ما بين تهمةٍ وحقيقة
كاد عامر أن يتحدث، لكنه تدارك نفسه سريعًا، وكأنه يخشى أن يفضح ما يدور داخله، ليحاول تغيير مجرى الحديث:
- أظنني... من التي أخذت عقلي.
تحدث آدم وهو يلوي فمه للجانب الآخر بسخرية:
- أمي.
نظر اليه عامر محاولًا رسم الاستغراب:
- رحمها الله، لكن حقًا من تقصد؟
نهض آدم وهو يتناول كأس الشاي بهدوء:
- بيسان يا رجل، هل أُعجبت بها؟ أو هل هناك شيء بينكما؟ أنت لم ترَ نظراتك نحوها.
اجابه عامر بتوترٍ حاول إخفاءه:
- من أُعجب بمن يا هذا؟ لا، لا، عن أي إعجاب تتحدث أنت؟
ابتسم آدم بملاعبة وهو يراقب ارتباكه:
- حقًا؟ هذا أفضل.
سأله عامر باستفهام حقيقي:
- أفضل في ماذا؟
أجابه آدم وهو يبتسم بخبث:
- لأنني معجب بها يا صديقي.
اتسعت عينا عامر بصدمة للحظة، قبل أن يحدق به بعدم تصديق:
- ماذا؟ حقًا؟
هتف آدم وهو يكاد يفشل في كتم ضحكته:
- إنني أقول الصدق، لقد أعجبت بها ونحن في وسط البحر، إنها جميلة حقًا، يمكنك القول إنه إعجاب من أول غرق.
أجابه عامر بضيق حقيقي وهو يهز رأسه:
- كفاك تغزلًا يا هذا، قل الحقيقة يا آدم.
تحدث آدم وقد انفجر ضاحكًا وهو يقلده:
- عن أي إعجاب تتحدث أنت؟ أقسم بمن أحل القسم أنك معجب بها، إن لم تكن قد أحببتها بالفعل.
نظر اليه عامر وهو يزفر الهواء بضيق:
- آدم، نحن هنا في السجن وأنت تتحدث عن الحب، اصمت، أرجوك.
تنهد آدم بأريحية وهو يجلس بجانبه واضعًا قدمًا فوق الأخرى، ويديه خلف رأسه:
- أريد أن أخبرك الحقيقة، إنني معجب بتلك السمجة، الآنسة غزل.
عقد عامر حاجبيه وهو يلتفت إليه:
- الآنسة غزل؟ أرى أنك انت من وقع في الحب، لكن لِمَ الشتائم؟
أجابه آدم وهو ينظر أمامه بشرود:
- أظن ذلك، كلما رأيتها لا أعلم ماذا يحدث لي، أشعر برغبة في إخفائها عن أعين الجميع.
ابتسم عامر رغمًا عنه، فقد شعر أنه يرى أمامه نفس المشاعر التي يحاول إنكارها:
- إذن أخبرها بما تشعر، لا تكتم الأمر في قلبك حتى لا تضيع فرصتك.
هتف آدم بضيق وهو يعتدل في جلسته جيدًا:
- إنها لا تتحمل وجودي، لا أعلم لماذا هي هكذا.
خاطبه عامر وهو يربت على قدمه :
- صدقني، أخبرها بما تشعر، ولا تسمح لأي شيء أن يقف في طريقك.
سألع آدم وهو ينظر إليه بابتسامة جانبية:
- وأنت؟
اجابع عامر باستغراب:
- وأنا ماذا؟
تحدث آدم وهو يراقب ملامحه:
- أنت أيضًا لديك شيء تخفيه، لا تقل لي إنك لا تشعر بشيء.
توتر عامر وهو يصرف نظره بعيدًا:
- أنت لا تعلم شيئًا يا آدم، وحتى إن اعترفت بيني وبين نفسي، لا أظن أن والدي سيوافق.
اجابه آدم وهو يتنهد بقوة:
- أما زال على فكرته بأن تتزوج ابنة عمك؟
اجابه عامر باستسلام بينما ارجع ظهره للخلف:
- أظن ذلك، ذكرتني، أريد أن أجد لها وظيفة في المشفى.
سأله آدم باستفهام:
- لماذا؟ وما الذي تريده لها بالوظيفة؟
شأله عامر بعد أن انتهى من سرد ما حدث بينه وبين والده:
- فهمت الآن؟
اومأ آدم بتفهم حقيقي:
- أجل، أجل، سنجد لها إن شاء الله، لكن ألا تعلم من وراء ما نحن به؟
أغمض عامر عينيه للحظات ثم اجابه وهو يتنهد:
- ومن سيكون غيرها؟ إنها المافيا، ها قد بدأت متاعبنا معها.
زم آدم فمه بقلق حقيقي:
- وكيف سنحل ما نحن به؟
أجابه عامر بهدوء رغم القلق الذي بداخله:
- نعتمد على الله في هذا أولًا، ثم إن المحامي لن يتركنا بهذا الشكل.
توقف عن الحديث فجأة عندما التفت نحو الباب، فقد سمع صوت خطوات تقترب منهم، وبعد لحظات دلف شادي إلى المكان، تحدث شادي وهو يتجه نحو مكتبه:
- ما الأخبار يا رفاق؟
اجابه عامر وهو يسند رأسه على الكرسي بتعب:
- إنني نعس فقط.
اومأ شادي برأسه وهو ينظر إليهما:
- حسنًا، يمكنكم النوم، وفي الصباح سيأتي المحامي الخاص بك يا عامر، لكن أخبرني، من الأشخاص الذين أتوا قبل قليل؟
رد عليه عامر باختصار رافعًا كتفيه للأعلى ثم أخفضهم:
- بعض الأصدقاء.
ضحك شادي وهو يضيق عينيه بمزاح:
- ومنذ متى وأنت تصاحب الفتيات يا عامر؟ لم نعهدك هكذا.
أجابه عامر بضيق حاول إخفاءه رافعًا رأسه عن الطاولة:
- إنه صديق لي، والفتاة كانت معه فحضرت، هل هناك شيء آخر يا شادي؟
تحدث شادي بلا مبالاة:
- لا، لا يوجد شيء، هيا ارتاحا، لأن غدًا سيكون يومًا شاقًا.
بعد خروج شادي وقف عامر وهو يتذكر أنه أهمل صلاته بسبب ما حدث:
- لقد نسيت الصلاة تمامًا، فليسامحنا الله، هيا يا آدم، لنقضي ما فاتنا ونصلي العشاء.
__________**
بعد وصول بيسان وعمر إلى المنزل، توجه عمر نحو غرفة نيسان وهو يحملها بين ذراعيه، فقد غلبها النوم في الطريق، فوضعها برفق على السرير حتى لا يوقظها، ثم عدّل الغطاء عليها بحنان.
أردف عمر وهو يغلق الباب بهدوء:
- لقد كفت عن البكاء بأعجوبة، لا أعلم ماذا فعل لها حتى تتعلق به هكذا.
أجابته بيسان وهي تنظر نحو أختها النائمة:
- لا أعلم، إنها تقول لي إنها مدينة له بحياتها.
جلس عمر بجانبها، وقد بدت علامات التفكير على ملامحه:
- لكن هل تظنين أنه بريء؟
اومأت بيسان بأمل وثقة لا تعلم من أين جاءت بهم:
- أظن ذلك يا عمر.
احنى عمر زوايا فمه وهو يعبث بلحيته بشرود:
- أنا لا أظنه بريئًا، هدوؤه يجعلني أشعر بأن هناك شيئًا يخفيه.
نظرت إليه بيسان بضيق خفيف، فقد لم يعجبها حكمه السريع على شخص لم يعرفه جيدًا:
- ما الذي تتحدث به يا عمر؟ لا تظن بالآخرين سوءًا.
نظر إليها باستغراب من نبرة صوتها التي امتزج بها الغضب:
- ما بكِ يا بيسان؟ ماذا قلت حتى تغضبي هكذا؟ إنه مجرد رأيي.
حاولت بيسان أن تستعيد هدوءها، ثم غيرت مجرى الحديث:
- وإن يكن يا عمر، لا تظن بغيرك سوءًا، أخبرني، لماذا أصبحت تصرفاتك هكذا؟ خالتي اشتكت منك كثيرًا في الآونة الأخيرة.
أطلق عمر تنهيدة طويلة، ثم وضع رأسه على قدميها بتعب:
- لقد أحببت زميلة لي في الجامعة، إنها أصغر مني سنًا، لكنني اكتشفت أنها تحب ابن عمها.
نظرت إليه بيسان بحزن بينما بدأت تمسد شعره بحنان:
- لا تحزن يا عمر، سيبدلك الله بمن هي أفضل منها.
ابتسم عمر ابتسامة مليئة بالألم:
- لا أظن ذلك يا بيسان، لقد أحببتها حبًا حقيقيًا، وسأظلم الأخرى إن تزوجت بها وأنا ما زلت متعلقًا بها.
توقفت بيسان عن ما كانت تفعله تسأله:
- هل أنت متأكد من هذا يا عمر؟
اجابها وهو يحدق في الفراغ:
- نعم، كل يوم يقوم بإيصالها، حتى إنه يضع يده عليها ليبين للجميع أنها ملكه.
مدت يدها وهي تمسح دموعه التي حاول إخفاءها:
- ولماذا لم تخبرني من قبل يا عمر؟
اعتدل عمر في جلسته، ثم مسح وجهه محاولًا التماسك:
- لقد كنتِ بعيدة عني، وأيضًا زوج والدتكِ لم يكن يسمح بهذا.
تغيرت ملامح بيسان عند تذكرها لوالدتها وزوجها، وشعرت بثقل الذكريات يعود إليها:
- لا أعلم لماذا فعلت أمي هذا، إنه شخص سيئ حقًا، كانت نظراته لي تخيفني، وهذا ما شجعني على ترك المنزل.
احتضنها عمر بحنان مربتًا على ظهرها:
- لا تحزني يا عزيزتي، نحن هنا بجانبك، نحن عائلة، أليس كذلك؟
ابتعدت عنه قليلًا وهي تبتسم بحزن مثقل بالألم:
- نعم، ونعم العائلة التي توفرونها لي، انظر، خرجنا من مشكلتك وأتينا لمشكلتي، عدني يا عمر أن تقلع عن التدخين، إنه مضر بصحتك.
ابتسم لها وهو يقبل رأسها بحب وطاعة:
- أعدك يا بيسان، لكن أريني ضحكتك الرائعة أولًا.
ابتسمت له رغمًا عنها، بينما تنظر اليه برماديتيها اللامعة محاولة جعلها ابتسامة حقيقية:
- حسنًا، هل هكذا تم؟
اجابها بابتسامة صغيرة رغم انه شعر بدموعها:
- نعم هكذا تم جميلتي.
وقفت بيسان وهي تستعد للذهاب تهربًا للاختلاء بنفسها:
- حسنًا، أريد أن أذهب للنوم، لكن لا تفكر بتلك الفتاة كثيرًا، هل هذا واضح؟ صحيح، لم تخبرني اسمها.
تنهد عمر بحب وحزن حقيقيان:
- هبة، لكن لا يهم اسمها ما دامت لا تحبني.
نظرت إليه بيسان بحزن لحاله:
- عمر، أنت أخي، وأعلم جيدًا ما الذي تشعر به، من أجل نفسك حاول أن تنسى.
تنهد بقوة قبل أن يجيبها بقلة حيلة:
- حسنًا يا بيسان، هيا اذهبي للنوم، تصبحين على خير.
نظرت اليه قليلًا قبل ان تجيبه:
- وأنت من أهله.
__________**
بعد أن دلفت بيسان إلى الغرفة، وقفت أمام النافذة وهي تستعيد تفاصيل يومها، لم تستطع منع نفسها من التفكير بعامر.
هل حقًا أحببته يا بيسان؟ بعد كل هذا العمر من التحفظ والحذر، هل سمحتِ لقلبك أن يتعلق؟ لكن ماذا عن نيسان؟ من سيعتني بها ويتحمل مسؤوليتها وما تمر به؟
حتى وإن كان عامر يبدو لطيفًا معها، فهل سيبقى كذلك؟ هل سيحبها حقًا أم أن الأمر مجرد شفقة؟
وضعت يدها على قلبها وهي تتنهد بحزن، فقد كان ينبض بقوة كلما ذُكر اسمه أمامها، وكأن قلبها يعلن شيئًا تحاول هي إنكاره.
استغفرت ربها، ثم توجهت نحو المرحاض لتؤدي فرضها، وبعد أن انتهت من صلاتها عادت أفكارها إليه مرة أخرى، وتذكرت حديث عمر واحتمالية أن يكون عامر هو المسؤول.
أطالت السجود، ورفعت دعاءها إلى الله بقلب خائف ومتعلق:
"اللهم فرّج هم المهمومين وكرب المكروبين، اللهم أعد الطبيب عامر إلى أهله سالمًا غانمًا معافى من كل أذى، اللهم إن كان مخطئًا فهو عبدك وعاد إليك تائبًا، فاكتب له الرحمة والمغفرة، ويسّر عليه الحساب في الدنيا والآخرة، اللهم كف أنظارهم عن مساوئه واجعلهم ينظرون إليه بعين الرأفة والرحمة، اللهم اجعل عودته عاجلة غير آجلة وقريبة غير بعيدة، لتقر عين أمه ويهنأ قلب والده وتهدأ نفوس أحبابه، يا كريم يا أرحم الراحمين"
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!