عيناكِ
لكن الصمت كان هو الإجابة الوحيدة...خفضت الهاتف ببطء، وشعرت بوخزةٍ مؤلمة في صدرها.
اعتدلت في وقفتها، ثم وضعت سجادة الصلاة وثيابها في مكانها، قبل أن تتجه نحو غرفة مروة.
طرقت الباب طرقتين خفيفتين، ثم دخلت بعدما سمحت لها مروة، ما إن رأتها حتى اعتدلت في جلستها، وظهر القلق على ملامحها:
- بيسان...! ما الذي حصل؟ هل كل شيء بخير؟
حاولت بيسان أن ترسم ابتسامةً صغيرة، لكنها لم تستطع إخفاء الحزن الذي يسكن عينيها، جلست بالقرب منها وهي تهز رأسها:
- أجل يا خالتي... كل شيء بخير.
أشارت مروة إلى المكان بجوارها بحنان، تدعوها للجلوس:
- تعالي يا صغيرتي... أخبريني، ما بكِ؟
ظلت بيسان صامتة للحظات، تجول بعينيها في أرجاء الغرفة، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة، لكن قلبها كان أثقل من أن يخفي كل هذا الألم، خرج صوتها مكسورًا وهي تهمس:
- لا أعلم يا خالتي... لماذا يحدث لي كل هذا؟
تغيرت ملامح مروة إلى القلق، واقتربت منها أكثر:
- ما الذي يحدث لكِ؟ تحدثي إليّ.
لم تستطع بيسان السيطرة على نفسها أكثر، انفجرت دموعها وهي تدفن وجهها بين يديها:
- لماذا توفي والدي؟... أليس لو كان على قيد الحياة لما حدث لنا كل هذا؟
سكتت للحظة، ثم خرجت كلماتها ممزوجةً بالوجع:
- لماذا تزوجت أمي بغيره؟ وأي أمٍ تلك التي تترك أطفالها بلا سند؟ تركتنا يا خالتي... تركتنا من أجل شخصٍ لا يستحق، شخصٍ حاول إيذائي، ولم تهتم حتى بطفلتها الصغيرة التي لا تستطيع سماع شيء...
ارتجف صوتها وهي تكمل:
- أخبريني يا خالتي... ماذا فعلت في حياتي حتى يحدث لي كل هذا؟
امتلأت عينا مروة بالدموع وهي تستمع إليها، ثم مدت يدها تمسح على شعرها بحنان:
- لم تفعلي شيئًا يا صغيرتي... إنها ابتلاءات من الله، ونحن عباده، وقد يختبر الله من يحبهم.
ظلت بيسان صامتة للحظات، تحاول أن تستوعب كلمات مروة، لكن الألم الذي تراكم داخلها لسنواتٍ طويلة كان أقوى من قدرتها على التماسك.
رفعت رأسها قليلًا، وظهرت الدموع في عينيها من جديد، ثم خرج صوتها ضعيفًا يحمل كل ما أخفته بداخلها:
- لكنني لم أعد أحتمل يا خالتي... أشعر وكأنني أحارب وحدي طوال الوقت.
اقتربت مروة منها أكثر، واحتضنتها بحنانٍ أمومي، محاولةً أن تمنحها شيئًا من الأمان الذي افتقدته طويلًا:
- يا صغيرتي... لا أحد يحمل فوق طاقته، والله يعلم قلوبنا قبل أن ننطق بكلماتنا.
تشبثت بيسان بها، وكأنها وجدت أخيرًا مكانًا يسمح لها بالانهيار دون خوف، ثم مسحت دموعها بيدها وهي تتحدث بألم:
- لماذا لا ينظر الجميع إلى أنفسهم قبل أن يحكموا على غيرهم؟ لماذا يحب الناس السخرية من الآخرين؟ ألسنا جميعًا خلق الله؟
تألمت مروة من رؤية انكسارها، ومدت يدها تمسح على شعرها بحنان:
- من سخر منكِ يا ابنتي؟
هزت بيسان رأسها سريعًا، ثم أجابت وهي تحاول السيطرة على بكائها:
- ليس مني يا خالتي... بل من نيسان.
توقفت للحظة، وكأن مجرد تذكر الموقف يؤلمها من جديد:
- بعد أن خرجنا من المشفى، اصطدمت بشخصٍ بها، فرفع صوته عليها... وعندما اعتذرت له، بدأ بالسخرية منها وشتمها.
ازدادت عيناها امتلاءً بالدموع، ثم تابعت بصوتٍ مختنق:
- لكنها لم تسمع منه أي كلمة... كانت ترى فقط حركة شفتيه وهو يتحدث، وقد فهمت ما قاله ثم عادت تبكي، لانها لم تستطع ان تسمعه.
تغيرت ملامح مروة بحزن، ثم سألتها بقلق:
- وأين كان عمر وقتها؟
مسحت بيسان دموعها، ثم أجابته بهدوء:
- ذهب ليشتري لها غزلًا.
تنهدت مروة بحزن، ثم احتضنتها مرةً أخرى:
- حسنًا يا صغيرتي... لا تحزني، كل شيء مكتوب، وهل سنعترض على قدر الله؟
خفضت بيسان رأسها، ثم أغمضت عينيها وهي تستغفر ربها:
- أستغفر الله... أعتذر يا خالتي، لا أعلم لماذا تحدثت هكذا، لكنني حقًا لم أعد أحتمل.
ثم ابتسمت بحزن وهي تمسح دموعها:
- أعتذر لأنني سببت لكِ الصداع بكلامي وبكائي.
رفعت مروة وجهها بين يديها، ثم قبلت جبينها بحنان:
- ما هذا الكلام؟ أنتِ ابنتي يا بيسان... ألم نتفق سابقًا أن تناديني أمي كما كنتِ تفعلين؟
لمعت عينا بيسان بالدموع، ثم ارتمت في حضنها وهي تهمس:
- أجل... أمي.
ابتسمت مروة بسعادةٍ كبيرة، وكأن تلك الكلمة أعادت إليها شيئًا فقدته منذ زمن، ثم أشارت لها بلطف:
- هيا اذهبي للنوم الآن، وسأذهب أنا لأطمئن على نيسان.
نهضت بيسان من مكانها بسرعة، ثم هزت رأسها رافضة:
- لا... ابقي أنتِ، سأذهب أنا للاطمئنان عليها، لا تتعبي نفسك.
توقفت للحظة، ثم نظرت إليها بخجلٍ قبل أن تكمل:
- يعني... إن لم يكن هناك مانع يا أمي، أريد أن أنام بجوارك الليلة.
اتسعت ابتسامة مروة فور سماعها، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ وقتٍ طويل.
- طبعًا يا ابنتي... كنت أريد أن أخبرك بذلك، لكنني خشيت أن ترفضي.
ابتسمت بيسان بخجل، ثم أسرعت نحو الباب:
- حسنًا، لا تنامي... سوف أطمئن عليها وأعود.
ضحكت مروة بخفة وهي تستلقي على السرير:
- حسنًا... سأنتظرك.
خرجت بيسان بهدوء، واتجهت نحو غرفة نيسان، فتحت الباب ببطء شديد، حتى لا توقظ غزل الموجودة في الغرفة المجاورة، ثم اقتربت من السرير.
توقفت للحظة وهي تنظر إلى شقيقتها النائمة، فقد كانت آثار البكاء ما تزال واضحة على وجهها، جلست بجانبها بحزن، ثم انحنت وقبلت رأسها بحنان؛ لكن قبل أن تبتعد، فتحت نيسان عينيها ببطء.
انتبهت بيسان إليها فورًا، وظهر القلق على ملامحها:
- صغيرتي... هل أنتِ بخير؟
ثم تذكرت أن الظلام يحيط بالغرفة، فمدت يدها وضغطت على المصباح القريب منها، عاد الضوء ليملأ المكان، فأعادت سؤالها بحنان:
- هل أنتِ بخير؟
ابتسمت نيسان ابتسامة صغيرة، ثم حركت يدها وهي تشير إلى مكان فارغ بجانبها على السرير، فهمت بيسان طلبها، وابتسمت بحنان:
- هل تريدينني أن أنام بجوارك؟
أومأت نيسان بالموافقة، فاقتربت بيسان منها، ثم قبلتها وهي تفكر قليلًا:
- ما رأيك أن نذهب عند الخالة مروة؟
اتسعت ابتسامة نيسان بسعادة، ثم أشارت باستغراب:
- حقًا؟ لكنها لا بد أن تكون نائمة الآن!
اقتربت بيسان منها وهي تبتسم بمكرٍ بسيط:
- نجعلها تستيقظ... ما رأيك؟
ضحكت نيسان، ثم تعلقت بها بسعادة:
- حسنًا.
تحركت نيسان مع بيسان بخطواتٍ هادئة نحو غرفة مروة، ثم رفعت يدها وطرقت الباب برفق، لم تمضِ سوى لحظات حتى جاءها صوت مروة من الداخل تسمح لهما بالدخول.
فتحت بيسان الباب قليلًا، ثم دخلت وهي تحاول كتم ضحكتها، بينما كانت نيسان متعلقة بيدها بسعادة، رفعت مروة رأسها من فوق الوسادة، وما إن رأتهما حتى ابتسمت بحنان:
- تعالي يا بيسان.
ابتسمت بيسان وهي تتقدم بخطواتٍ هادئة، ثم أشارت إلى نفسها قبل أن تنظر خلفها:
- لست وحدي.
ما إن وقعت عينا مروة على نيسان وهي متعلقة بأختها، حتى اتسعت ابتسامتها ومدت ذراعيها إليها بحب:
- صغيرتي العزيزة... تعالي هنا.
تركت نيسان يد بيسان، ثم أسرعت نحو مروة لتستلقي على كتفها براحة، وكأنها وجدت مكانها الآمن، وبعدها رفعت يدها مشيرةً إلى بيسان كي تأتي إليهما.
ابتسمت بيسان وهي تخلع حذاءها المنزلي، ثم اقتربت منهما وهي تمزح معها:
- سوف آكلكِ الآن أيتها المشاكسة.
وما إن وصلت إليها حتى بدأت تدغدغها، فانطلقت ضحكات نيسان تملأ الغرفة، شدت مروة عناقها لنيسان وهي تحاول حمايتها من بيسان:
- لا أسمح لكِ يا فتاة... هذه الصغيرة لي.
ضحكت بيسان وهي تنظر إلى المشهد بحب، وكأنها نسيت للحظات كل ما أثقل قلبها، مرت بعض الدقائق بين اللعب والضحك، حتى اتجهت الأنظار فجأة نحو الباب الذي انفتح بهدوء.
ظهرت غزل عند المدخل، وكانت عيناها مغمضتين، وكأنها خرجت من نومها للتو، وقفت مكانها للحظة ثم تحدثت بصوتٍ ناعس:
- لماذا أنتم هنا؟
نظرت مروة إليها باستغراب، ثم رفعت حاجبها وهي تردد:
- سلامٌ قولًا من ربٍ رحيم... من أين تخرجين لنا أنتِ؟
تحركت غزل نحو السرير وهي ما تزال مغمضة العينين، ثم جلست بينهم بتعب:
- أمي... لقد شاهدت بيتر مان.
نظرت بيسان إليها وهي تضحك:
- وأنقذكِ من من؟ من بيتر مان نفسه؟
فتحت غزل عينيها قليلًا، ثم استلقت على السرير براحة:
- لم ينقذني من أحد... لقد شاهدته فقط يقف مع آدم.
توقفت مروة عن الحركة، ثم عقدت حاجبيها باستغراب:
- من آدم يا فتاة؟
تجمدت بيسان قليلًا، ثم التفتت بسرعة نحو غزل محاولةً إنقاذ الموقف:
- هه... من آدم يا غزل؟
نظرت إليها مروة، ثم عادت تنظر إلى ابنتها بشك، أما غزل فلم تنتبه لكل هذا، فقد كانت ما تزال غارقةً في عالمها الخاص.
- لقد كان حلمًا جميلًا.
اقتربت مروة منها، ثم أخذت بعض الماء ورشته على وجهها برفق:
- استيقظي وأخبريني... من هو آدم؟
شهقت غزل وهي تفتح عينيها فجأة:
- أمي!
ثم نظرت حولها باستغراب، وفركت رأسها وهي تحاول معرفة أين هي:
- أين أنا؟
بادلتها بيسان ونيسان النظرات، ثم غمزت لها وكأنها تطلب منها الصمت، التفتت بيسان نحو مروة بسرعة وهي تحاول تغيير الموضوع:
- أرأيتِ يا خالتي؟ كانت نائمة، لا بد أنها كانت تحلم فقط.
لكن مروة لم تقتنع، وظلت تنظر إلى غزل بنظرة تحقيق:
- غزل... أخبريني من هو آدم؟
رمشت غزل عدة مرات، ثم سألت ببراءة:
- من آدم؟
رفعت مروة حاجبها باستنكار:
- الذي كنتِ تذهبين إليه في حلمك.
أجابت غزل بلا اهتمام، وكأنها لا ترى أي مشكلة فيما تقوله:
- آه... إنه الطبيب آدم يا أمي.
وضعت بيسان يدها على وجهها، وهي تتمتم بضيق من عفوية غزل الزائدة، أما مروة، فحدقت بابنتها بعدم تصديق:
- حقًا؟
أومأت غزل برأسها بكل بساطة:
- حقًا يا أمي.
ثم التفتت نحو بيسان ونيسان، وسألت باستغراب:
- لماذا أنتما هنا؟
أسرعت بيسان بالإجابة:
- نحن نائمون هنا... أردنا أن نُسلي نيسان قليلًا.
اقتربت غزل أكثر، ثم ألقت نفسها بينهما:
- وأنا أيضًا أريد النوم بينكما.
نظرت مروة إلى غزل التي نامت خلال ثوانٍ وكأنها لم تذكر شيئًا عن آدم، ثم التفتت إلى بيسان التي خفضت عينيها، تنهدت مروة وهي تهز رأسها بابتسامة:
- لا تظنوا أنكم أفلتّم من الاستجواب... لكل حادث حديث صباحًا.
اقتربت بيسان من غزل وهمست لها بضيق:
- ما الذي تحدثتِ به؟
تحركت غزل بضيق وهي تغمض عينيها:
- تحدثت ماذا؟ أريد النوم الآن... والسرير لا يسعنا نحن الأربعة.
تنهدت بيسان، ثم احتضنت شقيقتها ووضعت يدها الأخرى حول مروة.
- نامي فقط... وفمكِ مغلق، لأنكِ لا تعرفين ماذا تقولين أحيانًا.
***____****____***
كان يقف وحيدًا في شرفته المطلة على البحر، يراقب امتداد الأمواج أمامه بعينين شاردتين، بينما كان دخان سيجارته يتصاعد من بين أصابعه بكثافة، وكأنه يحاول أن يخفف الضغط الذي يثقل صدره.
لم يكن هدوء المكان قادرًا على تهدئة الفوضى التي تدور في داخله، رن هاتفه فجأة، فانتبه له بسرعة، ثم نظر إلى الشاشة قبل أن يجيب، حاول أن يخفض نبرة صوته قدر الإمكان، حتى لا يصل صدى الحديث إلى زوجته الموجودة في الداخل.
جاء صوته باردًا ومقتضبًا، رغم التوتر الواضح خلفه:
- اختصر بسرعة.
جاءه صوت الطرف الآخر يحمل الجدية، وكأنه ينقل أمرًا لا مجال للنقاش فيه:
- سيدي... السيد الكبير يخبرك أن آخر مهلة لديك بعد يومين فقط، وإلا سيقوم بتكليف شخصٍ آخر بتنفيذ المهمة.
اشتدت ملامحه، وبرز الغضب في عينيه، ضغط على أسنانه بقوة، ثم أبعد السيجارة عن فمه وألقاها بعيدًا، قبل أن يرد بصوتٍ مكتوم:
- أخبر السيد أنني سأقوم بحلها عندما أعود إلى البلاد.
ساد صمت قصير من الطرف الآخر، وكأنه ينقل الكلام قبل أن يجيبه، ثم عاد الصوت من جديد:
- يقول إن أمامك يومين فقط... ولن يتمكن من منحك مهلة أخرى.
ثم انقطع الاتصال.
بقي شريف ينظر إلى الهاتف للحظات طويلة، ثم أغلقه بعصبية، وأخذ نفسًا عميقًا وهو يمرر يده على وجهه، كان يعلم أن الأمر لم يعد بسيطًا كما كان يظن كيف سيتصرف بهذه المهمة؟ وكيف سينهي كل شيء دون أن يدفع ثمنًا لا يستطيع احتماله؟
قطع شروده شعورٌ بيدٍ ناعمة تستقر على كتفه، التفت ببطء، ليجد أحلام تقف خلفه، وقد بدت ملامح النعاس على وجهها.
تأملها لثوانٍ، ثم حاول إخفاء توتره بابتسامة مصطنعة، اقتربت منه قليلًا، ونظرت إليه بقلق:
- ما بك يا شريف؟ هل هناك مشكلة؟
أدار وجهه بعيدًا للحظة، ثم عاد إليها محاولًا أن يبدو طبيعيًا:
- سنضطر للعودة يا أحلام.
اختفت آثار النعاس من عينيها فورًا، وحلت مكانها الدهشة، حدقت به وكأنها لم تستوعب ما سمعته:
- ماذا؟ كيف حدث هذا؟ ألم تخبرني أننا سنبقى هنا لشهر؟
ابتعد عن الشرفة، ثم وقف أمامها وهو يحاول السيطرة على الموقف:
- ماذا تريدين مني يا أحلام؟ الأمر ليس بيدي... إنه العمل.
ارتفعت نبرة صوتها قليلًا، وظهر العتاب في عينيها:
- عمل... عمل... لا يوجد شيء غير العمل، أليس كذلك؟
ثم تابعت وهي تنظر إليه بألم:
- افعل ما تشاء يا شريف، لكنني لن أذهب معك إلى أي مكان بعد اليوم.
توقفت للحظة، ثم أكملت بإصرار:
- سأذهب إلى أختي مروة... وسآخذ الفتاتين اللتين أهملتهما.
تغيرت ملامح شريف، ونظر إليها باستنكار واضح، ثوانٍ ثم ضحك بسخرية خفيفة، لكنها كانت تحمل ألمًا أكثر من الغضب:
- حقًا؟ يا لكِ من أم حنونة... الآن فقط تذكرتِ أمر بناتك؟ أأعطيكِ جائزة أوسكار للأم المثالية؟
جلست أحلام على المقعد بقلة حيلة، وبدأت دموعها تتجمع في عينيها، وقد خرج صوتها ضعيفًا:
- شريف... أرجوك اصمت.
ثم مسحت دموعها بسرعة:
- لا يسعني سماع سخريتك أكثر... لقد اشتقت إليهما حقًا.
نظر إليها شريف بصمت، كان يعرف أن خلف قسوتها أخطاءً كثيرة، لكنه كان يرى أيضًا الندم الذي بدأ يأكلها تنهد، ثم جلس بجوارها:
- لماذا كل هذا الآن؟ بالأمس كنتِ سعيدة... ما الذي غيركِ؟
رفعت عينيها إليه، وكان الحزن واضحًا فيهما:
- رأيتهما في خطر كبير يا شريف... وخاصة بيسان.
توقفت للحظة، ثم أضافت بصوتٍ مرتجف:
- لقد طلبت مني المساعدة... لكنني لم أستطع مساعدتها.
ابتلع شريف ريقه بتوتر، ثم نظر إليها محاولًا تهدئتها:
- أحلام... إنه مجرد حلم يا عزيزتي، والفتاتان بخير.
لم تجبه، فقط بقيت تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالخوف والندم، مد يده يمسح دموعها العالقة على وجنتها، ثم قال بهدوء:
- هيا... استعدي للعودة، ويمكنكِ زيارتهما إن أردتِ.
ترددت للحظة، ثم خرج صوتها بخوف:
- أخاف أن يرفضا رؤيتي... لم ترهما عندما رحلتا.
نظر إليها شريف بقلة حيلة، ثم تنهد:
- حاولي... لن تخسري شيئًا.
ثم نهض متجهًا للداخل:
- هيا لنجهز الحقائب.
وقفت أحلام خلفه بصمت، ثم أومأت بطاعة:
- حسنًا.
***____****____***
كان يجلس بالقرب منها، يراقبها بصمتٍ طويل، وكأن العالم من حوله اختفى ولم يعد يرى سوى وجودها أمامه، كانت تتحدث بخجلٍ واضح، بينما كان يستمع لكل كلمة تخرج منها وكأنها شيءٌ ثمين لا يريد أن يفوته.
تأمل عينيها الرماديتين طويلًا، تلك العينين اللتين استطاعتا أن تأخذا مكانًا خاصًا في قلبه دون أن يشعر، اقترب منها ببطء، وكأن خطواته تخشى أن تفسد هذه اللحظة الهادئة.
رفع يده قليلًا، ثم تحدث بصوتٍ ممتلئ بالإعجاب:
- هل تعلمين أن عينيكِ إعصار... وأنا دوامة غارقٌ فيهما؟
اتسعت ابتسامتها بخجل، وسرعان ما أخفت وجهها بين كفيها محاولةً الهروب من كلماته التي أربكتها، لكن يده امتدت برفق، فأبعد كفيها عن وجهها وهو ينظر إليها بحنان:
- أتدرين أن البدر لا يجوز له أن يختبئ خلف الظلام؟
ازدادت حمرة وجهها، وأصبحت ملامحها تشبه لون السماء وقت الغروب، خفضت عينيها بخجل، ثم خرج صوتها بالكاد يُسمع:
- أرجوك... كف عن إحراجي.
ابتسم لها بعشقٍ صادق، وكأن رؤيتها بهذا الخجل هي أجمل ما يمكن أن يراه، ثم تحدث بهدوء متنهدًا بحب:
- ليس الأمر باختياري... كل الطرق كانت تؤدي إلى إحراجك دون قصدٍ مني.
تنهد بحب، بينما بقيت تنظر إليه بتردد، وكأن سؤالًا كبيرًا يثقل قلبها، رفعت عينيها إليه أخيرًا، ثم خرج صوتها مترددًا:
- أخبرني الحقيقة... هل حقًا تحبني كما أخبرتني؟ أم أنه مجرد شفقة؟
تغيرت ملامحه فور سماعه كلماتها، وظهر الاستنكار في عينيه، كيف يمكن لها أن تظن أن ما يشعر به مجرد شفقة؟ اقترب منها أكثر، ثم جلس على إحدى ركبتيه أمامها، ناظرًا إليها بثبات:
- أحببتكِ بعقلي وقلبي وبكل كياني... أحببتكِ حتى تجاوز حبي لكِ حدود العشق والغرام.
سكت للحظة، وكأن الكلمات لا تكفي لوصف ما بداخله، ثم تابع بصوتٍ أكثر صدقًا:
- أحببتكِ وأصبح قلبي لكِ عاشقًا وأسيرًا... أحببتكِ وسأظل أحبكِ حتى آخر لحظة في حياتي، لأنكِ أنتِ أغلى ما أملك.
تسارعت أنفاسها وهي تستمع إليه، ولم تجد كلمةً واحدة تستطيع أن تصف ما تشعر به، ابتسم لها بحب، ثم أكمل وهو ينظر إلى عينيها:
- فأخبري عينيكِ أنها ضوئي وقمري... وشعاع شمسي، وغيمتي، ولون سمائي وبحري، ولون أمواجي... إعصاري ودوامتي، ولا تحل إلا لي.
بقيت تنظر إليه بصمت، غير قادرة على إخفاء تأثرها، مد يده إلى جيبه، ثم أخرج علبةً صغيرة مزينة بعناية، ارتجف قلبها عندما رأت ما بيده، فتح العلبة، ثم رفع نظره إليها، وكأن العالم كله توقف عند هذه اللحظة.
خرج صوته هادئًا لكنه يحمل قرارًا غيّر كل شيء:
- بيسان أحمد... هل تقبلين الزواج بي؟
اتسعت عيناها، وبقيت تنظر إليه لثوانٍ طويلة، تحاول استيعاب ما يحدث. فتحت شفتيها لتجيبه...
لكن قبل أن تخرج أي كلمة، شقّ صمت المكان صوت صراخٍ مرتفع جاء من خلفهما.
تغيرت ملامح عامر فورًا، استدار بسرعة نحو مصدر الصوت، وقد اختفت الابتسامة من وجهه، تعلقت عيناه بالشخص الواقف هناك...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!