على أعتاب العاصفة
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
ما إن خرج حتى وجهت بيسان نظرها إلى غزل بعتاب:
- ما الذي قلتِه له؟
خفضت غزل رأسها قليلًا، ثم نظرت إلى والدتها بتردد، وقد أدركت أنها تجاوزت حدود المزاح.
- والله لم أقصد... خرجت مني دون تفكير.
أطلقت مروة زفرةً طويلة، ثم هزت رأسها بقلة حيلة.
- هيا، لنغادر الآن، أما حسابك فسيكون في المنزل، وليس هنا.
شهقت غزل وهي تتبع والدتها بخطواتٍ سريعة، ثم أخذت تتوسل إليها بصوتٍ طفولي.
- أمي... أقسم لكِ إنني لم أقصد.
لكن مروة لم تُجبها، واكتفت بحمل الحقيبة، ثم خرجت من الغرفة، بينما أسرعت بيسان تحمل بعض الأغراض، وتبعتها غزل وهي ما تزال تحاول استرضاء والدتها، في حين حملت مروة أوراق الخروج، استعدادًا لمغادرة المشفى أخيرًا، بعد أيامٍ طويلة أثقلت قلوب الجميع.
***_______****_______***
خرج صوت أحدهم عبر الهاتف، قاطعًا سكون المكان، بينما كان يحادث الطرف الآخر بلهجةٍ يغلب عليها الحزم:
- هل خرجوا؟
أتاه الرد فورًا، دون أدنى تردد:
- نعم، سيدي.
أطرق شريف برأسه لثوانٍ، وكأنّه يرتب أفكاره، ثم أردف بنبرةٍ صارمة لا تقبل أي تهاون:
- ابقَ معهم خطوةً بخطوة... لا تتركهم أبدًا، مهما حدث. أريد أن أعرف كل حركةٍ يقومون بها.
أجابه الرجل بثقةٍ واحترام:
- حاضر، سيدي... هل هناك أي أوامرٍ أخرى؟
تنهد شريف وهو يلتقط مفاتيحه من فوق الطاولة، ثم عقّب بهدوء:
- لا... إنني متوجهٌ إلى المطار الآن. أخبرني، هل تأكدت من موعد الإقلاع؟
أسرع الآخر بالإجابة:
- أجل، سيدي. لم يتبقَّ سوى ساعة واحدة على إقلاع الطائرة، لذلك لا تتأخر في الوصول.
ألقى شريف نظرةً أخيرة حوله قبل أن يتجه نحو الباب، ثم تمتم وهو يرفع الهاتف عن أذنه:
- جيد... لقد خرجت بالفعل، سأغلق الآن.
أنهى المكالمة، ثم اتجه بخطواتٍ واثقة نحو غرفته، ليجد أحلام تقف أمام المرآة، وقد انتهت من ارتداء ملابسها، ولم يتبقَّ سوى لمساتٍ أخيرة تضفي على مظهرها مزيدًا من الأناقة.
تأملها للحظات بابتسامةٍ دافئة، قبل أن يسألها بلطف:
- هل أنتِ جاهزة؟
استدارت نحوه، وبادلته الابتسامة ذاتها، ثم مررت يدها بخفة على حجابها لتتأكد من ترتيبه، وأردفت بحماس:
- نعم، عزيزي... انتهيت تمامًا. هيا بنا، لا أريد أن نتأخر.
أومأ برأسه وهو يفتح لها الباب، ثم ابتسم قائلًا:
- إذًا... على بركة الله.
هبطا الدرج معًا بخطواتٍ هادئة، قبل أن يغادرا المنزل متجهين إلى وجهتهما.
__________**
بعد ساعاتٍ طويلةٍ من القلق والإرهاق، خرجوا أخيرًا من المشفى، واستقلوا السيارة في طريق العودة إلى المنزل.
كان الصمت يرافقهم طوال الطريق، وكأن كل واحدٍ منهم غارقٌ في أفكاره الخاصة.
ما إن وصلت السيارة حتى سارعت غزل إلى الباب، وأخرجت المفتاح من حقيبتها، ثم فتحته على عجل، قبل أن تجول بعينيها في أرجاء المنزل.
ساد المكان هدوءٌ غريب...لا صوت...ولا حركة...ولا حتى أثرٌ لوجود أحد، استدارت نحو والدتها، وقد خابت توقعاتها، وهمست بخفوت:
- يبدو أنه غير موجود.
زفرت مروة بحرقة، ثم ألقت نظرةً حزينة داخل المنزل قبل أن تتمتم:
- نعم... ليس هنا. سيعود في منتصف الليل كما أخبرني.
كانت بيسان تحمل نيسان بين ذراعيها، وقد استغرقها النوم في منتصف الطريق، فأشفقت عليها وهي تنظر إلى ملامحها البريئة، ثم ابتسمت قائلة:
- سأضع نيسان على السرير أولًا... وبعدها سأتصل بعمر.
تعلقت عينا مروة بها، وكأنها تتمسك بخيطٍ من الأمل، ثم رجتها بصوتٍ امتزج فيه القلق بالرجاء:
- أرجوكِ... أتمنى أن يجيب هذه المرة، وألا يكون هاتفه مغلقًا.
ربتت بيسان على يدها في محاولةٍ لطمأنتها، ثم ابتسمت قائلة:
- بإذن الله سيرد... لا تقلقي.
توجهت إلى الغرفة، وضعت الصغيرة برفقٍ فوق السرير، ثم بدلت لها ملابسها وأحكمت الغطاء عليها، قبل أن تنحني لتقبل جبينها بحنان.
بعدها أخرجت هاتفها، وضغطت على اسم عمر.
رنّ الهاتف... مرة... ثم الثانية...وقبل أن تنتهي الرنة الثالثة، جاءها صوته، محملًا بكل الشوق الذي حاول إخفاءه طوال الأيام الماضية:
- بيسان... عزيزتي!
اتسعت ابتسامتها فور سماعه، وشعرت أن تعبه كله تلاشى، فأجابته بلهفةٍ لا تقل عن لهفته:
- عمر... كيف حالك؟ أين أنت الآن؟
وقف عمر أمام البحر، وكانت عيناه تتابعان حركة الأمواج بشرود، لكن ابتسامةً عريضة ارتسمت على شفتيه بمجرد أن سمع صوتها.
أغمض عينيه للحظة، ثم همس بشوقٍ صادق:
- أخبريني أولًا... أين أنتِ؟ لقد اشتقت إليكِ كثيرًا... أكثر مما تتخيلين.
ضحكت بخفة، ثم نظرت إلى خالتها التي كانت تراقبها بترقب، قبل أن تجيبه بسعادة:
- أنا في منزلكم يا عمر.
ساد الصمت للحظة...
ثم انتفض من مكانه وكأنه لم يصدق ما سمعه، وهتف بانفعال:
- ماذا؟! أقسمي!
قهقهت بخفة وهي تستمتع بردة فعله، ثم أردفت بمشاكسة:
- أقسم لك... أنا بالفعل في منزلكم، لذلك كفاك أسئلة وتعال بسرعة... لقد اشتقت إليك أنا أيضًا.
لم يمنحها فرصةً لإكمال حديثها، بل اندفع نحو سيارته وهو يخرج المفاتيح من جيبه على عجل، ثم سألها بلهفة:
- أنا قادم حالًا... أخبريني، هل نيسان معك أيضًا؟
ابتسمت باتساع، ثم ردت ساخرة:
- أجل... وهل سأخرج من دونها أيها الغبي؟
انطلقت ضحكته عبر الهاتف، ثم عقب بمودة:
- حسنًا أيتها المشاكسة... لن أتأخر، دقائق فقط وسأكون عندكم.
**ابتسمت بيسان وهي تهز رأسها بخفة، ثم أوصته بنبرةٍ امتزجت بالشوق والاهتمام:
- حسنًا... نحن بانتظارك، لكن لا تتأخر، مفهوم؟
ابتسم عمر رغم أنها لم تكن تراه، ثم همس بحنان:
- حتى لو طلبتِ مني التأخر، فلن أفعل... دقائق فقط وستجدينني أمامك.
اتسعت ابتسامتها أكثر، قبل أن ترد بهدوء:
- في أمان الله.
أجابها بصوتٍ دافئ:
- حفظكِ الله.
أنهت المكالمة وهي لا تزال تنظر إلى شاشة هاتفها للحظات، وكأنها تستعيد صدى صوته الذي بعثر اشتياقها وأعاد الطمأنينة إلى قلبها.
لم تكد ترفع رأسها حتى وجدت مروة تقترب منها بخطواتٍ متلهفة، ثم ضمتها إلى صدرها بقوة، وهمست بعينين غمرهما الامتنان:
- شكرًا لكِ يا ابنتي... لقد أفرحتِ قلبي.
ابتسمت بيسان وهي تبادلها العناق بحب، وربتت على ظهرها برفق، ثم أردفت بعفوية:
- ماذا تقولين يا خالتي؟ هذا واجبي، ثم إنني اشتقت إليه كما اشتاق إليّ.
وقبل أن تنتهي من حديثها، اندفعت غزل نحوهما، وأحاطتهما بذراعيها من الخلف، وهي تحتج بمرح:
- وأنا؟! يبدو أنني أصبحت منسية في هذا المنزل، أريد نصيبي من هذا العناق أيضًا.
انفجرت بيسان بالضحك، بينما التفتت مروة إليها، وقرصت أذنها بخفة وهي تتظاهر بالصرامة:
- نصيبك محفوظ... لكن بعد أن تنتهي من عقابك.
شهقت غزل وهي تضع يدها على أذنها:
- عقاب؟! أي عقاب؟
عقدت مروة ذراعيها أمام صدرها، ثم أردفت بحزمٍ امتزج بابتسامة خفيفة:
- ستقومين بتنظيف المطبخ بأكمله... ولا أريد أن أجد فيه زاويةً واحدة غير نظيفة.
اتسعت عينا غزل بصدمة، ثم أسرعت تقبل وجنتي والدتها واحدةً تلو الأخرى وهي تتوسل:
- أرجوكِ... أي شيء إلا المطبخ! كلفيني بغسل الملابس، أو ترتيب الغرف، أو حتى تنظيف الحديقة... لكن المطبخ لا، أرجوكِ.
رمقتها بيسان بنظرةٍ مليئة بالشماتة، ثم رفعت كتفيها قائلةً ببرودٍ مصطنع:
- تستحقين... هذا جزاء أعمالك.
استدارت غزل نحوها بسرعة، وأشارت إليها بإصبعها وهي تضيق عينيها:
- أيتها الخائنة... انتظري فقط حتى أنتهي، وسأحاسبك حسابًا عسيرًا.
ضحكت بيسان بصوتٍ عالٍ، ثم غمزت لها بمكر:
- انتهي من المطبخ أولًا، وبعدها حاسبيني كما يحلو لك... ثم لا تنسي أن عمر حبيبي لن يسمح لكِ بالاقتراب مني.
وضعت غزل يدها على خاصرتها، ونفخت وجنتيها بضيقٍ طفولي، ثم تمتمت وهي تتجه نحو المطبخ:
- خائن هو الآخر... لكن لا بأس، سأبدأ بكِ أنتِ أولًا، وسأنتقم لأنكِ بعتِني بكل سهولة.
ضحكت مروة على مشاكستهما، ثم أشارت بيدها نحو المطبخ قائلة:
- هيا، كفاكما ثرثرة... أريد أن أرى المطبخ يلمع، بل أنظف من وجهكِ، هل فهمتِ؟
تمتمت غزل باستسلام:
- حاضر... حاضر، وكأنني أعمل لديكم مجانًا.
ضحكت بيسان، بينما أمسكت مروة بيدها وهي تقول:
- هيا بنا، لنعد الطعام... سيصل عمر بعد قليل، ولا أريده أن يعود جائعًا.
أومأت بيسان بابتسامة مشرقة:
- هيا، لنبدأ.
__________**
في الجهة الأخرى...
كان الهدوء يخيّم على مكتب عامر وآدم، ولم يكن يُسمع سوى صوت تقليب الملفات بين الحين والآخر.
لكن ذلك الهدوء تبدد فجأة...
إذ دوّى طرقٌ قوي على الباب، أعقبه دخول مجموعةٍ من رجال الشرطة بملامح جامدة، ونظراتٍ لا توحي بخير.
رفع عامر رأسه عن الملف الذي بين يديه، ثم تبادل نظرةً سريعة مع آدم، قبل أن يعتدل في جلسته متسائلًا باستغراب:
- خيرًا... هل أستطيع مساعدتكم؟
تقدم الضابط المسؤول بخطواتٍ ثابتة حتى وقف أمام مكتبه مباشرة، ثم سأله بنبرةٍ رسمية:
- هل أنت الدكتور عامر جلال؟
شعر عامر بانقباضٍ غريبٍ في صدره، لكنه حافظ على هدوئه وأجاب بثبات:
- نعم... أنا عامر جلال، ما الأمر؟
حول الضابط نظره إلى آدم، ثم أردف:
- وأنت... هل أنت الدكتور آدم سعد؟
أغلق آدم الملف الذي كان بين يديه، ونهض واقفًا وهو يقطب حاجبيه باستغراب:
- نعم... لكن ما الذي يحدث بالضبط؟
أخرج الضابط ورقةً رسمية من الملف الذي يحمله، ثم بسطها أمامهما قائلًا بلهجةٍ صارمة:
- لدينا أمرٌ بإلقاء القبض عليكما، بتهمة التسبب في تعطيل السفينة التي غرقت قبل أسبوع.
ساد صمتٌ ثقيل... واتسعت عينا عامر بعدم استيعاب، بينما انعقد حاجبا آدم في ذهولٍ واضح.
تقدم عامر خطوةً وهو يهز رأسه رافضًا، ثم تمتم بصدمة:
- ماذا؟! هذا غير معقول... ألم يثبت أن سبب غرقها كان الأمواج العاتية والتيارات البحرية والجوية؟
ظل الضابط على جموده، ولم تبدُ على وجهه أي ردة فعل، ثم أجابه ببرود:
- لستُ مخولًا بمناقشة تفاصيل القضية، ومهمتي تقتصر على تنفيذ أمر القبض.
ثم أشار بيده نحو الباب، وأضاف بحزم:
- تفضلا معنا بهدوء... ولا تضطرانا لاتخاذ إجراءاتٍ لا نرغب بها.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!