرها، تتحسس دقات قلبها التي كانت تقرع كطبول الحرب، وأطلقت زفرةً طويلة، وقد شعرت للمرة الأولى منذ دقائق بأن الخطر ابتعد عنها، ابتعدت قليلًا عن الباب، ثم نظرت من خلال الفتحة الصغيرة التي تركها عامر، لتراقبه بصمت.
كان يتحرك بحذر حتى وصل إلى الصندوق الخشبي، ثم انحنى ينظر إلى الأرض بجواره.
وفجأة...
انفرجت أساريره، وانطلقت منه ضحكة خافتة، أعاد مسدسه إلى مكانه، ثم انحنى أكثر يخاطب فأرًا صغيرًا أبيض اللون، كان يختبئ بجوار الصندوق:
- إذًا... أنت من كان يصدر ذلك الصوت ايها المشاكس؟
عقدت بيسان حاجبيها باستغراب، من الذي يتحدث معه؟ هل يوجد أحد داخل الكوخ غيرهما؟ لم تمضِ سوى ثوانٍ...حتى وقع بصرها على الفأر الصغير.
شهقت بذعر، ثم أطلقت صرخةً مدوية هزّت أرجاء الكوخ، انتفض عامر فزعًا، واستدار بسرعة نحو مصدر الصوت، اتجه بخطواتٍ واسعة، حتى توقف مكانه مذهولًا.
كانت بيسان تقف فوق السرير، وقد ارتسم الرعب على ملامحها، بينما كانت تشير بيدٍ مرتجفة نحو الأرض.
أما هو...فقد بقي للحظات يحاول استيعاب ما يراه، من أين جاءت؟ وأين كانت مختبئة طوال هذا الوقت؟ وكيف لم ينتبه إلى وجودها؟
لكن ما إن وقعت عيناه على شعرها المنسدل، حتى أشاح ببصره بسرعة، واستدار مانحًا إياها ظهره احترامًا لها، همّ أن يتحدث...إلا أنها سبقته بصوتٍ مرتجف:
- أرجوك يا عامر... لا تذهب... أخرجه أولًا... أنا خائفة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، رغم الموقف، ثم أجابها وهو ما يزال مولّيًا ظهره لها:
- إنه مجرد فأر صغير يا آنسة بيسان.
ازداد ارتجاف صوتها، وخرج ممزوجًا ببكاءٍ صادق:
- أرجوك... أخرجه.
هز رأسه موافقًا، ثم تحرك باتجاه الفأر وهو يطمئنها:
- حسنًا... لكن توقفي عن البكاء أولًا.
مسحت دموعها بطرف كفها، ثم جلست القرفصاء فوق السرير، تراقبه بعينين متوترتين وهو يبحث عن الفأر، وبعد أن طال بحثه قليلًا، سألت بقلق:
- هل وجدته يا عامر؟... هل أخرجته؟
نظر إلى المكان الذي كان يقف فيه الفأر قبل قليل، فوجده فارغًا، حك مؤخرة رأسه بحيرة، ثم أجابها:
- أممم... يبدو أنه لم يعد هنا.
شهقت مرةً أخرى، ونهضت فوق السرير بخوفٍ أشد، وهي تهتف بذعر:
- أرجوك... ابحث عنه جيدًا... أرجوك.
تنهد عامر وهو يجول بعينيه في أنحاء الغرفة، ثم تمتم في نفسه ساخرًا:
"لم تكفِني مصيبة العصابة، حتى تظهر لي بيسان هنا، ويقرر هذا الفأر أن يعقد الأمور أكثر!"
زفر باستسلام، ثم رفع صوته متسائلًا، وهو يواصل البحث:
- هل تعرفين هذا الكوخ؟
أجابته بصوتٍ مبحوح من كثرة البكاء، وهي تضم كفيها إلى صدرها:
- نعم... إنه مخبؤنا السري... أنا وأبي.
واصل البحث بعينيه، ثم أردف:
- ولماذا أتيتِ إلى هنا؟
أطرقت برأسها بحزن، وأجابت بانكسار:
- أردت أن أبقى وحدي لبعض الوقت.
توقفت حركة عامر للحظة، ثم رفع بصره نحو صورة أحمد المعلقة على الجدار، وهتف بهدوء:
- أظن أنك سمعتِ كل ما قلته قبل قليل.
أخفضت رأسها أكثر، وهمست بندم:
- أعتذر...لكن الأمر كان فوق طاقتي.
وقبل أن يجيبها...دوّى صراخها مجددًا، التفت بسرعة، ليجدها تشير بذعر إلى جانب السرير، تجمد مكانه لثوانٍ، ثم أدرك أن الفأر عاد للظهور.
لكن ما لم يكن في حسبانه...
أن بيسان هرعت نحوه دون وعي، وتمسكت بطرف قميصه بكلتا يديها، وهي تبكي بخوف:
- أرجوك... تخلص منه، ارجـــوك.
حبس عامر أنفاسه للحظة، وقد أربكه قربها المفاجئ، ابتعد عنها خطوةً صغيرة، ثم تحدث بهدوء:
- حسنًا...لكن ابتعدي عني قليلًا.
أومأت بسرعة، وتراجعت خطوة إلى الخلف، وهي تمسح دموعها بطرف فستانها.
أما هو...فاتجه مجددًا نحو السرير، وانحنى يتفحص المكان الذي اختبأ فيه الفأر، وبينما كان يحاول الإمساك به، خاطبها دون أن يلتفت إليها:
- بيسان...ادخلي إلى الحمام، ولا تخرجي حتى أناديك، مفهوم؟
أومأت برأسها طائعة، وأسرعت إلى الداخل، وأغلقت الباب خلفها.
وبعد دقائق...نجح عامر في الإمساك بالفأر، وأخرجه خارج الكوخ، عاد بعدها، ووقف أمام باب الحمام، ثم تحدث بهدوء:
- بيسان...يمكنكِ الخروج الآن، ولا تنسي أن تضعي حجابك، سأنتظرك في الخارج حتى أغسل يدي.
في الداخل...رفعت بيسان يديها بسرعة إلى شعرها تتحسسه، وما إن أدركت أنها ما زالت مكشوفة الرأس حتى شهقت بخجل، وأغلقت عينيها لثوانٍ، بينما ارتسمت على شفتي عامر ابتسامة خفيفة، وقد ابتعد عن باب الحمام ليمنحها كامل خصوصيتها.
فتحت الباب بحذر، وأخرجت رأسها أولًا تتأكد من ابتعاده، ثم أسرعت إلى حجابها، فلفته حول رأسها بعناية، أخذت نفسًا عميقًا، محاولةً تهدئة اضطرابها، قبل أن تناديه بخجل:
- يمكنك الدخول يا عامر.
كان يجلس خارج الكوخ منتظرًا بصبر، اعتدل في جلسته ما إن سمع صوتها، ثم اتجه إلى الداخل، وغسل يديه جيدًا.
وبعد دقائق...
خرج من الحمام، ليجدها جالسة أمام صورة والدها، تحدق بها بصمتٍ طويل، وكأنها تستمد منها بعض القوة.
تقدم بخطوات هادئة، ثم جلس مقابلها، شعرت بوجوده، فرفعت بصرها إليه، وساد بينهما صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما، أخذت بيسان نفسًا عميقًا، ثم بادرت بالسؤال:
- لماذا أتيت إلى هنا؟... وكيف تعرف والدي؟
أومأ عامر برأسه، وأطرق قليلًا، قبل أن يبدأ بسرد حكايته مع أحمد.
أخبرها كيف تعرّف إليه قبل سنوات، وكيف احتضنه في أصعب مراحل حياته، وكيف أخفاه داخل هذا الكوخ عندما كانت العصابة تطارده، وكيف أصبح أحمد بالنسبة إليه أبًا وسندًا قبل أن يكون مجرد رجلٍ أنقذه.
كانت بيسان تستمع إليه بذهولٍ تام، كل كلمة كان ينطق بها كانت تكشف لها حقيقةً جديدة لم تكن تعلمها عن والدها، اتسعت عيناها بصدمة، وبدأت أنفاسها تضطرب شيئًا فشيئًا.
هل كان والدها يعمل متحريًا صحفيًا؟ وهل لم يمت في حادث سير كما أخبروها؟ بل...قُتل بسبب تلك العصابة؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!