دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 12 من 11
وضع القراءة:

حين يعجز القلب عن الإنكار

بعد أن أنهت صلاتها، جلست للحظات تستعيد هدوءها، حتى طرق الباب، فأذنت للطارق بالدخول، دلفت غزل إلى الغرفة وآثار النوم واضحة على ملامحها:
- متى وصلتم؟
اجابتها وهي تجلس على السرير:
- منذ ساعتين تقريبًا.
اومأت غزل وهي تفرك عينيها بتعب:
- ولماذا أنتِ مستيقظة حتى الآن؟
ابتسمت بيسان بتنهيدة قبل ان تجيبها:
- تحدثت مع عمر قليلًا، ثم أديت صلاتي، ما الذي أيقظكِ أنتِ؟
نظرت اليها غزل وهي تتمدد على السرير:
- لقد شعرت بالجوع، فذهبت إلى المطبخ لأتناول شيئًا، لكن شهيتي اختفت عندما تذكرتكم، فجئت لأطمئن عليكِ.
ابتسمت لها بحب حقيقي:
- شكرًا لكِ، غزل
خاطبتها غزل وهي تنظر إليها بفضول:
- هيا، ما الأخبار؟
اجابتها بيسان وهي تتنهد بقوة:
- لا أعلم يا غزل، لكنني أظن أنهم أبرياء.
تنهدت غزل وهي تتثاءب بقوة:
- وأنا كذلك يا ابنتي، يكفي وسامتهم التي تدل على أنهم أبرياء.
نظرت إليها بيسان بصدمة، وكأنها لم تصدق ما سمعته:
- غزل حبيبتي، هل ما زلتِ نائمة أم ماذا؟
نظرت إليها غزل باستغراب:
- نائمة وأحادثكِ؟ كيف تصبح هذه؟ لا، لست نائمة، لكن لماذا تقولين هذا؟
اجابتها بيسان وهي تعتدل في جلستها:
- هل تتغزلين الآن برجال لا تعرفينهم؟
ابتسمت الاخرى بحالمية وهي تضع يدها تحت رأسها:
- ليتني أتزوج أي أحد منهم، مع أنني لا أحبذ آدم كثيرًا، لكن إن تقدم لي فلن أرفض أبدًا.
اتسعت عينا بيسان من حديثها:
- هل فاتكِ قطار الزواج يا فتاة لتتحدثي هكذا؟
جلست غزل معتدلة وهي تزفر بضيق:
- لا، لم يفتني، لكنه سوف يفوتني حقًا بسبب أخيكِ عمر، الذي يقوم بطرد كل عريس يتقدم لي بحجج لا أصل او فصل لها.
ربتت بيسان على كفها بحنو:
- إنه يفعل ذلك لمصلحتكِ، يريد أن يعطيكِ لمن يستحقكِ.
اجابتها غزل بمشاكسة وهي تبتسم بمشاكسة:
- سوف آخذ واحدًا وأنتِ الآخر، ما رأيكِ بعامر؟
ارتبكت بيسان للحظة وحاولت إخفاء ذلك:
- ما الذي تتحدثين به يا غزل؟ ما به الطبيب عامر؟
اجابتها غزل وهي تعدد صفاته جاهلةً ما تشعر به الأخرى:
- إنه طبيب، ومحترم، ووسيم، وشهم، ويحب نيسان، و...
قاطعتها بيسان وهي تضربها بالوسادة:
- اصمتي يا غزل.
نظرت إليها غزل برفع حاجب، وقد لاحظت ارتباكها:
- ما بكِ يا فتاة؟ ألم يعجبكِ؟
اجابتها وهي تتظاهر بعدم الفهم:
- أُعجب بمن؟
ضحكت غزل بقوة وقد أدكت الان ما تشعر به بيسان:
- يكفي احمرار وجهكِ الآن دليلًا على إعجابكِ به.
اتجهت بيسان نحو النافذة محاولة إخفاء ملامحها:
- عن أي احمرار تتحدثين؟ أشعر بالحر قليلًا فقط.
اقتربت منها غزل وهي تبتسم بهدوء:
- صدقيني يا بيسان، لن تجدي من هو أفضل منه.
تنهدت بيسان بتنهيدة مستسلمة:
- لا أعلم يا غزل، صحيح أن كل من تقدم إليّ ووضعت شرطًا بأن أعتني بنيسان يرفض، لكن هذا لا يعني أنه ليس مثلهم.
ادارت غزل جسد الاخرى تمظر اليها بيقين:
- وأنا أؤكد لكِ أنه ليس مثلهم، صدقيني، يكفي أنه تعلم بعض الإشارات من لغتها من أجلها.
بقيت بيسان صامتة للحظات، تحاول فهم ما تشعر به تجاهه:
- لا أعلم ما الذي أشعر به بالتحديد تجاهه، لكن...
قاطعتها غزل وهي تحثها على إكمال حديثها:
- لكن ماذا؟
اجابتها بيسان بتردد:
- ألا تظنين أن هناك فتاة في حياته؟ ربما يكون مرتبطًا مثلًا.
ضحكت غزل وهي تغمز لها:
- لا يا حبيبتي، ليس في إصبعه أي خاتم يربطه بأخرى.
نظرت بيسان نحو السماء وكأنها تطلب من الله الطمأنينة تخاطبه سرًا "يا الله، لا تعلق قلبي بشخص لا يبادلني" شعوري.
ربتت غزل على كتفها بحبٍ وتشجيع:
- أنتِ تستحقين الأفضل يا بيسان، وبإذن الله سيجعل الله الخير لكِ فيه.
نظرت إليها بيسان للحظات، ثم انفجرت ضاحكة، لتعقد غزل حاجبيها باستغراب:
- ما بكِ؟ هل حديثي فيه ما يضحك؟
بيسان وهي تحاول كتم ضحكتها:
- لا، لكن انظري إلى نفسكِ في المرآة.
نظرت غزل إلى صورتها المنعكسة، لتتوقف فجأة وتضع يدها على شعرها، ثم أخرجت الشوكة العالقة به.
تحدثت بيسان وهي ما زالت تضحك:
- كيف وصلت هذه إلى هنا يا فتاة؟
أجابتها غزل وهي تفرك شعرها بتفكير:
- أظنني عندما ذهبت لأكل أمس أمسكت بالشوكة ولم أعلم أين وضعتها، لذلك لم أتناول أي طعام، والآن تذكرت أين ذهبت، لقد عقدت بها شعري.
هزت بيسان رأسها بيأس وهي تتجه نحو السرير:
- حسنًا، خذي معكِ الباب عندما تذهبين.
نظرت إليها غزل بنصف عين:
- ومن أخبركِ أنني سوف أخرج؟ سوف أنام بجانبكِ.
هتفت بيسان وهي تأخذ مساحة السرير كاملة:
- إن وجدتِ لكِ مكانًا.
تحدثت غزل وهي تحركها بخفة حتى تجد مكانًا:
- لقد وجدت وانتهيت عزيزتي، من السهل على أي شخص حملكِ وخطفكِ يا فتاة.
اجابتها بيسان وهي تعطيها ظهرها:
- نامي يا غزل، وأرجو من الله العلي العظيم ألا تصيبيني بأي عضو من أعضاء جسمي.
عانقتها غزل من الخلف مغمضة عينيها بنعاس:
- أحبكِ يا فتاة، لا أستطيع إلا أن أفعلها، سامحيني.
تنهدت بيسان بابتسامة صغيرة
- حسنًا، نامي يا متعبة قلبي.
__________**
استيقظ عامر فجر اليوم التالي، وهو يفرك رقبته التي أصابها الشد بسبب نومه على الكرسي، فقد كان النوم في ذلك الوضع مرهقًا للغاية.
نظر نحو آدم، ثم وقف ليوقظه لأداء الصلاة، وبعد فترة انتهيا من صلاتهما، ليجلس آدم بتعب بجانب عامر.
تحدث آدم بتفاؤل كبير:
- عامر، لقد رأيت منامًا جميلًا.
نظر اليه عامر بهدوءٍ ناظرًا الى الساعة المعلقة:
- خيرًا إن شاء الله.
ربت آدم على قدمه بابتسامة أمل:
- كل الخير، سوف نخرج بإذن الله.
أغنض عامر عينيه بأمل:
- إن شاء الله.
بعد مدة قصيرة، فُتح الباب ليدلف شادي وخلفه المحامي، تحدث شادي بابتسامة:
- صباح الخير يا شباب.
أجابه عامر وهو يلتفت إليهما:
- أهلًا، صباح الخير، ما الأخبار؟
جلس المحامي يخاطبه بابتسامة مطمئنة:
- لا تقلق يا سيد عامر، كل شيء بخير.
تنهد آدم بفرحة كبيرة يسأله بقضول:
- حقًا؟ كيف هذا؟
أخرج شادي من الملف الذي يحمله ورقة مختومة، ثم قدمها إليهما:
- هذه هي ورقة الإفراج عنكما، وهذه ورقة أخرى تثبت براءتكما أمام الجميع.
نظر آدم إلى الورقة بسعادة كبيرة:
- أخيرًا سوف أخرج من هنا.
هتف عامر وهو ينظر إليه بضيق مصطنع:
- وكأن لديك مائة سنة في الحبس، كفاك ذكاءً يا آدم.
تحدث شادي بهدوء ناظرًا الى عامر
- هيا يا عامر، إن والدتك تنتظرك، لا تتأخر عليها.
تنهد عامر بابتسامة اشتياق:
- شكرًا لك يا شادي، وانتبه لنفسك، وداعًا.
***_____****_____***
بعد أن غادروا مقر الشرطة، ودّع عامر وآدم المحامي، ثم اتجه كلٌّ منهما إلى منزله، بعدما أنهكهما ما مرّا به خلال اليومين الماضيين.
كان عامر يقود سيارته وقلبه يسبق الطريق شوقًا لرؤية والديه، بينما يشعر بمزيج من الراحة والقلق الطريق، فقد كان اشتياقه لوالدته ووالده يزداد مع كل لحظة، لكنه لم يستطع التخلص من شعور غريب يرافقه منذ بداية هذه القضية
وما إن وصل إلى المنزل حتى ترجل من سيارته بخطواتٍ سريعة، ثم فتح الباب ودلف إلى الداخل وهو ينادي بصوتٍ مرتفع:
- أمي... يا أم عامر، أين أنتِ؟
ثم تقدم عدة خطوات وهو يتلفت حوله:
- أبي..أبا عامر!
لكن الهدوء الذي استقبله جعله يتوقف للحظة، فالمنزل بدا وكأنه خالٍ من الحياة، لا صوت، ولا حركة، وكأن سكانه غادروه منذ زمن.
انعقد حاجباه باستغراب، وأخذ يجول ببصره في أرجاء المكان، ثم عاد لينادي مرةً أخرى بصوتٍ أعلى:
- أبي... أمي... أين أنتما؟ هل أنتم نائمون، ام انكم في الأعلى؟
ازدادت دقات قلبه شيئًا فشيئًا، فقد اعتاد أن تستقبله والدته فور دخوله المنزل، أما هذا الصمت فكان يثير القلق في نفسه.
تنهد بخفة، ثم اتجه نحو الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي، وصعد درجاته بسرعة، حتى وصل إلى باب غرفة والديه.
طرق الباب عدة مرات، وانتظر قليلًا، لكن لم يصله أي رد، قطب جبينه أكثر، ثم أعاد الطرق مرةً أخرى.
- أبي، أمي، هل أنتما بالداخل؟
مرّت ثوانٍ أخرى دون أن يسمع أي صوت، مد يده نحو المقبض، ثم فتح الباب ببطء، ودلف إلى الداخل.
لكن...
ما إن وقعت عيناه على ما بداخل الغرفة، حتى تجمد في مكانه تمامًا، اتسعت عيناه بصدمةٍ كبيرة، وشحب وجهه في لحظة، بينما تسارعت أنفاسه بصورةٍ ملحوظة.
ارتخت يده عن مقبض الباب، ولم يعد قادرًا على التقدم خطوةً واحدة، وكأن قدميه قد التصقتا بالأرض.
ظل يحدق أمامه بعدم تصديق، يحاول استيعاب ما تراه عيناه، إلا أن عقله رفض تصديق ذلك المشهد،ارتجفت شفتاه، لكنه لم يستطع النطق بحرفٍ واحد.
أما قلبه...
فقد كان يخفق بعنف، حتى خُيّل إليه أن صوته يملأ أرجاء الغرفة، ظل واقفًا مكانه، لا يحرك ساكنًا، وكأن الزمن قد توقف من حوله.
وما رآه أمامه...كان كفيلًا بأن يقلب حياته رأسًا على عقب...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.