بين الغرق والنجاة
كانت تهرول بأقصى ما تستطيع، تلهث بعنف، وكأن قلبها يسبق خطواتها من شدة الخوف. وما إن وصلت إلى باب المشفى حتى اندفعت إلى الداخل دون أن تمنح نفسها فرصة لالتقاط أنفاسها، فما سمعته عند ذهابها لاستقبالهم في الميناء كان كفيلًا بأن يسلبها هدوءها بالكامل.
اقتربت من مكتب الاستقبال، تستند بكفيها إليه وهي تحاول السيطرة على أنفاسها المتقطعة، ثم قالت بصوتٍ مرتجف:
- عفوًا... أين أجد غرفة المريضة بيسان أحمد؟
رفع موظف الاستقبال نظره إليها، ثم ألقى نظرة سريعة على شاشة الحاسوب أمامه قبل أن يجيب بهدوء:
- ستجدينها في القسم الثاني، غرفة رقم (103).
أومأت برأسها على عجل وقالت:
- شكرًا لك.
استدارت مسرعة واتجهت نحو السلالم، فقد كانت الدقائق تمر عليها كأنها ساعات. وما إن وصلت إلى الغرفة المنشودة حتى طرقت الباب طرقاتٍ سريعة، ثم فتحته دون انتظار.
توقفت في مكانها...
كانت الغرفة خالية.
جالت بعينيها في أرجائها باستغراب، تبحث عن بيسان، قبل أن يلفت انتباهها صوت خطواتٍ تقترب من خلفها.
استدارت بسرعة...
لتتسع عيناها بصدمة وهي ترى طبيبًا يحمل فتاةً فاقدة للوعي بين ذراعيه.
- بيسان!
اندفعت نحوه بخوفٍ كبير، بينما أخذت دموعها تتجمع في عينيها، وقالت بصوتٍ مرتجف:
- ماذا حدث؟ ما بها؟ لماذا هي بهذه الحالة؟ أرجوك... أخبرني، هل هي بخير؟
دخل الطبيب إلى الغرفة بهدوء، ووضع بيسان برفق على السرير، ثم علق المحلول الوريدي في يدها، وبعد أن اطمأن إلى استقرار حالتها، التفت نحو غزل وسألها بعملية:
- ماذا تكون لكِ؟
ابتلعت غزل غصتها، ثم أجابت وهي تنظر إلى بيسان بقلقٍ بالغ:
- إنها ابنة خالتي... أرجوك أخبرني، ماذا أصابها؟
تنهد الطبيب بهدوء وقال:
- اطمئني... لقد فقدت وعيها نتيجة الصدمة والإرهاق الشديد.
تنفست غزل قليلًا، لكنها ما لبثت أن تذكرت الصغيرة، فسألته بلهفة:
- وأين نيسان؟ أقصد... الطفلة التي كانت معها؟
أطرق الطبيب برأسه للحظات، ثم قال بحزن:
- حتى الآن... لا نعلم أين هي.
عقدت غزل حاجبيها باستغراب، فأكمل بصوتٍ منخفض:
- لم تكن بين الأطفال الذين تم انتشالهم إلى المشفى.
شعرت غزل بأن الأرض اهتزت تحت قدميها، فتوقفت عن السير وحدقت به بصدمة، ثم همست بصوتٍ مرتجف:
- ماذا تقصد...؟ وعن أي أطفالٍ تتحدث؟
تنهد الطبيب بأسى وقال:
- بحسب ما وصلنا حتى الآن... فإن معظم الأطفال الذين كانوا على متن السفينة قد فارقوا الحياة، لكن الآنسة بيسان لم تجد نيسان بينهم، ويبدو أن ذلك كان سبب فقدانها لوعيها.
شهقت غزل، وانهمرت دموعها على خديها دون أن تشعر، همست بحرقة:
- يا رب... أين يمكن أن تكون؟
هز الطبيب رأسه بأسف وقال:
- لا أعلم... حقًا لا أعلم.
ثم أضاف بعد لحظة صمت:
- وهناك أيضًا شخص آخر ما زال مفقودًا.
رفعت غزل رأسها إليه بسرعة وسألته بقلق:
- طفل أيضًا؟
أجاب وهو يزفر تنهيدة مثقلة:
- لا... إنه صديقي، وهو طبيب أيضًا.
استندت غزل إلى الجدار خلفها، وأغمضت عينيها بقوة، وضمت كفيها إلى صدرها، وأخذت تدعو الله بحرارة أن تعود نيسان سالمةً معافاة، وأن يحفظها من كل سوء، فقد كانت تشعر أن قلبها سينهار إن أصاب الصغيرة مكروه.
وفجأة...
ارتفع صخبٌ في مدخل المشفى، تبعته أصوات خطواتٍ مسرعة ونداءات متلاحقة، فتحت غزل عينيها بسرعة، والتفتت نحو مصدر الضجيج...
دلف عامر إلى المشفى بخطواتٍ متسارعة، وثيابه تقطر ماءً ممزوجًا بدماءٍ لطخت يديه ووجهه، بينما كان يحمل بين ذراعيه جسدًا صغيرًا يكاد يغيب بين ذراعيه من شدة نحوله.
كان وجه الطفلة شاحبًا كالموت، وخصلات شعرها المبتلة تلتصق بجبينها، فيما كانت الدماء تنساب من جانب رأسها حتى لوثت ثيابه بالكامل.
صرخ بأعلى صوته وهو يركض نحو قسم الطوارئ:
- أحضروا سريرًا نقالًا بسرعة!
التفتت الطواقم الطبية نحوه، فهرعت الممرضات والأطباء، بينما دفع أحدهم سريرًا نقالًا باتجاهه.
وما إن وصل إليه حتى أنزل الصغيرة بحذر شديد، ثم بدأ يرافق السرير بخطواتٍ سريعة وهو يصيح:
- جهزوا غرفة العمليات فورًا! لدينا إصابة نافذة في الرأس... والنبض ضعيف جدًا.
في تلك اللحظة اندفع آدم نحوه، وما إن رآه حتى تنفس الصعداء، ثم احتضنه سريعًا وهو يقول بلهفة:
- أين كنت يا عامر؟ لقد أقلقتنا عليك.
مسح عامر قطرات الماء عن وجهه وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم قال بإرهاق:
- سأخبرك لاحقًا... هيا، استعد. سندخل العملية معًا.
أومأ آدم دون تردد.
- حسنًا... هيا بنا.
اختفى الاثنان خلف أبواب غرفة العمليات، بينما أُغلقت الأبواب بإحكام، ولم يبقَ في الممر سوى الانتظار والدعاء.
---
مرت ثلاث ساعاتٍ كاملة...
ثلاث ساعات بدت وكأنها ثلاثة أعوام على كل من كان ينتظر في الخارج.
وأخيرًا...
فُتح باب غرفة العمليات.
خرج عامر بخطواتٍ بطيئة، وقد بدت آثار الإرهاق واضحة على ملامحه، فنزع الكمامة عن وجهه، ثم أطلق زفرةً طويلة وكأنه كان يحبس أنفاسه طوال تلك الساعات.
رفع رأسه نحو السماء وهمس بحمدٍ صادق:
- الحمد لله...
اقترب منه آدم وهو يربت على كتفه بابتسامةٍ يغلبها التعب.
- نجحت العملية بفضل الله... لقد أبليت بلاءً حسنًا يا عامر، فقد كانت إصابتها بالغة الخطورة.
ارتسمت ابتسامةٌ هادئة على وجه عامر، وقال براحةٍ امتزجت بالإرهاق:
- الحمد لله على نجاتها... لكنها ما زالت بحاجة إلى المراقبة خلال الساعات القادمة، فحالتها لم تستقر بالكامل بعد.
ثم نظر إلى آدم وسأله:
- أخبرني... ما أخبار بقية المصابين؟
انخفضت ابتسامة آدم، وأطرق رأسه بحزنٍ شديد قبل أن يجيب:
- الوضع مؤلم...
تنهد بحرقة ثم تابع:
- معظم الأطفال الذين تم انتشالهم لم ينجوا... وهناك امرأتان حاملان أُصيبتا بإصاباتٍ خطيرة، إضافةً إلى نحو خمسين رجلًا وشابًا، وعددٍ من كبار السن، فضلًا عن عشرات الإصابات الأخرى.
ساد الصمت للحظات...
شعر عامر بانقباضٍ شديد في قلبه، وأغمض عينيه وهو يستغفر الله، فقد كان منظر الضحايا لا يزال عالقًا في ذاكرته، وكأن أمواج البحر ما زالت تصرخ داخل أذنيه.
قطع آدم الصمت وهو يسأله:
- أين كنت يا عامر؟
جلس عامر على أحد المقاعد القريبة، وقد أثقل التعب جسده، ثم قال بصوتٍ خافت:
- عندما قفزنا إلى البحر تفرقنا أنا وأنت... حاولت إنقاذ أكبر عددٍ ممكن من الأشخاص، وكنت أوصلهم إلى الشاطئ واحدًا تلو الآخر، وبعد وصول فرق الإنقاذ ظننت أن مهمتي انتهت.
سكت قليلًا وهو يسترجع المشهد، ثم أكمل:
- وبينما كنت أهم بالمغادرة... لمح بصري شيئًا صغيرًا يطفو فوق سطح الماء.
نهضت نحوه بسرعة، وظننته قطعةً من الحطام، لكن عندما اقتربت...اكتشفت أنها طفلة.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال:
- كانت غارقة في دمائها، وقطعةٌ معدنية قد انغرست في جانب رأسها، على بُعد سنتيمترات قليلة من عينها... ولو انحرفت قليلًا فقط لفقدت بصرها.
نظر إليه آدم بعدم تصديق وقال:
- لقد أنقذتها من العمى قبل أن تنقذ حياتها... سبحان الله، كانت الإصابة ملاصقة تقريبًا لقرنية العين.
ابتسم عامر ابتسامةً خافتة وقال:
- إنها مشيئة الله وحده.
ثم اعتدل واقفًا وأضاف:
- يجب أن نخبر ذويها.
اتسعت عينا آدم فجأة وكأنه تذكر أمرًا مهمًا.
- بيسان... نعم، لم يبقَ لها أحد هنا سوى أختها.
أومأ عامر، ثم سار خلف آدم حتى توقفا أمام إحدى الغرف
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!