دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 19 من 19
وضع القراءة:

بين فرحة صغيرة وخوفٍ كبير

فرك آدم مؤخرة رأسه بحرج، محاولًا ترتيب كلماته:
- كنت أخبره أنني أريد التحدث مع والدته في أمرٍ ما.
رمقه عامر بطرف عينه، ثم نظر إلى عمر الذي بدا عليه الاستغراب، منتظرًا أن يوضح الأمر، توجهت أنظار عمر نحو غزل التي كانت تقف في زاوية بعيدة منذ وصول آدم، ثم عاد بنظره إليه متسائلًا:
- ما الأمر الذي تريده منها؟
ابتلع آدم ريقه، وبدأ يحرك أصابعه بتوتر، يبحث عن الكلمات المناسبة:
- هو... بخصوص...
وقبل أن يزداد ارتباكه، أسرع عامر بالتدخل منقذًا إياه بزفرة:
- من أجل الغد، وأنا أعتذر لأنني لم أقم بدعوتكم جميعًا، يبدو أن آدم سبقني بهذه الدعوة.
استدار عمر قليلًا، يتأمل آثار التوتر التي ظهرت على الاثنين، ثم أجاب بعد لحظات من التفكير:
- أمي بالأسفل، إن وافقت على هذه النزهة فبها، وإن لم توافق فأعتذر منكم.
نظر عامر إلى نيسان، ثم عاد ببصره إلى عمر يحمل في عينيه بعض الأمل:
- إنها متحمسة جدًا لرؤية الخيول، حتى إن هناك فرسًا ستضع مهرًا صغيرًا.
التفت عمر إليها، فوجدها تبتسم وهي تنظر إلى عامر بسعادة، ليطلق تنهيدة خفيفة قبل أن يجيبه:
- إن شاء الله خيرًا، سوف نحاول معًا.
أخرج عامر بطاقة صغيرة من جيب قميصه، ومدها إليه بابتسامة هادئة:
- تفضل، إن وافقت فاتصل بي، وأرجو أن يكون الرد إيجابيًا.
أمسك عمر البطاقة وهو يصافحه بود:
- سعدت بلقائك، وشكرًا لك.
ثم استدار نحو غزل مخاطبًا إياها:
- هيا يا غزل.
تحركت غزل بطواعية خلفه، لكنها قبل أن تغادر خطفت نظرة سريعة نحو آدم، وكأنها تحمل في عينيها شيئًا لم تستطع قوله.
أثناء نزولهم الدرج، نظرت غزل إلى عمر وهي تحاول كتم سعادتها:
- هل تظن أن أمي سوف توافق؟
نظر إليها من طرف عينه، ثم أعاد بصره إلى الأمام:
- لا أعلم يا غزل، لكننا سنقنعها من أجل نيسان. وحتى إن وافقت، فبيسان لن توافق على مثل هذه الأمور بسهولة. صحيح أنني غير موافق تمامًا، لكن انظري إلى سعادة نيسان... إنها للمرة الأولى ستشاهد الخيول على الحقيقة.
قلبت غزل شفتيها بتذمر:
- نعم، إنها لن توافق، وسوف تفتعل حربًا لن يستطيع أحد إطفاءها.
ضحك عمر بخفة:
- لن تكون بيسان إن لم تفعل ذلك.
كتم ضحكته عندما وصلوا إليها، لتقف بيسان أمامهم بقلق واضح:
- ما الأخبار؟ هل كل شيء بخير؟
وضع عمر يديه على كتفيها مطمئنًا إياها:
- ما كل هذا القلق؟ نعم، إنها بخير وأفضل حال.
أمسكت نيسان بثياب أختها، لتنحني بيسان إلى مستواها وتمسك وجهها بين يديها بحنان:
- صغيرتي الجميلة بخير وأفضل حال.
ابتسمت نيسان بسعادة:
- أجل، هيا لنشتري الحلوى كما وعدتني.
طبعت قبلة على وجنتي أختها، ثم نهضت متجهة نحو خالتها، لكنها توقفت عندما وجدتها تتهامس مع عمر وغزل. اقتربت منهم وعقدت حاجبيها باستفسار:
- ما الأمر؟
ابتسم عمر لها، بينما سارعت غزل بالإجابة:
- لا شيء يا بيسان، هيا لنذهب إلى المراكز التجارية.
وضعت يديها خلف ظهر بيسان، وبدأت تدفعها بلطف نحو الخارج.
***____****____***
وقف آدم أمام عامر كالمذنب، يستمع إلى توبيخه بصمت. أدار عينيه نحوه ليجد عروقه بارزة من شدة التوتر، وكأن الغضب يحاول السيطرة عليه.
حاول آدم أن يحافظ على هدوئه حتى لا يزيد الأمر سوءًا:
- ما بك يا عامر؟ لم أخطئ بشيء، كنت فقط أريد مساعدتك.
استدار عامر إليه ببطء، ونظراته تحمل الكثير من العتاب، ليتفحصه من رأسه حتى أخمص قدميه قبل أن يجيبه:
- ومن طلب منك مساعدتي؟ أو من طلب منك أن تسألها؟
أسرع آدم بالدفاع عن نفسه، محاولًا توضيح موقفه:
- لم أسألها يا رجل، ثم إنني كنت أريد أن أريح رأسك قليلًا من التفكير بهم، لكنني لم أتفوه بحرف، لقد أتيت بسرعة.
زفر عامر باستغفار، ثم جلس خلف مكتبه وهو يمرر يده على وجهه بإرهاق:
- لقد علمت أنه لا يوجد شيء بينهما، لكن ما يشوشني ولا أستطيع فهمه هو ذلك التلامس الذي يحدث بينهما.
جلس آدم مقابله، واضعًا يده أسفل ذقنه يفكر بعمق، وبعد لحظات طويلة قفز من مكانه وكأن فكرة خطرت له فجأة:
- أتظن أنهما أخوة بالرضاعة؟
نظر إليه عامر قليلًا بصمت، يحلل الفكرة، ثم بدأت ابتسامة صغيرة ترتسم على وجهه وكأنه وجد الإجابة التي يبحث عنها:
- أجل... أجل، لا يوجد تفسير آخر غير هذا.
عاد آدم للجلوس بسعادة بعد أن شعر بالراحة:
- انظر، إن صح تخميني فسوف نذهب لخطبتهم معًا. لقد تحدثت مع أبي صباحًا، وقد رحب بالفكرة كثيرًا، لم أره سعيدًا بهذا القدر من قبل.
التفت إليه عامر متسائلًا:
- ألم يوافق على خضوعه للعملية؟
تنهد آدم بيأس، وهز رأسه بالنفي:
- لا، لم يوافق.
نظر عامر إلى ساعته، ثم نهض وهو يشير إليه:
- هيا للصلاة، لقد اقترب موعد الأذان.
توجه عامر نحو الباب، وما إن فتحه حتى وجد فداء أمامه. توقف للحظة، ونظر إليها بقلق:
- لماذا أنتِ هنا؟ هل والداي بخير؟
ابتسمت فداء ابتسامة حزينة أخفت خلفها الكثير، ثم طمأنته بنبرة هادئة:
- لا تقلق يا عامر، إنهما بخير. لقد أتيت من أجل الأمر الذي تحدثنا عنه بالأمس.
وضع يده خلف رأسه بخجل بعد أن تنفس براحة بسبب اطمئنانه على والديه:
- لقد نسيت هذا تمامًا... كيف حالك؟
ارتسمت السعادة على وجهها، وكأن مجرد سؤاله جعلها تنسى كل ما حدث بالأمس:
- أنا بخير... وبخير كثيرًا. وكيف حالك أنت؟
تجاوزها عامر متجهًا إلى الخارج وهو يجيب بهدوء:
- بخير. اتبعيني، سوف تقومين بترؤس قسم الحسابات بأكمله.
قاطعه آدم وهو يسير بجانبه، ونظر إلى فداء باستغراب:
- هل ستعملين معنا يا آنسة فداء؟
توقف عامر أمام قسم الحسابات بعد وصولهم، ثم أشار إلى المكتب:
- أجل، وسوف تبدئين من الآن. تفضلي، هذا مكتبك يا سيدة فداء.
وقفت فداء أمامه، تنظر إليه بعينين لم تستطيعا إخفاء مشاعرها نحوه:
- شكرًا لك يا عامر، لقد أتعبتك معي.
التفت إليها قليلًا بابتسامة هادئة:
- لا شكر على واجب يا فداء، لقد أخبرتك سابقًا أنك مثل أختي.
ثم غادر المكان.
لحق به آدم، لكنه ظل ينظر خلفه نحو مكتب فداء، ثم ناداه:
- عامر، توقف.
استدار عامر بنصف جسده، وكأنه يعلم مسبقًا ما الذي يريد آدم قوله:
- ماذا تريد؟
فرك آدم مقدمة رأسه بتردد وهو ينظر إليه:
- ألم تكن قاسيًا عليها قليلًا؟
أكمل عامر سيره دون أن يلتفت إليه، وأجابه بنبرة حاسمة:
- هذا أفضل يا آدم... حتى لا تبني آمالًا وأحلامًا أكثر من ذلك.
***____****____***
***____****____***
كانوا ينتقلون من مكانٍ إلى آخر بسعادة بالغة، تملأ ضحكاتهم المكان وكأنهم يحاولون اقتناص لحظات بسيطة من الفرح بعيدًا عن تعب الأيام.
توقفت نيسان أمام بائع الذرة، لينحني عمر ويحملها بين ذراعيه، ثم أخذ لها ما أرادت بعد أن دفع ثمنها. نظر إليها وهي تأكل بسعادة طفولية، فابتسم بحنان، ثم اتجه بها نحو البقية.
أنزلها على قدميها، بينما بقي ينظر إلى بيسان التي كانت شاردة الذهن على غير عادتها، ليقترب منها قليلًا ويلكز كتفها ممازحًا:
- ماذا هناك؟ لماذا أنتِ شاردة هكذا؟ مثل المطرقة.
نظرت إليه بامتعاض للحظة، ثم انفجرت ضاحكة عندما تذكرت عبارته:
- هل غيرت مقولتك؟ كنت تقول مثل الأرملة التي توفي زوجها وترك لها أولادها.
تنهد عمر وهو ينظر أمامه، وكأنه يستسلم لأفكار الحياة ومواقفها:
- هكذا هي الحياة يا فتاة، وأنا أيضًا طلقت زوجتي وذهبت... وما باليد حيلة.
انفجر الجميع بالضحك، بينما مسحت مروة دموعها التي نزلت من شدة الضحك:
- آه يا بني، وأين هي الآن؟ لماذا لم تخبرني بها؟ وأين أحفادي؟
وقفت غزل وهي تضع يدها على خصرها بدهشة:
- ماذا؟ هل أصبحت خالة؟
ضربت بيسان قدمها بخفة وهي تصحح لها:
- تقصدين عمة يا ذكية.
وضعت غزل يدها على جبهتها وضحكت:
- صحيح... أين هم أولادك؟ ولماذا قمت بتطليقها؟
نظر إليها عمر بطرف عينه، ثم ابتسم بمكر:
- لأنني وجدتها حاملًا بتوأم، ولا أعلم من أين ظهر الطفل الآخر.
ساد الصمت لثانية، ثم انفجر الجميع ضاحكين، بينما نظرت نيسان إليهم باستفهام واضح لعدم فهمها ما يحدث.
ضربت بيسان صدر عمر بخفة محاولة إيقافه عن المزاح، ليكتم ضحكته وينظر إليها بعينين ضيقتين متظاهرًا بالجدية:
- هل قمتِ بضربي يا آنسة بيسان؟
نظرت إليه بضيق وهي تحاول معرفة سبب ضحكهم:
- ما الشيء المضحك الذي أخبرتهم به؟ أريد أن أضحك أنا أيضًا.
ثم خفت صوتها فجأة، وتحولت ابتسامتها إلى حزن:
- لماذا لا أستطيع سماعكم... أو التحدث مثلكم؟
اختفت الضحكات من المكان، وشعر الجميع بثقل كلماتها.
أسرع عمر باحتضانها، محاولًا إخفاء دموعه قبل أن تراها، ثم ابتعد عنها قليلًا عندما لمح نظراتها الحزينة، وأشار إليها أن تتماسك قبل أن تنتبه نيسان لما يحدث.
اقترب منها وقبل رأسها بحنان، ثم تحدث بصوت هادئ:
- انظري يا عزيزتي، أليس الأطفال أحباب الله؟
أومأت نيسان بحزن، تحاول جاهدة ألا تبكي، بينما أبعدت بيسان عينيها عنها حتى لا تنهار أمامها.
وضع عمر يده أسفل ذقنها وأدار وجهها إليه برفق:
- ألم نقل إن الله إذا أحب شخصًا ابتلاه؟ ولأن الله يحبك أخذ سمعك، لذلك علينا أن نصبر ونشكره. ثم صدقيني يا نيسان، أتمنى أحيانًا لو أنني لا أستطيع السمع مثلك.
نظرت إليه باستغراب، وكأنها لم تصدق ما قاله:
- هل جننت؟
ابتسم بحزن، ووضع يده على شعرها بحنان:
- لا، لم أجن يا عزيزتي. عندما تخضعين للعملية وتصبحين بخير وتستطيعين السمع، ربما ستقولين: ليتني أعود كما كنت... هناك أشياء يكون عدم سماعها أفضل.
ابتسمت نيسان بسعادة، ثم أشارت إليه:
- حسنًا، سوف أصبر وأشكره يا أخي.
ثم توجهت نحو بيسان واحتضنتها:
- لا تخفي نفسك، لقد رأيتك... أنا بخير، فلا تبكي من أجلي.
ابتسمت بيسان بحزن وهي تنظر إليها، بينما مسحت غزل دموعها سريعًا وقالت محاولة تغيير الجو:
- هياا، ما بكم؟ لقد خرجنا لنرفه عن أنفسنا، وليس لكي نبكي.
ثم اقتربت من نيسان وحملتها بين ذراعيها:
- هل نذهب إلى الأراجيح هناك؟
نظرت نيسان إليها بتعب:
- لا أريد، أنا متعبة جدًا.
ثم التفتت إلى بيسان وخفضت يديها قليلًا وهي تتحدث:
- سنذهب غدًا إلى مزرعة الخيول، وأريد أن أكون بكامل طاقتي.
نظرت غزل إليها بتفكير، ثم ابتسمت:
- كلامك صحيح يا فتاة، لكن علينا أن ندعو الله أن توافق الآنسة هادمة الملذات ورافضة الخروجات.
ضحكت نيسان على وصفها، ثم التفتت إلى أختها:
- أريد الذهاب للمنزل.
وقفت بيسان، وتناولت يدها بحنان:
- هل تريدين الذهاب إلى البيت؟
أومأت نيسان بنعاس، وفي تلك اللحظة اقترب عمر وحملها بين ذراعيه، لتضع رأسها على كتفه وتتمسك بعنقه حتى لا تسقط.
***____****____***
***____****____***
دلف إلى المنزل وهو يشعر بإرهاقٍ شديد، أطلق تنهيدة طويلة وهو يصعد الدرج المؤدي إلى غرفته. وقبل أن يصل إلى غرفته، توقفت خطواته أمام غرفة والديه، فنظر إلى الباب للحظات ثم طرقه بهدوء.
ما إن سُمح له بالدخول حتى أطلّ بجسده من خلف الباب.
اقترب من والدته وقبّل رأسها بحنان:
- لماذا ما زلتِ مستيقظة يا جنتي؟
مررت نادية يدها على رأسه بحب وابتسامة دافئة:
- كنت أنتظرك يا بني.
جلس عامر على الكرسي المجاور لها، ثم نظر حوله متسائلًا:
- وأين أبي؟
وقبل أن تجيبه، انفتح باب المرحاض ليخرج جمال بعد أن أنهى حديثه مباشرة، فنظرت نادية إليه مبتسمة:
- يأتي الصالح عند ذكره... ها هو.
نهض عامر فورًا، واتجه نحو والده ليقبل يده باحترام:
- عمت مساءً يا أبي، كيف حال قدمك؟
اتجه جمال نحو السرير وجلس بجانب نادية وهو يجيبه بهدوء:
- أنا بخير يا بني، رضي الله عنك في كل وقت.
ابتسم عامر بسعادة رغم إرهاقه، ثم نهض متجهًا نحو الباب:
- حسنًا، أريد أن ألحق بصلاة العشاء قبل أن أخلد للنوم. نومًا هنيئًا.
ثم اقترب منهما مرة أخرى وقبّل رأسيهما:
- هل تريدان مني شيئًا؟
نظرت إليه نادية بحنان:
- لا يا بني، اذهب واسترح.
وقبل أن يفتح الباب، أوقفه صوت والده:
- انتظر يا عامر.
التفت إليه بطاعة:
- تفضل يا أبي، هل هناك شيء؟
ابتسم جمال بسعادة وهو ينظر إليه:
- أخبرتني فداء أنها بدأت العمل اليوم.
بادله عامر الابتسامة، ووضع يده على مقبض الباب:
- إنها فتاة ذكية، لقد أنجزت اليوم جزءًا ليس بالقليل.
تذكر جمال أمرًا آخر، فنظر إليه متسائلًا:
- عامر، ألم تكن تريد أن تخبرني شيئًا؟
ظهر بعض التوتر على ملامح عامر، فتردد قليلًا قبل أن يجيب:
- أممم... هل أنت متفرغ الآن؟
نظرت نادية إلى ابنها، ولاحظت تردده، فأجابت بدلًا عنه:
- نعم يا بني، إنه متفرغ. اذهب وصلِّ ثم تعال وأخبره بما تشاء.
أومأ عامر برأسه:
- حسنًا.
بعد خروجه، نظر جمال إلى زوجته باستغراب:
- ما الشيء الذي يريد إخباري به؟ ولا تقولي إنك لا تعلمين.
قلبت نادية شفتها السفلى نافية:
- لا أعلم يا جمال، هل تراني عرّافة؟
هز جمال رأسه باستسلام:
- استغفر الله... هل قلت شيئًا؟
استلقت نادية على فراشها وهي تغلق عينيها:
- لا، لم تقل شيئًا... وأطفئ النور، أريد أن أنام.
***____****____***
كان يمسك الهاتف بين يديه، ينتظر مكالمةً طال انتظارها. أخذ يجوب أرجاء الغرفة ذهابًا وإيابًا، وعيناه لا تفارقان شاشة الهاتف كل دقيقة، وكأنها تحمل الإجابة التي ستحدد مصيره.
جلس أخيرًا على المكتب، ووضع وجهه بين كفيه محاولًا تهدئة اضطرابه، لكنه قفز بفزع عندما رن الهاتف فجأة.
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يجيب، محاولًا إخفاء توتره:
- أجبني... ما الأخبار؟
ساد الصمت للحظات من الطرف الآخر، مما زاد قلقه وتوتره، حتى جاءه الصوت أخيرًا:
- إنه يمهلك إلى الغد فقط، لأنك وصلت متأخرًا إلى هنا... لكن إن لم تنجز ما أمرك به، فسوف ينتهي منك.
ابتلع شريف ريقه بصعوبة، وشعر بقبضة الخوف تضغط على صدره، ثم أنهى المكالمة دون أن يضيف كلمة.
أمسك هاتفه مرة أخرى، واتصل برجاله، وبدأ يعطيهم التعليمات اللازمة، موضحًا لهم ما يجب عليهم فعله بدقة. وبعد أن أنهى حديثه معهم واتفق على كل شيء، سمع صوت زوجته وهي تبحث عنه.
أعاد ترتيب ملامحه سريعًا، ونظم أنفاسه قبل أن يجيب بصوت مرتفع قليلًا يخفي خلفه توتره:
- أنا في المكتب يا أحلام.
دخلت أحلام بخطوات مترددة، واتجهت نحوه، فنهض من مكانه وأجلسها على كرسيه:
- ماذا هناك يا أحلام؟
جلست أمامه شاردة، وكأن هناك أمرًا يشغل تفكيرها، ثم رفعت عينيها إليه:
- هل أستطيع الذهاب عند مروة الآن؟
جلس بجانبها على طرف الكرسي، ووضع يده على كتفها بحنان:
- نعم، تستطيعين، لكن غدًا، فالوقت متأخر قليلًا الآن.
ارتمت بين ذراعيه بعاطفة كبيرة، فبادلها العناق، لكنه بقي غارقًا في أفكاره وتوتره.
ابتعد عنها قليلًا ثم تحدث بهدوء:
- هيا، لنخلد للنوم، فغدًا لدينا سفر شاق.
أومأت أحلام بطاعة:
- حسنًا.
***____****____***
خرجت بيسان من غرفتها بعد أن أخذت حمامًا منعشًا، وجلست مع البقية في الخارج بعدما وضعت نيسان في فراشها.
أشارت إليها خالتها بالجلوس بجانبها، فاستجابت لها. نظرت بيسان حولها باستغراب، فقد لاحظت أن عمر وغزل صامتان على غير عادتهما، والأغرب من ذلك نظراتهما المتجهة خلفها.
عقدت حاجبيها بتساؤل، ثم استدارت بجسدها نحو مصدر اهتمامهما، لتجد نيسان واقفة خلفها.
نهضت بسرعة واتجهت إليها بقلق، وأمسكت وجهها بين يديها:
- ما الذي أيقظك؟ هل أنتِ بخير؟ هل هناك شيء يزعجك؟
أشارت نيسان بالنفي، ثم أمسكت يدها وسحبتها نحو الأريكة، وجلست بجانبها.
نظرت إليها بتردد، وكأنها تخشى ردها:
- أريد أن أطلب منكِ طلبًا... لكن أرجوكِ وافقي.
ابتسمت بيسان وقبّلت مقدمة أنفها بحنان:
- اطلبي مني أي شيء يا نيسو.
ترددت نيسان قليلًا قبل أن تتحدث:
- الطبيب عامر عرض علينا الخروج غدًا إلى مزرعة الخيول الخاصة به، وأريد الذهاب إلى هناك... أتمنى أن تسمحي لي بذلك.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.