حين طرق القدر الباب
ظل عامر ينظر إلى والده بقلقٍ وترقب، وقد تسارعت نبضات قلبه دون أن يشعر، فهو يعلم أن والده لم يجمعهم جميعًا عبثًا، وأن الأمر الذي يريد التحدث عنه ليس بالأمر البسيط. ألقى نظرةً سريعة نحو والدته يستمد منها بعض الطمأنينة، فبادلته ابتسامةً هادئة حاولت من خلالها أن تخفف توتره، لكنها كانت تعلم في داخلها أن ما يخشاه ابنها سيحدث لا محالة.
تنحنح جمال بهدوء، ثم جال بنظره بين الجالسين قبل أن يستقر على فداء، وأردف بنبرةٍ جادة امتزجت بالحنان:
- أريد أن أخبركم بشيء، وبما أن فداء ابنة أخي حاضرة معنا في هذه الجلسة، فقد رأيت أن أشاوركم في أمرٍ يخصنا جميعًا.
اعتدلت فداء في جلستها، وقد ارتسم الفضول على ملامحها، ثم استفسرت باهتمام:
- ما هو يا عمي؟
حوّل جمال بصره نحو عامر، وارتسمت على وجهه ابتسامة فخر واضحة، ثم تابع:
- قررت أن أفتتح مشفى خاصًا بك يا عامر... ما رأيك؟
اتسعت عينا عامر بذهول، وحدق في والده لثوانٍ غير مستوعبٍ ما سمعه، ثم تدارك نفسه سريعًا حتى لا يبدو مرتبكًا:
- ها...! أقصد، لماذا كل هذه التكاليف يا أبي؟ ثم إنني أمتلك نصف أسهم المشفى الذي أعمل فيه، ولا تنسَ أيضًا عيادتي الخاصة.
ابتسم جمال بحنانٍ بالغ، فقد كان يعلم أن ابنه سيرفض الفكرة في البداية، لذلك تحدث إليه بصبر:
- لكنني أريدك أن ترتاح يا بني. يكفيك الإشراف على المشفى، إلى جانب عملك في عيادتك الخاصة، ولا أريد أن أراك ترهق نفسك أكثر من ذلك.
هز عامر رأسه معترضًا، ثم أجابه بإصرارٍ واضح:
- لا يا أبي، لا أريد ذلك. مهنة الطب بالنسبة لي ليست مجرد عمل، بل رسالة أحبها، وأشعر بقيمتي عندما أكون بين المرضى وأساعدهم بما تعلمته، لذلك لا أستطيع أن أبتعد عنها.
كانت فداء تتابع حديثهما بصمت، قبل أن تعقد حاجبيها باستغراب، ثم تساءلت:
- لكن... ما علاقتي أنا بهذا يا عمي؟
ابتسم جمال وهو يمد يده يمسك بكفيها بحنانٍ أبوي، ثم سألها:
- ألم تنهِ دراسة السكرتارية يا ابنتي؟
أومأت برأسها مؤكدة، وقد علت الابتسامة وجهها:
- بلى يا عمي، انتهيت منها.
ازدادت ابتسامة جمال اتساعًا، ثم أردف:
- إذًا ستكونين السكرتيرة العامة للمشفى.
لم تستطع فداء إخفاء سعادتها، فنهضت من مكانها بسرعة، وارتمت بين ذراعي عمها تعانقه بامتنانٍ كبير.
- حقًا يا عمي؟ شكرًا... شكرًا جزيلًا لك.
ضحك جمال بخفة، ثم أبعدها عنه قليلًا وقرص وجنتها بمحبة:
- لكن هذا لا يعني أن تنقطعي عن زيارتنا. ولولا مرض خالك سعيد، لكنت أجبرتك على الانتقال للعيش معنا.
ابتسمت فداء وقد لمعت عيناها تأثرًا، ثم وعدته بصدق:
- أعدك يا عمي أن أزوركم باستمرار.
أعاد جمال نظره إلى عامر، وكأنه ينتظر منه موافقةً أخيرة، ثم سأله:
- والآن... ما رأيك يا عامر؟
تنهد عامر ببطء، وأطرق برأسه لثوانٍ قبل أن يجيب بهدوء:
- أبي، أرجوك... لا أستطيع. أما بالنسبة لفداء، فإذا كانت ترغب في العمل، فسأتحدث مع بقية الشركاء بشأن ذلك، لكنني لا أستطيع ترك المشفى.
عقد جمال حاجبيه باستغراب، ثم عقّب:
- ولماذا لا تشتري بقية الأسهم؟ أنت تمتلك نصفها، وصديقك آدم شريكك، كم شخصًا بقي؟
رفع عامر رأسه إليه، ثم أوضح بهدوء:
- بقي خمسة شركاء يا أبي، وجميعهم أطباء مثلي، ولكل واحدٍ منهم حقه وتعبه، لذلك لا أستطيع أن أطلب منهم بيع أسهمهم أو أستحوذ عليها.
أطلق جمال زفرةً خافتة، ثم هز رأسه باستسلام:
- حسنًا يا بني... كما تريد.
ساد المكان هدوء قصير، قبل أن تستأذن فداء بالمغادرة، إلا أن جمال حاول إقناعها بالبقاء معهم تلك الليلة، لكنها اعتذرت بلطف، واعدةً إياه بأن تأتي مرةً أخرى للمبيت عندهم.
نهضت متجهة نحو الباب، فبادرها عامر باهتمام:
- هل معكِ سائق؟
أومأت برأسها وهي تفتح حقيبتها لتتأكد من هاتفها.
- نعم، لقد أرسلت إليه رسالة، وهو ينتظرني في الخارج.
تنفس عامر براحة، ثم أوصاها باهتمامٍ أخوي:
- حسنًا، انتبهي إلى نفسك.
احمر وجه فداء خجلًا، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.
- وأنت أيضًا يا عامر... تصبح على خير.
بادلها ابتسامةً أخوية صادقة، ثم أردف:
- وأنتِ من أهل الخير، وأوصلي سلامي إلى خالك السيد سعيد.
ابتسمت وهي تومئ برأسها:
- حاضر... مع السلامة.
لوّح لها بيده قبل أن يجيبها:
- في أمان الله.
أغلق الباب خلفها بهدوء، ثم عاد إلى والديه اللذين كانا يتابعانه بنظراتٍ مليئة بالمحبة.
اقترب منهما، ثم سأل باهتمام:
- هل تحتاجان إلى شيء؟
ابتسم جمال برضا، ثم أجابه:
- لا يا بني، لديك دوام غدًا، أليس كذلك؟
انحنى عامر يقبل يدي والدته بكل حب واحترام، ثم أجاب:
- نعم يا أبي، بعد صلاة الفجر مباشرة، ولليوم الثاني على التوالي.
تأملته نادية بحزنٍ خفيف، فقد أصبحت ساعات وجوده في المنزل قليلة جدًا:
- سوف تغيب كثيرًا يا بني، ألا يمكنك العودة أبكر من ذلك؟
استقام من انحنائه، ثم قبّل يد والده هو الآخر، وأجاب بابتسامة هادئة:
- ليتني أستطيع يا أمي، سأحاول إن كان الوضع هناك هادئًا. هيا... تصبحان على خير.
تبادل جمال ونادية نظرة فخر، ثم أجاباه بمحبة:
- وأنت من أهل الخير يا بني.
***_______****_______***
في صباح اليوم التالي، تسللت أشعة الشمس بهدوء عبر نافذة الغرفة، ناشرةً دفئًا خفيفًا أضفى شيئًا من الطمأنينة على المكان. كانت بيسان تقف أمام نيسان، تمشط شعرها برفقٍ شديد، وتحرص على ألا تؤلمها وهي تجهزها للخروج من المشفى بعد أيامٍ طويلة من العلاج.
وفي الجهة الأخرى، كانت غزل قد عادت قبل قليل بعدما أحضرت لها ثيابًا نظيفة، ووضعتها على السرير وهي تراقب الصغيرة بابتسامةٍ دافئة.
أكملت بيسان تمشيط شعر شقيقتها، ثم التفتت نحو مروة، وقد غلب القلق على ملامحها، واستفسرت بهدوء:
- خالتي... هل عمر ما زال على حاله؟
تنهدت مروة بحزن، ثم أطرقت برأسها لثوانٍ قبل أن تجيبها بصوتٍ خافت:
- أجل يا ابنتي، ما زال كما هو. لكن هانت، ستذهبين إليه اليوم وتتحدثين معه، أليس كذلك؟
أومأت بيسان برأسها بثقة، رغم أن قلبها كان يخفي الكثير من الخوف:
- أجل، سأفعل... لكنني أخشى أن يكون قد تغير معي أيضًا.
تقدمت غزل منهما وهي تعقد ذراعيها، ثم أردفت بحزنٍ واضح:
- أتدرين؟ عندما عدت إلى المنزل البارحة، كاد أن يرفع يده عليّ فقط لأنني طلبت منه أن يقلع عن التدخين. لا أعلم ما الذي أصابه، لقد أصبح شخصًا آخر.
أطرقت بيسان برأسها، وشعرت بوخزةٍ مؤلمة في قلبها، ثم همست بأسى:
- سأتحدث معه عندما أصل... وأرجو أن يستمع إلي هذه المرة.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يقطعه طرقٌ خفيف على الباب، تبادلت النساء النظرات، ثم سمحت مروة للطارق بالدخول.
فتح الباب بهدوء، ليظهر عامر وهو يبتسم ابتسامةً هادئة كعادته:
- صباح الخير.
وما إن وقعت عينا نيسان عليه، حتى أشرقت ملامحها بسعادةٍ غامرة، وكأن وجوده وحده كفيل بمحو كل ألمٍ مرت به.
بادلتْه التحية بابتسامة واسعة:
- صباح الخير.
اقترب عامر منها، ثم جلس إلى جوارها، ورفع يديه ليبدأ الحديث معها بلغة الإشارة التي تعلمها طوال الليلة الماضية.
ابتسم لها وهو يشير بيديه:
- كيف أصبحتِ اليوم؟
تجمدت بيسان وغزل ومروة في أماكنهن، واتسعت أعينهن بصدمةٍ لم يستطعن إخفاءها.
أما نيسان، فقد حدقت به لثوانٍ غير مصدقة، ثم أدركت أنه تعلم لغة الإشارة من أجلها وحدها:
لم تتمالك نفسها، فأسرعت تلقي بنفسها بين ذراعيه وتعانقه بقوة، بينما ارتسمت على وجهها أسعد ابتسامةٍ رآها منذ عرفها.
ابتعدت عنه بعد لحظات، ثم أشارت إليه بسرعة:
- لقد أصبحت بخير... شكرًا لك.
ابتسم عامر بحنان، ثم انحنى يقبل وجنتها برفق:
- هل أنتِ سعيدة لأنك ستخرجين اليوم؟
هزت رأسها موافقة، لكن ابتسامتها سرعان ما خبت وهي تنظر إلى أختها:
- نعم... لكنني حزينة لأنني لن أراك كل يوم.
راقب عامر حركة يديها باهتمام، لكنه لم يفهم الإشارة كاملة، فالتفت نحو بيسان مستفسرًا:
- ماذا بها؟... ماذا قالت؟
ارتبكت بيسان قليلًا، ثم أجابته وهي تتحاشى النظر إليه:
- تقول... إنها حزينة لأنها لن تراك كل يوم.
عاد ببصره إلى نيسان، ولاحظ الحزن الصادق المرتسم على وجهها الصغير، فابتسم لها بحنانٍ أبوي:
- إذًا أعدك أن أزورك يومًا ما، لكن بشرط... أن تعديني أنت أيضًا بأن تهتمي بنفسك، وتلتزمي بكل ما يخبرك به الطبيب.
أشرقت ملامح نيسان من جديد، ثم أشارت إليه بسرعة:
- حسنًا أيها الطبيب.
ثم التفتت نحو بيسان وهي تواصل الإشارة بحماس:
- اعرضي عليه أن يأتي إلى منزل خالتي، ويشرب الشاي معنا.
كادت بيسان تعتذر نيابةً عنه، إلا أن مروة سبقتها بالكلام، وقد ارتسم الامتنان على وجهها.
تقدمت خطوة نحو عامر، ثم خاطبته بلطف:
- بدايةً، شكرًا لك يا بني على كل ما قدمته لها. ثم إن نيسان تدعوك لزيارتنا وشرب الشاي معنا... فهل تقبل الدعوة؟
ألقى عامر نظرةً خاطفة على بيسان، ولاحظ شيئًا من التوتر في ملامحها، لكنه لم يُرد أن يحرج مروة أو يكسر خاطر الصغيرة، لذلك ابتسم بأدب، ثم أجاب:
- أشكركِ سيدتي، وإن لم يكن في ذلك أي إزعاج، فسأكون سعيدًا بتلبية الدعوة.
ابتسمت مروة بمحبة، وهزت رأسها نافية:
- أي إزعاجٍ تتحدث عنه يا بني؟ أهلًا وسهلًا بك في أي وقت.
في تلك اللحظة، دوّى طرقٌ خفيف على الباب، فالتفت الجميع نحوه، قبل أن يُسمح للطارق بالدخول، انفتح الباب بهدوء، ليطلّ آدم بابتسامته المعتادة، وقد بدا وكأنه أنهى أمرًا على عجلة، بتسم وهو يلقي التحية على الحاضرين:
- صباح الخير جميعًا.
بادله عامر الابتسامة، ثم عقّب مستغربًا:
- صباح الخير... ما الذي أخرك؟
اقترب آدم منه وهو يفتح الملف الذي كان يحمله بين يديه، ثم أخرج ورقة ووضعها أمامه:
- لقد نسيت هذه في مكتبي... خذها.
تناولها عامر منه، وألقى عليها نظرةً سريعة ليتأكد من محتواها، ثم اتجه بخطوات هادئة نحو مروة، وناولها إياها بابتسامة:
- تفضلي يا سيدتي، هذه ورقة الخروج الخاصة بالصغيرة. أصبح بإمكانكم المغادرة بعد إنهاء الإجراءات.
تناولتها مروة بامتنان، وقد بدت الراحة واضحة على ملامحها:
- جزاك الله خيرًا يا بني، وشكرًا لك.
ابتسم عامر لها، ثم عاد إلى نيسان التي كانت تراقبه بعينيها اللامعتين.
أخرج بطاقة صغيرة من جيبه، ثم ناولها إليها وهو يربت على رأسها بحنان:
- احتفظي بهذه، وإن احتجتِ إلى أي شيء، فأرسلي لي رسالة في أي وقت.
تأملت نيسان البطاقة لثوانٍ، ثم رفعت بصرها نحو بيسان، ومدتها إليها بإشارةٍ واضحة:
- احتفظي بها أنتِ.
ابتسمت بيسان وهي تأخذ البطاقة منها برفق، ثم رفعت رأسها إليه قائلةً بامتنان:
- شكرًا لك.
أومأ عامر بابتسامةٍ هادئة، ثم نظر إلى نيسان ولوّح لها بيده مودعًا.
- أراكِ قريبًا يا نيسان، والآن أصبح بإمكانك العودة إلى المنزل.
ارتسمت السعادة على وجه مروة، ثم علقت بمحبة:
- سنكون بانتظارك.
رمش آدم عدة مرات، ثم التفت إليهم جميعًا باستغرابٍ صادق، وكأنه لم يفهم المقصود:
- بانتظارك... أين؟
كتمت غزل ضحكتها بصعوبة، بينما تبادلت بيسان ومروة نظرةً خاطفة.
ابتسمت مروة وهي تجيبه بهدوء:
- يمكنك أن تأتي معه إن أردت.
اتسعت ابتسامة آدم سريعًا، وأجاب بحماسٍ عفوي:
- أجل، أجل... سأحضر بالتأكيد... لكن أين؟
لم يتمالك أحد نفسه بعدها، فانفجر الجميع بالضحك، حتى نيسان أخذت تضحك بصمت وهي تنظر إليه.
أما عامر، فضرب مؤخرة رأسه ضربةً خفيفة وهو يهز رأسه باستسلام:
- أمامي يا آدم... هيا.
أمسك آدم مؤخرة رأسه وهو يرمق صديقه باستياءٍ مصطنع:
- ما بك يا عامر؟ لماذا ضربتني؟
فتح عامر الباب وهو يضحك بخفة، ثم أجابه:
- لا شيء... أردت فقط أن أمازحك على بلاهتك.
رفعت غزل حاجبها وهي تنظر إلى آدم، ثم علقت بشيءٍ من الشماتة:
- تستحق.
التفت إليها آدم بضيق، وحدق فيها للحظات دون أن ينطق بكلمة، ثم استدار وغادر الغرفة، وأغلق الباب خلفه بقوةٍ جعلت الجميع يلتفت نحوه.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!