دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 42 من 41
وضع القراءة:

حين يصبح الاعتراف بداية النجاة

توقف عمر في مكانه للحظات، وكأن الكلمات التي خرجت من عامر أوقفَت الزمن من حوله، اتسعت عيناه بصدمة واضحة بعدما سمع عرض الزواج، وكاد أن يندفع بالحديث، إلا أن آدم أسرع بوضع يده على فمه يمنعه من قول أي شيء، ثم أمسك بيده وسحبه بهدوء إلى خارج الغرفة قبل أن يفسد على عامر تلك اللحظة التي انتظرها طويلًا.
أما بيسان فبقيت واقفة في مكانها دون حركة، تنظر إلى عامر بابتسامة شاردة، وكأن عقلها ما زال يحاول استيعاب ما سمعته للتو. لم تكن تتوقع أن يأتي هذا الاعتراف بهذه السرعة، ولا بهذه الطريقة، خصوصًا بعد كل ما مرّا به من ألم وخوف وفقد.
لاحظ عامر صمتها الطويل، فبدأ القلق يتسلل إلى قلبه، رغم محاولته إخفاء توتره خلف ابتسامة هادئة:
- بيسان... هل سمعتي ماذا قلت؟
خفضت عينيها محاولة أن تبدو طبيعية، لكنها فشلت في إخفاء ارتباكها، بينما تابع عامر حديثه بصوت هادئ يحمل صدقًا كبيرًا:
- لا أريد جوابك الآن، أعلم أنني فاجأتك بهذا العرض، لكنني لم أستطع كتمان ما بداخلي أكثر. أريدك أن تعرفي شيئًا واحدًا فقط... أنني صادق في حبي لكِ. عندما أتحسن أريد أن أسمع جوابك، رغم أنني أشعر بأنني أعرفه، لكن خذي الوقت الذي تحتاجينه للتفكير.
ابتسم بخفة رغم التعب الذي يملأ ملامحه، محاولًا أن يخفف عنها ثقل اللحظة:
- لكن هذا لا يعني أنني سأترككِ بسهولة... إذا رفضتِ، ربما أحملكِ على كتفي وأهرب بكِ.
أنهى حديثه وهو يبتسم بتعب، ثم أشار لها نحو الباب:
- والآن يمكنكِ الخروج واستعادة هدوئك.
تحركت بيسان نحو الباب بصمت، وقلبها يخفق بقوة لم تستطع السيطرة عليها. وضعت يدها على المقبض، ثم التفتت إليه للحظة، فوجدته ينظر إليها بابتسامة ضعيفة تحمل كل ما عجز عن قوله.
فتحت الباب وخرجت، ثم أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها عليه، تأخذ نفسًا عميقًا محاولة أن تستوعب ما حدث، في تلك اللحظة اقترب عمر منها بضيق واضح، بينما نظرت إليه بارتباك:
- ماذا حدث؟
ضغط عمر على يده محاولًا التحكم بغضبه، ثم تحدث وهو يحاول أن يبقى هادئًا:
- بيسان... لقد سمعت كل شيء، أخبريني منذ متى بدأ هذا الأمر؟
انتبهت بيسان إلى وجود آدم بجانبه، فأمسكت يده وهمست برجاء:
- سوف أخبرك بكل شيء، لكن ليس هنا عمر... أرجوك.
أغمض عمر عينيه للحظة محاولًا تهدئة نفسه، ثم أمسك يدها وسار بها بسرعة، بينما حاولت بيسان مواكبة خطواته رغم تعبها الشديد.
وبسبب ضعفها المفاجئ تعثرت وسقطت أرضًا، فهرع عمر إليها وجلس على ركبتيه وهو يستغفر الله بخوف، ثم حملها بين ذراعيه وهو ينظر إليها بأسف.
ابتسمت له بضعف، وتعلقت برقبته محاولة طمأنته، بينما بقي هو شاردًا، يفكر في كل ما سمعه للتو...
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
دلف آدم إلى الغرفة بعد أن اختفى عمر وهو يحمل بيسان بين ذراعيه، ليجد عامر مغمض العينين وعلى وجهه ابتسامة هادئة، وكأن قلبه أخيرًا وجد شيئًا كان يبحث عنه منذ وقت طويل.
اقترب منه آدم بمشاكسة وهو يحاول إخفاء فضوله:
- لما تبتسم يا عامر؟
فتح عامر عينيه براحة، وما إن رأى صديقه حتى ابتسم له بحب:
- أهلاً أخي.
جلس آدم أمامه وهو يراقب ملامحه السعيدة، ثم تحدث بنبرة مازحة:
- أراك بخير يا أخي... خصوصًا بعد خروج الآنسة بيسان من هنا.
نظر إليه عامر باستغراب، ثم سأله بسرعة:
- هل رأيتها تخرج؟
أومأ آدم برأسه بالإيجاب، ليبتسم عامر قليلًا قبل أن يسأله بلهفة:
- كيف كانت ملامح وجهها؟ هل رأيتها؟
ابتسم آدم بمكر، فقد أراد أن يستدرجه لمعرفة ما حدث:
- أخبرني أنت أولًا... ماذا قلت لها حتى خرجت ووجهها بهذه الحمرة؟
تنهد عامر وهو يسترجع اللحظة، ثم أجابه بصراحة:
- لقد عرضت عليها الزواج.
رفع آدم حاجبيه بتفاجؤ مصطنع، ثم هز رأسه وكأنه مصدوم:
- حقًا يا رجل؟ ولم تخبرني؟ أيها الخائن.
ضحك عامر بسعادة رغم ألمه، ثم نظر أمامه وهو يشعر براحة لم يشعر بها منذ زمن:
- لأنني لم أعد أحتمل أكثر مما سبق... شعرت أنني يجب أن أخبرها.
تغيرت ملامح آدم قليلًا، ثم سأله بفضول حقيقي:
- وماذا كان جوابها؟
سكت عامر للحظات، ثم ابتسم بهدوء:
- لم أدعها تجيب... لا أريد أن أضغط عليها، سأترك لها كامل الحرية.
نظر إليه آدم بتوجس، وكأنه يخشى من القادم:
- أتمنى أن يكون كل شيء بخير.
ابتسم عامر بثقة رغم تعبه:
- لا تقلق... سيكون كل شيء بخير.
ثم تغيرت ملامحه قليلًا، وسأل آدم باهتمام:
- أخبرني، ماذا حدث بعد أن أصبت؟ هل تم القبض على العصابة؟
تنهد آدم بانزعاج قبل أن يجيبه:
- لا... تمكن الرئيس من الهرب، وكذلك شريف أثناء تبادل إطلاق النار، أما شادي فقد تم القبض عليه هو وبقية أفراد العصابة.
انقبض وجه عامر بغضب، وحاول أن يعتدل في جلسته متجاهلًا الألم، لكن آدم أسرع إليه يساعده:
- لا تفعل هذا عامر، لقد خرجت من موت محقق... لا تضغط على نفسك.
نظر إليه عامر بإصرار:
- أريد أن أقابل شادي.
هز آدم رأسه رافضًا:
- لا، أنت متعب، ولن أسمح لك بذلك الآن..
وقبل أن يكمل حديثه، انفتح الباب فجأة، لتظهر نادية بوجه شاحب وملامح مليئة بالخوف، وخلفها جمال الذي كان يسير بوهن مستندًا إلى فداء.
اقتربت نادية من عامر بسرعة، تتفحصه بعيني أم مرتعبة:
- بني، هل أنت بخير؟ هل يؤلمك شيء؟ كيف حدث هذا؟ لقد أخبرتك ألا تذهب...
حاول عامر تهدئة خوفها، وأعطاها نظرة سريعة لآدم بعدما فهم أنه أخبرهم، ثم أمسك يدها بحنان:
- ما كل هذا يا أمي؟ أنا بخير كما ترين، لا يوجد داعٍ لكل هذا البكاء والخوف.
أشارت نادية إلى الضماد الموجود على صدره، ودموعها تلمع في عينيها:
- وما هذا يا عامر؟ أرجوك لا تفعل هذا بي... ارح قلبي يا بني.
قبّل عامر يدها بحنان:
- أنا بخير أمي، لا تقلقي.
اقترب جمال وجلس أمامه، ينظر إليه بقلق الأب:
- كيف حالك يا بني؟
نظر عامر إليه ثم أجابه بهدوء:
- كما ترى يا أبي... أنا بخير.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يتحدث جمال بنبرة عتاب هادئة:
- لو أنني لم أتصل بآدم هذا الصباح، لما أخبرتنا بما حدث، أليس كذلك؟
تجنب عامر النظر إليه للحظة، ثم أجابه وهو يحاول التحكم بانفعاله:
- ليس الأمر هكذا يا أبي، لكن في النهاية كنتم ستعلمون.
تنهد جمال بقلة حيلة، فهو يعرف عناد ابنه جيدًا، بينما تقدمت فداء قليلًا وتحدثت بصوت يحمل صدقًا وندمًا:
- حمدًا لله على سلامتك يا عامر.
نظر إليها عامر لعدة ثوانٍ، وكأنه يحاول قراءة ما تخفيه خلف عينيها، ثم أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يجيب:
- شكرًا لكِ ابنة عمي... أخبريني، كيف حالك أنتِ؟ هل أنتِ بخير؟
ارتبكت فداء قليلًا وأجابته:
- أجل، أنا بخير... لقد اعتنت بي خالتي نادية جيدًا.
أغمض عامر عينيه للحظة بسبب الألم الذي سببه توتره، فانتبهت نادية إليه بسرعة:
- ما بك عامر؟ هل يؤلمك شيء؟
فتح عينيه ونفى بهدوء:
- أنا بخير أمي، لا تقلقي.
ثم نظر إلى آدم وسأله:
- أستطيع الخروج اليوم، أليس كذلك؟
ضحك آدم غير مصدق لما يسمعه:
- هل أنت واعٍ لما تقوله يا عامر؟
قاطعه عامر بابتسامة صغيرة:
- حسابك فيما بعد بسبب الاتصال الذي لا أعلم عنه.
حك آدم مؤخرة رأسه بتوتر:
- لم أستطع إخفاء الأمر عن والديك... كان شيئًا مستحيلًا.
عاد عامر ينظر إلى فداء، يحاول أن يعرف هل كانت مشاركتها مع العصابة حقيقية أم أنها كانت مجبرة، ثم تحدث بابتسامة مصطنعة:
- أخبريني فداء... ماذا كنتِ ستفعلين لو حدث لي شيء؟ أعني... لو مت مثلًا.
تغيرت ملامح فداء بحزن، وأجابته بسرعة:
- لا تقل هذا عامر، أطال الله عمرك... لن تفهم شعوري وقتها.
نظر إليها باستغراب:
- ماذا تقصدين؟
تنهدت فداء وأخفضت عينيها:
- لا تهتم يا عامر.
لكنه أصر، فهو يريد معرفة الحقيقة:
- كيف لا أهتم؟ برأيك لماذا سألتك؟
ابتسمت فداء بحزن:
- لا أعلم... لكنني كنت سأبكي كثيرًا و...
قاطعه جمال وهو ينظر إليهما بعتاب:
- ما هذا الكلام يا عامر؟ وأنتِ يا فداء، هل تتغزلون أمامي؟
ابتسم عامر بضيق مصطنع:
- أبي...
هز جمال رأسه:
- لا أبي ولا أمي، هيا ارتح الآن يا بني، هذا أهم شيء، وبعد أن تتعافى يمكنك إكمال حديثك.
كان آدم ينظر إلى عامر بصدمة، متسائلًا في داخله إن كان قد فقد عقله حقًا، فما الذي يفعله الآن؟
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
حرك آدم رأسه محاولًا طرد الأفكار التي تدور في ذهنه، ثم التفت إلى عامر بجدية:
- عامر، ارتح الآن... لا بد أنك متعب.
فهم عامر ما يقصده آدم، فاكتفى بابتسامة خفيفة وأومأ له:
- حسنًا آدم، لكنني أريد الخروج بسرعة.
نظر إليه جمال باستغراب، ثم سأله:
- هل تم القبض على العصابة أم ماذا حدث؟
انتبه عامر إلى ردة فعل فداء القوية عندما التفتت بسرعة نحو جمال، فرأى التوتر الذي ظهر على ملامحها، فابتسم بحزن داخلي قبل أن يجيبه:
- لا يا أبي، لم يتم القبض عليهم جميعًا، لكنني سوف ألاحقهم حتى أضعهم أمام العدالة.
ابتلعت فداء ريقها بصعوبة، وكأن كلماته أثارت خوفًا تخفيه، ثم حاولت رسم ابتسامة متوترة على وجهها.
أكمل آدم مطمئنًا:
- لا تقلق عمي، قوات الشرطة والأمن منتشرة، ولن يمر وقت طويل حتى تسمع أخبار القبض عليهم.
وقف جمال مستندًا إلى عصاه، ثم تجاوز فداء وهو يخاطب نادية:
- أنا بالأسفل يا نادية، إن أردتِ اللحاق بي.
ثم التفت إليها عندما لاحظ أنها لم تتحرك لمساعدته:
- هل هناك شيء يا فداء؟
كانت فداء غارقة في أفكارها، تتخيل المصير الذي قد ينتظرها، ولم تنتبه إلى ندائه، حتى ارتفع صوت جمال مرة أخرى:
- نعم عمي؟
نظر إليها بحنان وقلق:
- ما بكِ يا ابنتي؟
اقتربت منه بسرعة عندما وجدته واقفًا عند الباب:
- لا شيء عمي.
تأمل وجهها الذي فقد لونه، وسألها بقلق:
- هل أنتِ بخير فداء؟
أجابت بسرعة محاولة إخفاء خوفها:
- أجل عمي، أنا بخير... لا تقلق.
ثم سارعت إلى تغيير الحديث:
- إلى أين أنت ذاهب؟
ابتسم جمال بهدوء:
- إلى الحديقة بالأسفل.
وبعد أن أغلقت فداء الباب، التفتت نادية نحو عامر بعدما مسحت دموعها، وتحدثت بحنان:
- عامر، لا تفعل هذا بي مرة أخرى... سوف تقتلني قبل أن أرى أحفادي.
ضحك عامر بقوة دون أن ينتبه إلى ألمه، لكنه سرعان ما وضع يده على صدره وهو يغمض عينيه، فاقترب آدم منه بسرعة يتفقد جرحه:
- ماذا فعلت يا عامر؟
اقتربت نادية بخوف بعدما رأت الدماء التي ظهرت، ولامت نفسها:
- لماذا حدث هذا يا آدم؟ هل جرحه بخير؟ ليتني لم أتحدث.
طمأنها آدم وهو يحاول إخفاء ضيقه من تهور عامر:
- لا تقلقي خالتي، لم يحدث شيء خطير، لكنه فتح قليلًا بسبب ضغطه على نفسه.
أمسكت نادية يد ابنها وقبلتها بحنان:
- كن بخير يا بني... لا تضغط على نفسك، أرح قلب أمك قليلًا.
ابتسم عامر رغم ألمه، وعاد تفكيره إلى بيسان:
- لا تقلقي أمي... ثم إنك سوف ترين أحفادك قريبًا.
نظرت إليه نادية باستغراب، لكن ابتسامتها بدأت تكبر:
- ماذا تقصد؟ هل ما أفكر به صحيح؟
أومأ عامر برأسه مؤكدًا:
- أجل، ما تفكرين به صحيح.
وضعت نادية يدها على فمها بسعادة:
- حقًا؟ هل هي بيسان أم فداء؟
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

1 دوامة القدر 2 صدمة القدر 3 بين الغرق والنجاة 5 ابتسامةٌ بعد النجاة 6 ما قبل القرار 7 حين طرق القدر الباب 8 على أعتاب العاصفة 9 بين البراءة والتهمة 10 اعترافٌ لم يكتمل 11 ما بين تهمةٍ وحقيقة 12 حين يعجز القلب عن الإنكار 13 اولى الهزاىم 14 سؤال محير 15 سبيل الوصول 16 عيناكِ 17 بين الحلم واليقين 18 هل وقعت؟ 19 بين فرحة صغيرة وخوفٍ كبير 20 حين يختار القلب طريقه 21 عندما تتحدث القلوب بصمت 22 بين نبضِ الولادة، ورعبِ الفقد 23 حين يسبق الفقد اليقين 24 حزنٌ دفين 25 ما بين الحب والخذلان 26 همسات لا تُقال وقلوبٌ تُخفي ما تشعر به 27 قلوبٌ أنهكها الفقد 28 عودةٌ من بين المقابر 29 صفعة مدوية 30 رسالة وداع 31 جراح الرسائل الخفية 32 خبايا القدر 33 دوامة الحقيقة 34 صندوق مهم 35 تُنسَج الخيانة في الظلام 36 حينما تنكشف الأقنعة 37 ما وراء المجهول 38 بين القيود وصرخة القلب 39 حين يصبح الخوف اعترافًا 41 حين يعود الأمل من بين الركام 42 حين يصبح الاعتراف بداية النجاة 43 ما بين الخوف والإعتراف

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.