دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 22 من 29
وضع القراءة:

بين نبضِ الولادة، ورعبِ الفقد

ظلت تحدق بالأرض قبل أن تهمس بصوتٍ خافت:
- لا... لا توجد أي مشكلة.
رفع عامر بصره نحو غزل مستفهمًا، إلا أنها أدارت وجهها بعيدًا، وكأنها ترفض الإجابة نيابةً عنها.، وهذا زاده قلقًا، عاد ينظر إلى بيسان مرة أخرى، ولم يقتنع إطلاقًا بما سمعه.
اقترب خطوةً أخرى، ثم أردف بهدوء:
- هل أنتِ بخير؟
حاولت بيسان أن تبدو طبيعية، هو لا يعلم شيئًا...ولا يجب أن يعلم، رفعت عينيها نحوه لثوانٍ قصيرة، ثم أعادتهما إلى الأرض:
- أنا بخير يا دكتور عامر... لا يوجد شيء.
في تلك اللحظة، اقترب عمر متسائلًا بحمية:
- ماذا هناك؟
وما إن لمحت بيسان فداء تقترب منهما حتى سارعت بالإمساك بيد عمر وهي تردد على عجل:
- لا يوجد شيء... دعنا نذهب إلى نيسان.
نظر إليها عمر باستغراب وهو يسير معها:
- ما بكِ يا بيسان؟ هل أنتِ بخير؟
شعرت وكأن أنفاسها تختنق داخل صدرها، فأجابت بصعوبة:
- لا شيء يا عمر... أريد فقط أن أرى نيسان.
رمق عمر غزل بنظرة استفسار، لكنها رفعت كفيها علامةً على أنها لا تعلم شيئًا، ليزفر هو الآخر بحيرة.
توجّه الجميع نحو نيسان، وما إن رأتها الصغيرة حتى أشرقت ملامحها فرحًا، اقتربت بيسان منها، تحاول رسم ابتسامةٍ حتى لا تشعر نيسان بما يعتصر قلبها.
أنزلها عمر عن ظهر الحصان، فركضت الصغيرة نحو بيسان وارتمت بين ذراعيها، جثت بيسان على ركبتيها، وأخذت تتأمل وجهها بحنان:
- أخبريني... كيف كان ركوب الخيل؟ هل أعجبك؟
أومأت نيسان بحماسٍ شديد وقد ارتفعت يديها تشير بسرعة:
- كثيرًا يا أختي... ما رأيك أن تجربيه أنتِ أيضًا؟
وقفت بيسان مبتسمة، لكن ابتسامتها اختفت حين اقترب آدم منهما، تراجعت خطوةً صغيرة حتى أصبحت إلى جوار غزل، ألقى آدم نظرةً على الجميع ثم تساءل:
- ماذا هناك يا عمر؟
ابتسم عمر وهو يشير إلى نيسان:
- لا شيء... فقط قطعة الحلوى هذه لا تزال سعيدة.
ضحك آدم، ثم انحنى يقبّل رأس الصغيرة، قبل أن يسألها:
- هل تريدين الصعود مرةً أخرى؟
رفعت نيسان يديها إليه بحماس، فحملها برفق، ثم أعادها إلى ظهر الفرس بحذر، التفت بعدها إلى عمر:
- وهل تريدان التجربة؟
نظر عمر إلى الفتاتين يسألهما رغم علمه بالإجابة:
- هل تودان ركوب الخيل؟
هزّت بيسان رأسها نفيًا بسرعة، بينما سبقتها غزل بالإجابة وقد لمع الحماس في عينيها:
- نعم... أريد ذلك يا عمر.
ابتسم آدم وهو يناولها لجام الحصان:
- تفضلي... جربي بنفسك.
نظرت غزل إلى عمر تستأذنه بعينيها، فأومأ لها مشجعًا، تقدمت بخطواتٍ مترددة، أمسكت اللجام، وبعد محاولاتٍ عدة استطاعت الصعود إلى ظهر الحصان.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة عفوية، فبادلت آدم نظرةً امتزجت فيها السعادة بالامتنان، توقف آدم لحظةً وهو يحدق بها باستغراب، ثم استدار خلفه يبحث عمّن تنظر إليه، لم يجد أحدًا.
عاد ينظر إليها مرةً أخرى، لكنه وجدها قد ابتعدت قليلًا باتجاه عمر، الذي كان يجلس خلف نيسان، فتساءل في داخله بدهشة، هل كانت... تبتسم لي أنا؟
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
في الجهة الأخرى...وصل شريف وأحلام إلى العمارة التي تقطن فيها مروة، ترجلا من السيارة، ثم صعدا الدرج المؤدي إلى الطابق الذي تقع فيه الشقة، تقدمت أحلام بخطواتٍ متسارعة، وطرقت الباب مراتٍ عديدة، لكن لم يصلها أي رد.
ازدادت ملامحها قلقًا، فاقترب منها شريف وربّت على كتفها مطمئنًا:
- لا تقلقي... ربما لا يكونون في المنزل.
أومأت برأسها، ثم اتجهت إلى الشقة المقابلة وضغطت على جرس الباب، بعد لحظات، فتحت طفلةٌ صغيرة الباب، وأطلت ببراءة:
- تفضلي... ماذا تريدين؟
ابتسمت أحلام لها بلطف:
- أين الأشخاص الذين يسكنون في الشقة المقابلة؟
هزّت الصغيرة رأسها، ثم أجابت:
- انتظري دقيقة.
اختفت إلى الداخل، وبعد قليل خرجت والدتها وهي تنظر إليهما باستفهام:
- تفضلا... خيرًا، ماذا هناك؟
ابتسمت أحلام محاولةً إخفاء توترها:
- أبحث عن السيدة مروة، طرقت الباب كثيرًا لكنها لم تُجب.
ضيّقت المرأة عينيها قليلًا قبل أن تستفسر:
- وما الذي تريدينه منها؟
أجابت أحلام بسرعة، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة:
- أنا أختها أحلام، وقد جئت لزيارتها.
ارتخت ملامح المرأة وقالت براحة:
- آه... ليسوا في المنزل، لقد خرجوا منذ الصباح ولم يعودوا حتى الآن.
تسلل الحزن إلى عيني أحلام، فالتفتت نحو شريف بنظرةٍ خائبة، ثم أعادت بصرها إلى المرأة:
- شكرًا لكِ، جزاكِ الله خيرًا.
أغلقت المرأة الباب، بينما تنهدت أحلام بخيبة:
- هيا بنا يا شريف.
هبطا الدرج بصمت، وفي أثناء سيرهما، ارتفع رنين هاتف شريف، أخرج الهاتف، وألقى نظرةً سريعة على الشاشة، ثم أغلق الصوت دون أن يجيب.
فتح باب السيارة لأحلام حتى صعدت، ثم استدار إلى الجهة الأخرى، وانطلق بها نحو الفندق.
ما إن وصلا حتى أنزل حقيبتهما، وأنهى إجراءات حجز الغرفة، دلفا إلى الداخل، وما إن أُغلق الباب خلفهما حتى التفت إليها بهدوء:
- أحلام... سأخرج الآن، ولا أعلم متى سأعود، وربما أتأخر. لذلك لا تتصلي بي، حسنًا؟
انعقد حاجباها باستغراب:
- إلى أين ستذهب؟
اقترب منها، وطبع قبلةً حانية على جبينها، ثم نظر إليها بعينين امتلأتا بالاعتذار الكاذب:
- إنه عمل... لكنني سأعود، اعتني بنفسك جيدًا.
اكتفت بالنظر إليه بصمت، بينما غادر الغرفة بخطواتٍ ثابتة، هبط إلى موقف السيارات، واستقل سيارته، ثم أجرى اتصالًا بالطرف الآخر.
ما إن جاءه الرد حتى أردف بلهجةٍ حازمة:
- أنا في الطريق... جهزوا أنفسكم.
__________**
في مزرعة الخيول...
اجتمع الجميع حول مائدة الغداء، وانشغلوا بتناول الطعام وسط أجواءٍ هادئة وحديثٍ متفرق، لكن فداء لم تكن منشغلة بالطعام.
كانت تختلس النظر إلى بيسان بين الحين والآخر، بينما تراقب عامر وهو يرفع عينيه نحوها دون أن يشعر، اشتعلت نار الغيرة داخلها، صحيح أن الجميع يجلسون متباعدين، ولا يجمع بينهم حديث، إلا أن تلك النظرات الخاطفة كانت كافية لتثير شكوكها.
ضغطت على أسنانها بقوة، ثم أطلقت زفرةً حادة جذبت أنظار الجميع إليها، ابتسمت ابتسامةً باهتة وهي تنهض من مكانها:
- عن إذنكم.
تابعتها غزل بعينيها حتى ابتعدت، ثم تمتمت بسعادةٍ لم تستطع إخفاءها:
- الإذن معكِ عزيزتي.
ضغط بيسان على قدمها بخفةٍ من أسفل الطاولة، لتلتفت إليها غزل متضايقة، لتهمس بيسان معاتبة:
- ما هذا الذي تفوهتِ به؟
ابتلعت غزل لقمةً من الطعام، ثم نظرت إليها بطرف عينها وهي تجيب ببرود:
- بل كان في مكانه تمامًا.
تنهدت بيسان بيأس، ثم رفعت رأسها مصادفةً لتلتقي عيناها بعيني عامر، ما إن التقت النظرات حتى سارعت إلى إبعاد بصرها، وقد احمرّ وجهها خجلًا، استأذنت بهدوء وهي تنهض:
- عن إذنكم.
رفعت نادية رأسها عن طبقها، وقد بدا عليها الاستغراب:
- لم تأكلي شيئًا يا ابنتي... طبقك كما هو، هل ستنهضين كفداء أيضًا؟!
ابتسمت بيسان لها بمحبةٍ صادقة:
- ليست لديّ شهية يا خالتي، لكنني تذوقت منه، وكان لذيذًا جدًا... سلمت يداكِ.
ابتسمت نادية بحنان، ثم أشارت نحو عامر:
- لقد ساعدني عامر في إعداده.
ازداد توتر بيسان، وخفضت رأسها وهي تتمتم بخجل:
- سلمت يداكما.
وبعد الانتهاء من الغداء، اجتمع الجميع يحتسون الشاي ويتبادلون أطراف الحديث.
وفجأة...اندفع سايس الخيول نحوهم راكضًا، يلهث بشدة حتى كاد يفقد أنفاسه، توقف أمام عامر وهو يصيح بلهفة:
- سيد عامر... سيد عامر... الفرسة بدأت تضع مولودها... أسرع!
نهض عامر فورًا، واتجه مسرعًا نحو الإسطبل، وقبل أن يبتعد، التفت إلى آدم وهو يهتف:
- أحضر نيسان معك... ومن يريد مشاهدة ولادة المهر.
التفت آدم إلى عمر مستفسرًا بينما يحلق عامر:
- هل ستأتي؟
هزّ عمر رأسه نفيًا، فهو لا يحب مثل هذه الأمور، حينها استدار آدم نحو بيسان، وما إن اقتربت حتى أردف بابتسامة:
- أحضري نيسان... الفرسة ستلد الآن.
اتسعت عينا بيسان بحماسٍ طفولي:
- حقًا؟
ابتسم عمر وهو يحثهما:
- هيا بسرعة... لقد سبقكم عامر.
أسرعت بيسان نحو نيسان، ولحقت بها غزل، ثم انطلق الثلاثة خلف آدم، ابتسم آدم وهو يحمل نيسان بين ذراعيه:
- هيا بنا.
ثم التفت إلى عمر مرةً أخرى:
- حقًا لن تأتي؟ رؤية ولادة المهر شيء جميل.
ابتسم عمر بهدوء:
- لا، فأنا لا أحب مثل هذه الأشياء، سأبقى مع والدتي، استمتعوا أنتم.
تحركوا جميعًا نحو الإسطبل، وبعد دقائق وصلوا إليه، أنزل آدم نيسان برفق، واتجه مباشرةً نحو عامر، الذي كان يجري تدليكًا لبطن الفرسة، محاولًا مساعدتها على الولادة.
ارتدى آدم أدواته الطبية، وجلس إلى جواره ليشاركه المهمة، لكن هاتفه رن فجأة،! خلع القفازات سريعًا، وابتعد قليلًا حتى يجيب على الاتصال.
عاد بعد لحظات، ونظر إلى عامر معتذرًا:
- عامر... يجب أن أذهب، والدي يحتاجني.
أومأ عامر دون أن يرفع عينيه عن الفرسة:
- حسنًا يا آدم... وأبلغ والدك سلامي.
غادر آدم المكان.....أما عامر، فرفع رأسه نحو نيسان، ليجدها تراقب المشهد بعينين تمتلئان بالحماس والترقب، ابتسم لها، ثم أشار لها:
- نيسان... تعالي إلى هنا.
انحنت بيسان نحو أختها، وربتت على شعرها بحنان:
- هل تريدين الوقوف بجانب الدكتور عامر؟
أومأت الصغيرة بسعادة، فاتجهت نحوه بخطواتها السريعة، ناولها عامر قفازين صغيرين وهو يبتسم:
- ارتديهما أولًا يا نيسان.
حاولت الصغيرة ارتداءهما، لكنها فشلت، انكمشت ملامحها بحزن، اقتربت بيسان على الفور، ومدّت يدها إليها:
- أعطيني إياهما.
ساعدتها في ارتداء القفازين، ثم جلست نيسان القرفصاء إلى جوار عامر، أمسك عامر يدها الصغيرة برفق، ووضعها فوق بطن الفرسة:
- اصنعي دوائر صغيرة هنا... هكذا.
راقب الفرسة لثوانٍ، ولاحظ اشتداد التقلصات في بطنها، بحث بعينيه عن آدم، ثم تذكر أنه غادر، رفع رأسه نحو بيسان، وقد بدت الجدية واضحة على وجهه:
- نيسان... ابتعدي قليلًا، لقد اقتربت الولادة.
ثم التفت إلى بيسان مباشرة، وأردف بنبرةٍ استعجال:
- هل يمكنك مساعدتي قليلًا؟
نظرت إليه بدهشة، وقبل أن تجيب، دفعتها غزل بخفةٍ إلى الأمام، أشار إليها عامر بسرعة:
- ارتدي القفازات وتعالي إلى هنا.
ابتلعت ريقها بتوتر، ثم ارتدت القفازات وجلست أمام الفرسة إلى جواره، وكان قلبها يخفق بعنف...لأول مرة تجلس بهذه المسافة القريبة منه.
جلست بيسان إلى جوار عامر، بينما كانت تحاول إخفاء ارتجافة يديها، أخذت نفسًا عميقًا، ثم ركزت كامل انتباهها على الفرسة، في حين كان عامر يتابع حالتها بدقة، وعيناه لا تغفلان عن أي تغيرٍ قد يطرأ عليها.
مرّت الدقائق بطيئة، حتى بدا التعب واضحًا على الفرسة، قبل أن تطلق صهيلًا مرتفعًا ملأ أرجاء الإسطبل.
بعد نحو ربع ساعة...خرج المهر الصغير إلى الحياة، ارتسمت على وجه بيسان ابتسامة عريضة، وغمرتها سعادة صادقة لم تستطع إخفاءها.
التفتت إلى عامر بعينين تلمعان بالحماس، وهتفت بعفوية:
- لقد وضعت المهر... لقد نجحنا!
ثبت عامر نظره عليها لثوانٍ طويلة، حتى كأنه نسي ما يدور حوله، كانت ابتسامتها كفيلة بأن تنتزع منه كل الكلمات، انتبه إلى نفسه أخيرًا، فأبعد بصره عنها وأجاب بهدوء:
- أجل... لقد أحسنتِ كثيرًا.
تراجعت بيسان خطوة إلى الخلف، بينما انحنى عامر يحمل المهرة الصغيرة بين ذراعيه بكل عناية، ثم وضعها بجانب والدتها حتى تتمكن من التقرب منها.
التفت بعدها نحو نيسان، التي كانت تقف وعيناها تتلألآن من شدة السعادة، ابتسم لها وهو ينحني إلى مستواها:
- هل رأيتِ؟ إنها مهرة جميلة... هل تريدين أن تختاري لها اسمًا؟
هزّت نيسان رأسها بحماس، ثم وضعت إصبعها على شفتيها تفكر قليلًا، وفجأة، أشرقت ملامحها وأشارت نحو أختها قائلة:
- أريد أن أسميها... بيسان.
اتسعت عينا بيسان، ثم سارعت إلى الاعتراض وهي تنظر إلى أختها بخجل:
- ما هذا الذي تقولينه يا نيسان؟ اصمتي... اختاري اسمًا آخر.
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي عامر، وقد راق له ذلك، ثم التفت إليها مجيبًا:
- ولماذا تطلبين منها الصمت؟ لقد وعدتها أن يكون لها حق اختيار الاسم.
خلعت بيسان القفازين وهي تتمتم باعتراض:
- فلتختر أي اسم... إلا هذا الاسم.
ابتسم عامر بعنادٍ لطيف، ثم أردف:
- لا شأن لكِ بالأمر يا آنسة بيسان، لقد أعطيتها كلمتي، وستحمل المهرة الاسم الذي اختارته.
رمقته بنظرة ضيق، ثم همّت بالخروج من الإسطبل، لكن خطواتها توقفت فجأة...إذ وجدت فداء تقف أمام المدخل، استدارت إلى الخلف من جديد، لتعود إلى الداخل بصمت.
تقدمت فداء وهي تنظر إلى المهرة الصغيرة بإعجاب:
- أووه يا عامر... لماذا لم تخبروني؟ كنت أريد أن أشاهد الولادة.
خلع عامر قفازيه وهو يتجه نحو المغسلة ليغسل يديه، ثم أجابها بهدوء:
- كنت مستعجلًا... لكنني أخبرت آدم.
وقفت إلى جواره، بينما كانت تراقب بيسان بطرف عينها، ثم أردفت بدلال:
- وهل اخترتم لها اسمًا؟ كنت أريد أنا أن أسميها... أرجوك.
واصل غسل يديه دون أن يلتفت إليها، ثم أجاب باقتضاب:
- نعم... لقد اخترنا اسمها.
ارتسم الحزن على وجه فداء، فسألته باستغراب:
- وما الاسم؟
في تلك اللحظة، كان عامر يساعد المهرة الصغيرة على الوقوف حتى تتمكن من الرضاعة من والدتها، ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم أجاب بكل بساطة:
- اسمها... بيسان، لقد اختارته بيسان، لأن الأخرى ساعدتني في ولادتها.
شعرت فداء وكأن الكلمات صفعتها بقوة، ضغطت على أسنانها حتى كادت تطحنها، ثم استدارت وغادرت المكان بخطوات غاضبة، وهي تكاد تشتعل من الغيرة.
أما عامر، فالتفت نحو بيسان بابتسامة امتنان:
- شكرًا لكِ.
بادلته ابتسامة مهذبة، ثم أجابت بهدوء:
- لا شكر على واجب.
كانت غزل تراقب الموقف بصمتٍ منذ البداية، لكنها قررت أخيرًا كسر ذلك الصمت، فابتسمت وهي تتحدث بفخر:
- إنها تعرف مثل هذه الأمور يا دكتور.
التفت إليها عامر باستغراب وقد انعقد حاجبيه:
- حقًا؟
أومأت غزل مؤكدة تفسر له:
- أجل... لقد درست التمريض.
ارتسمت الدهشة على ملامح عامر، ثم نظر إلى بيسان بإعجاب واضح:
- أحسنتِ... أيتها الطبيبة الصغيرة.
احمرّ وجه بيسان خجلًا، بينما لم تجد ما تقوله، فاكتفت بابتسامة خجولة.
بعد قليل...تمكنت المهرة الصغيرة من الوقوف على قدميها، وبدأت تخطو خطواتها الأولى وسط أجواءٍ امتلأت بالسعادة والفرح، وفي تلك الأثناء، عاد آدم إلى الإسطبل، وما إن رأى المهرة حتى ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه.
مع حلول الليل...بدأ الجميع بترتيب أغراضهم استعدادًا للمغادرة، خرجوا إلى خارج المزرعة، وبعد أن أغلق عامر البوابة، تقدم نحو عمر وهو يبتسم قائلًا:
- شكرًا لكم على مجيئكم... لقد أسعدتمونا بوجودكم.
بادله عمر الابتسامة بإخلاص:
- لا شكر على واجب، بل نحن من استمتعنا كثيرًا بهذا اليوم.
همّ عامر بإكمال حديثه، لكن...دوّى صوت إطلاق نارٍ مفاجئ مزق سكون الليل، شهقت الفتيات بفزع، بينما تحرك عامر بسرعة البرق نحو سيارته، وأخرج سلاحه في لحظة واحدة.
وقف يتفحص المكان بعينين يقظتين، ثم تحدث بصوتٍ ثابت، رغم التوتر الذي يعتصره:
- الجميع... إلى السيارات فورًا، وبأقصى سرعة.
وقف آدم إلى جواره، وقد أشهر سلاحه هو الآخر، ثم سأله بقلق:
- عامر... أتظن أنهم هم؟
أغمض عامر عينيه لثوانٍ، وأطلق زفيرًا غاضبًا، قبل أن يبدأ بمسح المكان بنظراتٍ حادة، باحثًا عن مصدر إطلاق النار، ساد الذعر المكان، تعالت أنفاس الجميع، واختلطت نظرات الخوف بالارتباك.
وفجأة... راحت بيسان تنظر حولها بجنون، وكأنها تبحث عن شيءٍ ما.وفي اللحظة التالية...اتسعت عيناها برعبٍ حقيقي، وخرج صوتها مرتجفًا:
- أين... نيسان؟!
التفت الجميع حولهم بسرعة، وأخذوا يبحثون عنها بأعينهم، فتحت بيسان باب السيارة بعنف، ثم اندفعت إلى الخارج دون تردد.
لمحها عامر تركض، فاتجه نحوها مسرعًا، بينما كانت عيناه تراقبان المكان بحذر شديد، رفع صوته حتى تسمعه:
- آنسة بيسان... توقفي! لا تبتعدي، الوضع خطير.
استدارت إليه، وكانت الدموع تغرق وجهها، صرخت بانهيار:
- نيسان ليست هنا... ربما بقيت داخل المزرعة، أرجوك، افتح البوابة.
شحب وجه عامر، وابتلع ريقه بصعوبة، ثم سألها بذهول:
- ماذا تعنين أنها ليست معكم؟ لقد رأيتها قبل قليل.
وصل عمر إليهما وهو يلهث من شدة الركض، ثم سأل بقلق:
- ماذا حدث؟ ألم تجدوها؟
لم تتمالك بيسان نفسها، أمسكت بيده بقوة، وكأنها تتشبث بآخر خيطٍ من الأمل، ثم انفجرت باكية:
- عمر... أرجوك، أحضر لي نيسان. أنت تعلم أنني لا أستطيع العيش من دونها... لم يبقَ لي في هذه الدنيا سواها.
احتضنها عمر محاولًا تهدئتها، رغم أن الخوف كان ينهش قلبه هو الآخر، تمتم بصوتٍ حاول أن يجعله مطمئنًا:
- لا بد أنها خافت، واختبأت في مكانٍ ما.
رفعت رأسها إليه، ونظرت إليه بصدمة امتزجت باليأس:
- كيف تخاف وهي لا تسمع صوت الرصاص يا عمر؟ أرجوك... قل شيئًا منطقيًا.
في تلك اللحظة...اهتز هاتف عامر معلنًا وصول رسالة جديدة فتحها بسرعة، تغير لون وجهه في لحظة، وقرأ بصوتٍ منخفض:
- كيف هو الرعب الذي تعيشونه الآن؟... والآن استمعوا إلى هذا.
وقبل أن يستوعب الكلمات...انطلقت دفعة جديدة من الرصاص في المكان، اشتد الذعر أكثر، وتجمد الجميع في أماكنهم.
كانت بيسان ترتجف حتى أوشكت على السقوط، وما هي إلا لحظات، حتى وصلته رسالة أخرى.
فتحها على الفور...وما إن وقعت عيناه على محتواها، حتى اتسعت عيناه بصدمةٍ لم يستطع إخفاءها.
اقترب عمر منه بسرعة، وهتف بقلق:
- عامر... ماذا هناك؟
رفع عامر رأسه ببطء، كانت عيناه تمتلئان بالدموع، بينما استقرتا على بيسان المنهارة أمامه، لم يستطع أن ينطق بحرفٍ واحد.
خفض بصره إلى الأرض، ثم جلس على حافة الطريق، وأسند وجهه بين كفيه، وكأن الكلمات أثقل من أن تخرج وكان الصمت أشدَّ رعبًا من صوت الرصاص.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.