دوامة إعصار
دوامة إعصار
جزء 35 من 34
وضع القراءة:

تُنسَج الخيانة في الظلام

__________**
جلست غزل إلى جوار مروة، غارقةً في دوامة أفكارها، تستعيد في ذهنها كل ما حدث خلال الأمس، وكأن الأحداث تأبى أن تغادر ذاكرتها. امتدت أناملها المرتجفة نحو صورة بيسان، تلك التي كانت تحتضن نيسان بين ذراعيها، فتسللت إلى شفتيها ابتسامة صغيرة امتزجت بوجع الاشتياق، قبل أن تخونها دموعها وتهبط بصمت فوق وجنتيها.
لم تغفل مروة عن دموع ابنتها، فرفعت يدها بحنان ومسحتها برفق، لتندفع غزل في اللحظة التالية نحوها، تعانقها بقوة وكأنها تبحث بين ذراعيها عن شيءٍ يخفف ثقل قلبها.
احتضنتها مروة بحنان أمٍ تعرف وجع ابنتها دون أن تنطق، وأخذت تمرر أصابعها بين خصلات شعرها، بينما كانت تتمتم ببعض آيات القرآن بصوتٍ خافت، حتى بدأت أنفاس غزل تستعيد شيئًا من هدوئها.
ابتعدت غزل عنها قليلًا، ومسحت ما تبقى من دموعها، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة قبل أن تهمس بامتنان :
- شكرًا يا أمي.
ربتت مروة على وجنتها بمشاكسةٍ لطيفة، محاولةً انتشالها من حزنها :
- وما هذا الكلام يا غزل؟! هل أصبحتِ مؤدبة بعد رحيل بيسان؟
ضحكت غزل بخفة، لكنها ما لبثت أن زفرت بحزنٍ عميق، وأطرقت برأسها قبل أن ترد :
- اشتقت إليهم كثيرًا يا أمي...
رغم الألم الذي اعتصر قلبها، حاولت مروة أن تخفيه خلف ابتسامة هادئة، ثم عقبت برفق :
- لم يمضِ سوى يومٍ واحد على رحيلها.
رفعت غزل كتفيها بعجز، ثم أنزلتهما وهي تزفر بحرقة :
- أعلم... لكنني اشتقت إليها حقًا. ترى كيف أصبحت الآن؟ أشعر أنها تبكي كثيرًا بسبب نيسان... فهي متعلقة بها إلى حدٍ كبير.
استنشقت مروة نفسًا عميقًا حتى لا تنكسر أمام ابنتها، ثم خاطبتها بثباتٍ مصطنع :
- بيسان أقوى مما تتخيلين يا غزل... وستتمكن من تجاوز هذه المحنة، أليس كذلك؟
أومأت غزل برأسها موافقة، ثم رفعت عينيها نحو والدتها بتردد، قبل أن تستفسر :
- أمي... هل تظنين أنها ستسامح عامر يومًا ما؟ لو أنها تنظر إلى الأمر جيدًا، ستدرك أنه لم يكن له يد فيما حدث.
في تلك اللحظة وقع بصر مروة على عمر، الذي دخل إلى المنزل لتوه، فأجابته وهي تتابعه بعينيها :
- أظن أنها الآن تلوم نفسها أكثر مما تلومه على ما فعلته.
جلس عمر إلى جوارهما، فما إن لمحته غزل بطرف عينها حتى نهضت وهي تنوي المغادرة، لكنه أوقفها بصوتٍ يحمل شيئًا من المزاح :
- ماذا؟! هل إذا حضرت الملائكة، غادرت الشياطين؟
استدارت نحوه ونظرت إليه من فوق كتفها، ثم أجابته ببرودٍ لا يخلو من المشاكسة :
- بل إذا حضرت الشياطين، غادرت الملائكة.
رفع عمر حاجبيه، ثم خاطبها بنبرةٍ متصنعة للغضب :
- احترمي نفسك يا غزل، فمنذ الصباح وأنتِ لا تكفين عن استفزازي.
أطلقت ضحكة ساخرة، وهزت رأسها يمينًا ويسارًا قبل أن تعقب باستخفاف :
- أحترم نفسي؟! حقًا... هذا آخر الزمان!
تنقلت نظرات مروة بينهما بعتاب، ثم عقبت بنبرةٍ حازمة يغلفها الحنان :
- هل ستستمران هكذا، أم ستتوقفان أخيرًا عن هذا الشجار؟
أطرق عمر رأسه بندم، ثم توجه إليها معتذرًا :
- أمي... منذ الصباح وهي لا تكف عن توجيه الكلام الجارح لي. أقسم أنني لم أقصد ما فهمته، كل ما أردته أن تستيقظ من الحالة التي كانت تعيشها.
تنهدت مروة وهي تنظر إليه، ثم أشارت إليه بيدها قائلة :
- أليست هي أختك؟ إذًا انهض، وصالحها.
امتثل عمر لكلامها على الفور، ووقف باسطًا ذراعيه نحو غزل بابتسامة دافئة.
ظلت تحدق إليه لثوانٍ قليلة، قبل أن تسرع نحوه وتختبئ بين ذراعيه.
ابتسم وهو يطبع قبلة فوق شعرها، ثم همس بصوتٍ صادق :
- آسف.
ابتعدت عنه وهي تضربه على كتفه بخفة، ثم رمقته بعتاب :
- اصمت... لستَ أنت من يستحق الاعتذار، بل بيسان هي من تستحقه.
تنهد عمر بأسى، ثم قرص وجنتها برفق وهو يبتسم :
- حسنًا يا غزل... بالمناسبة، اتصل بي عامر اليوم وسألني عنها، فأخبرته أنها غادرت.
عقدت مروة حاجبيها باهتمام، ثم تساءلت :
- وكيف كانت ردة فعله؟
أطرق عمر رأسه، وانخفضت زوايا فمه بحزن قبل أن يجيب :
- ظل يسألني إلى أين ذهبت؟ ولماذا تركناها ترحل وهي في تلك الحالة؟ وكان يريد أن يعرف أين يمكن أن تكون الآن.
ارتسمت على شفتي مروة ابتسامة خفيفة بعدما ازداد يقينها بمشاعر عامر تجاه بيسان، ثم رمقت غزل بنظرةٍ ذات مغزى، لتبادلها الأخرى نظرةً مستفهمة وهي تعقد حاجبيها.
راقب عمر تبادل النظرات بينهما باستغراب، ثم تساءل :
- ما بكما؟ منذ قليل وأنتما تتغامزان وكأنكما تخفيان شيئًا عني!
انفجرت مروة ضاحكة وهي تهز رأسها نفيًا :
- لا يوجد شيء... أعطني الهاتف، أريد أن أطمئن على أحلام.
زفر عمر باستسلام، ثم ناولها الهاتف بعدما ضغط على زر الاتصال. .
__________**
في الوقت نفسه، كان شريف يجلس إلى جوار أحلام، يراقبها بصمتٍ وهي تغالب دموعها المنهمرة. كانت ملامحها شاحبة، وعيناها غارقتين في بحرٍ من الحزن، بينما اكتفى هو بمراقبتها بنظراتٍ أخفى خلفها ما لا تُفصح عنه ملامحه.
قطع الصمت صوت اهتزاز هاتفه، فمد يده إليه بهدوء. وما إن وقعت عيناه على الرسالة التي وصلته، حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة لم تدم سوى لحظات، قبل أن يكتب ردًا سريعًا إلى صاحب الرقم ذاته، ثم أعاد الهاتف إلى مكانه وكأن شيئًا لم يكن.
التفت إليها بعد ذلك، متقمصًا دور الرجل القلق عليها، وخاطبها بنبرةٍ يغلفها الحنان الزائف :
- عزيزتي أحلام... هل أنتِ بخير؟
استنشقت أحلام نفسًا عميقًا، ثم مسحت دموعها بأطراف أصابعها، قبل أن تنظر إليه بعينين أنهكهما البكاء وهمست :
- لا أعلم يا شريف...
أطرق برأسه بحزنٍ مصطنع، ثم تابع بنبرةٍ هادئة :
- وكيف لا تعلمين؟ أنتِ بخير، والآن ستنهضين وتذهبين إلى أختك مروة، ثم تحضرين بيسان إلى هنا.
ازدردت ريقها بتردد، وانخفض بصرها إلى الأرض قبل أن تجيبه بصوتٍ منكسر :
- لكن... بيسان لا تريدني بالقرب منها، ولا حتى أن تراني.
انعقد حاجباه وكأنه لم يفهم ما تقصده، ثم سألها باهتمامٍ مفتعل :
- ماذا تعنين؟
تنهدت بحرارة، وأغمضت عينيها للحظة، ثم بدأت تروي له بالتفصيل كل ما دار بينها وبين بيسان، وكل الكلمات التي سمعتها منها.
ظل شريف يستمع إليها بصمت، بينما راح يفكر في كل كلمة قالتها، قبل أن يقطعهما صوت رنين هاتفها.
تناول الهاتف سريعًا، ثم نظر إلى اسم المتصل، وما إن قرأه حتى قرّب الشاشة منها.
اتسعت عينا أحلام بلهفة، وسرعان ما التقطت الهاتف بأصابع مرتجفة، وضغطت على زر الإجابة وهي تهمس بارتياح :
- مروة...
وصلها صوت مروة من الطرف الآخر دافئًا ومطمئنًا :
- كيف حالك يا أحلام؟ هل أصبحتِ أفضل الآن؟
تنهدت أحلام بحزن، ثم التفتت إلى شريف، الذي أومأ لها بخفة وهو يهمس بأنها تستطيع الذهاب إليهم، فعادت ببصرها إلى الأمام، وأجابت بصوتٍ متردد :
- أنا بخير... نوعًا ما يا مروة.
توقفت لثوانٍ قليلة، وكأنها تجمع شجاعتها، ثم استطردت بخجل :
- مروة... هل يمكنني أن آتي إليكم؟
نقلت مروة بصرها نحو عمر، الذي كان يتابع حديثها بصمت، ثم عادت تخاطبها بابتسامةٍ هادئة :
- بالطبع يمكنكِ المجيء.
اعتدلت أحلام في جلستها بعدم تصديق، واتسعت ابتسامتها لأول مرة منذ وقتٍ طويل، قبل أن تستفسر بلهفة :
- حقًا؟! هل أخبرتكِ بيسان أنه يمكنني المجيء؟
هزت مروة رأسها نفيًا، ثم أوضحت لها بهدوء :
- لا... بيسان لم تخبرني بشيء، لأنها ليست هنا.
تلاشت ابتسامة أحلام في لحظة، وانعقد حاجباها بخوفٍ واضح، قبل أن تسألها بقلق :
- ماذا؟! أين ذهبت؟ ولماذا رحلت؟
أطلقت مروة زفرةً طويلة، بينما لمحت عمر يزفر بضيقٍ إلى جوارها، ثم أجابتها بصوتٍ هادئ :
- أرادت أن تبقى بمفردها لبعض الوقت... أما إلى أين ذهبت، فلا أحد يعلم.
أغمضت أحلام عينيها، ولم تستطع منع دموعها من الانهمار مجددًا، ثم فتحتهما بصعوبة وهمست :
- سأكون عندكم اليوم يا مروة... إن لم أسبب لكم أي إزعاج.
ابتسمت مروة بحنان، وسارعت إلى طمأنتها :
- لن تسببي أي إزعاج، بل على العكس... أهلًا وسهلًا بكِ.
تنفست أحلام براحةٍ نسبية، ثم أنهت الاتصال قائلة :
- حسنًا... سأذهب لأرتدي ثيابي. إلى اللقاء.
ما إن أغلقت الهاتف، حتى رمقها شريف بنظرةٍ متسائلة، قبل أن يستفسر بهدوء :
- ماذا حدث؟ ومن الذي رحل؟
أسرعت أحلام تلتقط بعض ثيابها استعدادًا للخروج، ثم أجابته وهي تتحرك داخل الغرفة :
- بيسان... أرادت أن تبتعد قليلًا لتجمع شتات نفسها... وأنا ذاهبة إلى منزل مروة.
التقط شريف هاتفه، ثم نهض من مكانه وهو يخفي ابتسامةً ماكرة خلف ملامحه الهادئة، قبل أن يخاطبها :
- إذًا هيا، سأوصلك أولًا، ثم أذهب بعدها، فقد طرأ لي عملٌ مهم.
أومأت أحلام موافقة، وهي ترتب حجابها أمام المرآة، ثم أجابته :
- حسنًا... لم يتبقَّ لي سوى دقائق قليلة.
***_____****_____***
كانت فداء تجلس إلى جوار جمال بعدما استعادت جزءًا من طاقتها، وما إن شعرت بأنها أصبحت قادرة على الوقوف حتى نهضت ببطء شديد، مستندة إلى طرف المقعد، بينما كان الوهن لا يزال واضحًا على ملامحها. راقبها جمال بعينين يملؤهما القلق، قبل أن يتساءل بهدوء:
- ما الأمر؟
ارتسمت على شفتي فداء ابتسامة خفيفة حاولت أن تبدو طبيعية رغم اضطرابها الداخلي، ثم أجابت:
- أريد الذهاب إلى المرحاض.
همّت نادية بالوقوف لمساعدتها، إلا أن فداء سارعت بإيقافها وهي تلوّح بيدها على عجل، وكأنها تخشى أن ترافقها:
- لا... لا، شكرًا لكِ خالتي... أقصد، لا تتعبي نفسك، أستطيع الذهاب بمفردي.
رمقتها نادية بنظرة يغلب عليها الاستغراب، لكنها لم تُرد إحراجها، فاكتفت بابتسامة هادئة وهي تومئ برأسها:
- كما تشائين يا ابنتي.
تحركت فداء بخطوات حذرة، تحاول أن تبدو طبيعية قدر الإمكان، بينما كانت تلقي نظرات خاطفة خلفها لتتأكد أن أحدًا لا يراقبها. وما إن وصلت إلى باب المكتب حتى أمسكت بالمقبض وفتحته ببطء شديد، ثم أغلقت الباب خلفها بحذر.
جالت عيناها سريعًا داخل المكان قبل أن تتجه مباشرة نحو الطاولة. انحنت قليلًا، وأدخلت يدها أسفلها، ثم أخرجت جهازًا صغيرًا كانت تخفيه. حدقت به لثوانٍ، بينما ازدادت أنفاسها اضطرابًا، ثم أخرجت جهازًا آخر مطابقًا له تقريبًا ووضعته مكانه بعناية شديدة.
تنهدت بعمق محاولة تهدئة نبضات قلبها التي أخذت تتسارع بصورة مخيفة، ثم أخفت الجهاز الذي بحوزتها داخل جيب بنطالها، واستدارت متجهة نحو الباب.
لكنها ما إن فتحت الباب حتى تجمدت في مكانها.
كان جمال يقف أمامها مباشرة.
اتسعت عيناها للحظة، وجف حلقها، وشعرت بأن الدم انسحب من وجهها، بينما أخذ قلبها يخفق بعنف حتى خُيل إليها أنه سيفضحها قبل أن تنطق بكلمة.
نظر إليها جمال باستفهام واضح وقد ارتسمت الحيرة على ملامحه، ثم سألها:
- فداء... هل هناك خطب ما؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأجبرت نفسها على الابتسام رغم التوتر الذي كان يفضح ارتجاف ملامحها، ثم دسّت يدها داخل جيبها لتخفي الجهاز بإحكام، قبل أن ترد بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
- لا يوجد شيء يا عمي... لقد نسيت ملفًا كان عامر يريدني أن آخذه، لكنني لم أجده.
تحرك جمال إلى داخل المكتب وهو ينظر حوله باحثًا، ثم التفت إليها مجددًا قائلاً:
- تعالي، أخبريني كيف يبدو شكله، وسأساعدك في العثور عليه.
شعرت فداء بأن الموقف يزداد خطورة، فسارعت بالإمساك بيده محاولة منعه من التقدم أكثر، ثم تحدثت بسرعة وقد ارتسم القلق في عينيها:
- لا... لا داعي لذلك يا عمي. سأطلبه من عامر عندما يأتي، فهو ليس ضروريًا الآن.
توقف جمال مكانه، ثم رفع كتفيه باستسلام وهو يبتسم ابتسامة بسيطة:
- كما تشائين... اذهبي لترتاحي يا ابنتي.
أومأت له سريعًا وغادرت المكتب، وما إن ابتعدت عنه حتى وضعت يدها فوق صدرها تتحسس نبضات قلبها التي كانت تقرع كطبول الحرب، وأطلقت زفرة طويلة امتزجت بالخوف والارتياح في آنٍ واحد، بينما تحسست الجهاز المخفي داخل جيبها، وكأنها تتأكد للمرة الأخيرة أن مهمتها قد نجحت دون أن ينكشف أمرها.
__________**
بعد مدة، توقفت سيارة عامر أمام مبنى أشبه بمستودعٍ قديمٍ مهجور، تحيط به مظاهر الخراب من كل جانب، بينما وصلت خلفه مباشرة سيارة آدم وشادي.
التفت عامر نحو بيسان، وقد ارتسمت على ملامحه الجدية والتحذير، ثم خاطبها بنبرة لا تقبل النقاش:
- لن تخرجي أبدًا من هنا... هل هذا واضح؟
رمقته بيسان بضيق، وقد راودها شعور بأنه يعاملها كطفلة صغيرة، لكنها اكتفت بهزة رأس خفيفة، بينما كانت تدس بطاقة الذاكرة داخل جيب فستانها بحذر شديد.
ترجل عامر من السيارة، واتجه نحو شادي الذي كان يتحدث مع أفراد المجموعة التي أحضرها، ثم سأله مباشرة:
- ما أول خطوة؟
ألقى شادي نظرة سريعة نحو آدم، فوجده يراقبه بصمت، ثم أعاد بصره إلى عامر مجيبًا:
- ستدخل الآن وتخبرهم أنك أحضرت جميع السندات والمستندات، وتحاول إطالة الحديث معهم قدر الإمكان... وخلال ذلك سنكون قد انتشرنا في أنحاء المكان بالكامل.
أخذ عامر نفسًا عميقًا، ثم تحسس سلاحه ليتأكد من وجوده في مكانه، وأحكم قبضته على الأوراق قبل أن يتجه بخطوات ثابتة نحو داخل المستودع.
في تلك الأثناء، ثبت آدم نظراته على شادي، الذي كان ممسكًا بهاتفه ويبدو منشغلًا بمراسلة أحدهم.
اقترب منه ببطء، وقد تسلل الشك إلى قلبه، وما إن شعر شادي به حتى أنزل هاتفه سريعًا.
ضيق آدم عينيه أكثر وهو يسأله بريبة:
- لماذا لست مطمئنًا لك؟
بدت الدهشة على ملامح شادي قبل أن يجيبه بهدوء مصطنع:
- ماذا تقصد يا آدم؟
أشار آدم إلى الهاتف الذي أخفاه للتو، ثم أردف:
- إذًا... لماذا أنزلت هاتفك بهذه السرعة؟
ابتسم شادي ابتسامة باهتة، ثم رفع الهاتف أمامه قائلاً:
- لأنني انتهيت منه.
استمر آدم في التحديق إليه بعينين مليئتين بالريبة، بينما تجاوز شادي جواره، وانحنى قليلًا هامسًا بالقرب من أذنه:
- لا تقلق... ستكون بأمان.
لم يتمكن آدم حتى من الالتفات إليه، ففي اللحظة التالية، تلقى ضربة قوية خلف رأسه، فتشوشت رؤيته، وترنح في مكانه، ثم أغمض عينيه ليسقط فاقدًا للوعي.
كانت بيسان تتابع كل ما يحدث من داخل السيارة، التصقت ببابها بقوة، وأخذت ترتجف خوفًا، وهي تحاول بكل ما تملك ألا يصدر عنها أي صوت قد يكشف وجودها.
وفجأة، توقفت سيارة أخرى أمام المستودع، رفعت بصرها نحوها، وما إن رأت الرجل الذي ترجل منها حتى اتسعت عيناها بصدمة.
كان شريف! تقدم بثقة نحو شادي، ثم صافحه بحرارة، أسرعت بيسان بخفض جسدها داخل السيارة حتى لا يلمحها أحد، بينما وقف شادي بجوار سيارة عامر وهو يتحدث مع شريف، ثم أشار برأسه نحو داخل المستودع قائلاً:
- أجل يا سيدي... إنه بالداخل.
ارتسمت على شفتي شريف ابتسامة مليئة بالشر وهو يرد:
- لقد حفر قبره بيديه... هل أنت متأكد أنه أحضر جميع الأوراق والمستندات؟
أومأ شادي بثقة كاملة:
- أجل يا سيدي... وأخبرني أيضًا أنه لا يحتفظ بأي نسخة منها.
ربت شريف على كتفه برضا، ثم أخرج سلاحه من بين ثيابه وتحرك نحو الداخل، شحب وجه بيسان، واتسعت عيناها أكثر وهي تدرك حجم المؤامرة التي نُصبت لعامر.
تبعتهم بنظراتها حتى اختفوا داخل المستودع، ثم أسرعت تحاول فتح باب السيارة، لكنه كان مغلقًا بإحكام.، ضربته بغضب وعجز، ثم أخذت تبحث بعينيها عن أي شيء يساعدها على الخروج.
جالت بنظرها داخل السيارة، حتى وقعت عيناها على هاتف عامر، التقطته بسرعة، وأخذت تدعو الله أن يكون غير محمي بكلمة مرور.
وما إن وجدت الشاشة مفتوحة، حتى أطلقت زفرة ارتياح، ثم ضغطت عدة أرقام، ورفعت الهاتف إلى أذنها تستمع إلى رنين الاتصال.
««::::::::::::::-:::::::::::::»»
في الجهة الأخرى، كان عمر يتحدث بغضب مع والدته بسبب مجيء أحلام إلى منزلهم، إلا أن رنين هاتف عامر قاطعه.
عقد حاجبيه باستغراب وهو ينظر إلى اسم المتصل، ثم ضغط زر الإجابة قائلاً:
- أهلًا يا عامر.
وصل إليه صوت بيسان المرتجف وهي تكاد تبكي:
- عمر... أرجوك، تعال بسرعة.
أبعد عمر الهاتف عن أذنه ليتأكد من اسم المتصل، ثم أعاده بسرعة بعدما ازداد استغرابه، وهو يسمع بكاءها:
- اهدئي يا بيسان... أخبريني ماذا حدث؟ وكيف وصل هاتف عامر إليك؟
أجابته وهي تبكي بانهيار:
- إنها قصة طويلة يا عمر... لكنهم يريدون التخلص من عامر.
انتفض عمر في مكانه، وسألها بقلق بالغ:
- من الذي يريد التخلص منه؟
ألقت بيسان نظرة نحو الرجلين اللذين كانا يحملان آدم، وهو فاقد للوعي، ثم همست بسرعة:
- هل تعرف شريف... زوج أمي؟ إنه هو يا عمر... ومعه الضابط أيضًا... لقد أفقدوا آدم وعيه، وها هم يأخذونه إلى الداخل.
تجمد عمر للحظة، ثم سألها سريعًا:
- هل آدم فاقد للوعي الآن؟
شهقت غزل، التي كانت بالقرب منه، بخوف، فالتفت إليها باستغراب، لكنه عاد يركز مع بيسان التي أجابت:
- أجل... وأنا ما زلت داخل السيارة، ولا أستطيع الخروج.
أخذ عمر نفسًا عميقًا، ثم اندفع خارج المنزل وهو يخاطبها بحزم:
- خذي نفسًا عميقًا يا بيسان... ولا تخرجي من السيارة مهما حدث.
هزت رأسها بنفي، وقد غلبها خوفها على عامر:
- لا أستطيع يا عمر... عامر بالداخل... أريد الخروج.
أجابها بقلق واضح:
- بيسان، لا تتهوري... أرجوكِ، ابقي مكانك. أرسلي لي الموقع فورًا، وسآتي مع الشرطة... اتفقنا؟
نظرت حولها تبحث عن أي وسيلة، ثم همست:
- حسنًا... سأرسله، لكن لا تتأخر.
رد بسرعة وهو يرتدي ثيابه:
- لن أتأخر... فقط أسرعي بإرساله. أنا متجه الآن إلى مركز الشرطة.
أغلقت بيسان الهاتف، ثم أرسلت موقعها إليه، ومسحت دموعها التي غشت عينيها.
أنزلت بصرها أسفل مقعد عامر، فوجدت قطعة حديد طويلة، أمسكتها بكلتا يديها، ثم وجهت بها ضربة قوية إلى زجاج النافذة.
تناثر الزجاج في كل اتجاه، فأغمضت عينيها بقوة بعدما أصابت الشظايا وجهها، ثم أمسكت بسترة عامر الموجودة داخل السيارة، وأخذت تزيل بها ما تبقى من قطع الزجاج الحادة.
وبعد أن تأكدت من اتساع الفتحة، تسللت بحذر عبر النافذة، وما إن وقفت خارج السيارة حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، فقد نجحت أخيرًا في التحرر.
تقدمت نحو المستودع بخطوات حذرة، ثم صعدت السلالم ببطء، حتى وصل إلى سمعها صوت رجال يتحدثون في الداخل.
ابتلعت ريقها، وأحكمت قبضتها على قطعة الحديد التي أخذتها معها، ثم تقدمت أكثر.
أطلت بحذر، كان أحد الرجال يقف وظهره لها، رفعت قطعة الحديد عاليًا، تستعد لتوجيه ضربة قوية إليه...لكن الرجل استدار فجأة، موجهًا سلاحه نحوها.
تجمدت يداها في الهواء، واتسعت عيناها بدهشة، لقد كان...عامر.
خفض عامر سلاحه بسرعة، وحدق بها بقلق شديد وهو يهمس بغضب:
- لماذا خرجتِ يا بيسان؟! هل جننتِ؟
ابتسمت بيسان بارتياح، وقد غمرتها السعادة لرؤيته سالمًا، ثم أسرعت تقول:
- أنت بخير... لقد خفت أن يؤذوك... لقد أخذوا آدم إلى هنا.
أطلق عامر زفرة هادئة، ثم ألقى نظرة سريعة حوله قبل أن يهمس:
- أعلم... لقد شككت في شادي منذ البداية... تعالي.
اقتربت منه فورًا، فأردف بصوت خافت:
- اتبعيني... ولا تصدري أي صوت.
أومأت برأسها وهمست:
- حسنًا.
تحرك عامر بخفة بين الممرات، يراقب تحركات المسلحين المنتشرين في أنحاء المستودع.
وما إن لمح مكانًا صغيرًا بعيدًا عن أنظارهم، حتى اقترب منها وهمس:
- تعالي... اختبئي هنا، ولا تخرجي أبدًا.
نظرت إليه بعينين امتلأتا بالقلق، ثم سألته:
- وأنت؟
ابتسم ابتسامة مطمئنة رغم خطورة الموقف، ثم أجابها:
- لا تقلقي... أستطيع تدبر أمري.
جلست بيسان في مكانها، وضمت كفيها أمام صدرها، وأخذت تدعو الله بحرارة ألا يصيب عامر أي مكروه، أما عامر، فوقف خلف أحد الأعمدة، ممسكًا بسلاحه، ثم بدأ يتحرك بحذر مبتعدًا عن مخبئه.
مرت دقائق بدت لها كأنها سنوات، رفعت بيسان رأسها تبحث عنه، لكنها لم تجده، دب الذعر في قلبها، فنهضت من مكانها، وبدأت تتقدم بحذر وهي تبحث عنه بين الأعمدة.
وما إن تجاوزت أحد الممرات حتى وجدته يقف أمامها، تنفسّت الصعداء براحة، لكن ملامح عامر اشتدت غضبًا وهو يهمس بحدة:
- لماذا خرجتِ يا بيسان؟! ألم أخبرك ألا تتحركي؟
همّت بالإجابة...لكن عينيها اتسعتا فجأة، وقد انعقد لسانها من شدة الرعب، كان هناك رجل يقف خلف عامر مباشرة...يرفع سلاحه...ويوجهه نحوه.
شهقت بيسان بكل ما أوتيت من قوة، وارتفعت يداها تلقائيًا إلى فمها، بينما مزق صوتها سكون المكان وهي تصرخ:
- عــــــامر!
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.