بلوبيل
اللَّهُمَّ بِلادَ الْمُسْلِمِينَ.
♧
«سأعود معك.»
همست تسير بمحاذتي، ولم أعلق أشغل عيوني بالطريق الترابي، متعرج، اتجنب حفرهُ وأصعد تلالهُ،
طريقٌ لو عبرهُ مهندسٌ لهدم الحي وأعاد تشكيلهُ من الصفر،
ولم تكن العلّةُ بالطريق وحده، بل حتى البناية بدت عجوز، عجوز ارتد إلى أرزل العمر دون أية صيانة،
فقد نفحة رياح تمر عليه وتتهاوى..
«ألست قاسيًا بعض الشيء؟»
لم أدرى أتقصد في العمومِ أم عمّا تلفظت بهِ من دقائقٍ مضت.
«ليريقوا دمائهم، إلى أن يجف نَجِيعهم.»
لم أقصد التحريض فعليًا إلا أن الدم قِصاص.
«الفريق سيذهبن إلى إحدى المراكز التجارية.»
نبذت بعد صمتٍ قصير.
«أظن أنستاسيا ستتذمر من جودة الملابس،
ولا شك أن إيلاريا ستصرخ حماسةً كل ثلاث ثوانٍ!»
فكت رباط شعرها الأشقر تهزهُ بعنف لينسدل على كتفيها.
«لن أتحمل ازعاجهم.»
بجدية؟
رفعت حاجبًا أنظر نحوها لتهز رأسها باستفهامٍ بريءٍ لا يشبه صنيعها.
«ماذا؟»
«لن تتحملي ازعاجهم، فأتيت تزعجيني؟!»
عضت شفتيها، تعتذرُ بخفوتٍ؛ فأدرت رأسي صوب الطريق ولمحتها تخرج هاتفها تتصفحه بينما تمشي.
إن مرت سيارة أو حافلة وصدمتها لن أحرك ساكنًا وإن عنى ذلك موتها.
واحد لأنها تكره الهاتف أساسًا ولا تملك شيء تتابعه -على حد قولها-.
اثنان لأنها مدربة على الانتباه بسمعها إن كانت عيونها مشغولة.
«أورابيدا!» صرخت تصمُ أذني لأتنهد ملتفتًا لها برأسي
«عساهُ خيرًا يا آنسة؟ خلّتُ أن شاحنةً ستسحق عظامي!»
نبذتُ مستنكرًا علو صوتها
«لقد اتخذت قراري!»
صرخت وقبل أن تكمل قراراها المزعوم قطعتها
«أهو ثقب طبلة أذني؟!»
«لا!»
صرخت مجددًا تتوقف عن المسير.
استدرتُ لها بكامل جسدي أواجهها.
«يا هذه، اتخذي من القرارات ما تشأين.
لكن ما الحكمة في الصراخ؟!
هل شكيت لك سمعي؟!»
تأفأفت كما طفلة بالثلاثة انتزعت منها حلواها!
«هل أصطحب راشدةً أم ابنة أختي ذات الثلاث أعوام!»
«أربد إنها الحماسة! شيءٌ لا تعرفه أنت.»
الكائن الكسلان قرر تقليد أقرانه من البشر واستخدام مصطلاحتهم الواهية كحجة ازعاج.
«من سمح لك باختصار اسمي هكذا؟»
رمشت،
«بنجامين يفعل، وكذلك رونان وروين،
أحرامٌ عليّ حلالٌ عليهم؟!»
«بنجامين متطفل حياتي يعيش طفولة متأخرة، ورونان وروين أبنائي، حضرتكِ ما حشركِ بيننا؟!»
كأنها تذكرت اليوم الحاجز الذي بيننا كفريق وعليها كسره أو ما شابه؟!
«ابنة أختك كما قلت من ثانيةٍ.»
«على أساس لدي أخت أنا مثلًا؟»
«المهم اسمع قراري»
«اطربيني»
«أغني لك؟»
«أهذا قرار أم سؤال؟»
«بل تنفيذ أمر قائد.»
بجدية، لتنشق الارض وتبتلعها وفي البراكين تحرقها!
اكتفتيت بنظرتي لها كردٍ، فقط ما صنيعي الشنيع لأُحشر مع هرائها؟!
«اه لا تقتلني،
فقط قررت أن ابيع شحمة أذني.»
قذفتني بقرارها
«من اين خرج هذا؟!»
«انها بـ 200 ألف دولار!»
«هل تنتظرين مني أن أشفق عليك واعطيك مالًا أم أهديك شحمة اذني لتبيعيها؟»
لمَ هذا الحوار لازال مستمرًا؟
ماذا عن لسانها؟ أقطعه وأربح ثمنه وراحتي كذلك..
أوه لا، بل تأتي معي لكي لا أتعرض للاحتيال!
ولكن لحظة أنت عبقري، إن بعت معي شحمة أذنك سنكون أغنياء!»
«ما بك جادة؟ ابقيها..»
برأيي هي تستحق أن يُحتال عليها!
«ماذا أفعل بها؟»
سألت تتلمس شحمة أذنها لا ترى لها أية قيمة.
«تضعين بها قراطًا أو ما شابه..»
ردت أرفع كتفاي لا علم لي بأهميتها الحقيقية..
«وأنت لم تُبقى شحمة اذنك؟»
«هاه!»
سؤالها وجيهٌ حقًا،
لن أضع قراطًا ولستُ مهتمًا بمعاير الجمال التي لن تؤثر عليها غياب شحمة أذن.
ماـ التفكير الأخرق هذا؟!
من الجيد أنها ابتلعت لسانها، ومضت بصمتٍ.
وخلال حورانا الساذج كنا قد خرجنا من الحي ذاك وانخرطنا في شارعٍ امتلئ بالمحالات المتنوعة،
ومن ضمنهم محل مجوهرات،
سبقتني الخطى تقف أمام زجاج المحل الذي يفصلها عن مجموعة القلادات مختلفة الشكل.
«أهذا العقد الذي كنت ستبيعين شحمة اذنك لاجله؟»
قلبت عيونها بملل أو ربما احراج.
وقفت بمحازاتها أعاينهُ، جناحين ذهبيين اللونِ مضمومان على على حجرٍ قرمزيٍّ بهيئة قلبٍ بشري،
بدى كأنه حقيقي.
«تقريبا أحدهم باع قلبه ليحنط هنا، تُرى ما الثمن الذي قبضهُ؟»
لعلهم دفنوه في قبرٍ من ذهب.
«رأيته متدليا من عنق أمي... يوم حَطَمها الرُكام.
أتظنها قد تكون حيةً بعد جُل ذلك؟»
أوه _
«لا تسقطي نفسكِ بوهمٍ فتكسركِ الحقيقةُ بدل المرة عشرة..»
كم يومًا ستبحثُ عنها ولا تجدها، تتشبثُ بصورةٍ لن تكتمل يومًا..
ثم بعد جُل الأمل الذي تضعهُ بالأمر تأتي الحقيقةُ لا تحمل من الانسانيةِ قدرًا وجزاءُ الأمل الواهي خيبةٌ تحرق العظام رمدٌ..
«أترغبين به؟»
سألتُ أصرف تفكيرها.
لكن ألن يكون مجرد ميثاقٍ لها بذكرى ذلك اليوم،
قيدٌ يعيدها للذكرى كل كرةٍ؟
لم ترد على أية حال تكتفي بالشرود به،
تحفظه ربما؟
«أريد أن اريك شيئًا» قالت بصوتٍ متقطع،
ولا أدري أين حلق كسلها بمثل هذه الأوقات.
شاهدوا أرسولا التي كانت تحتفظ بطاقتها في الرمش حتى! تمشي وتتحدث وتصرخ!
هل أدركت أن لا وريث لطاقتها؟!
«تحققين مُرَادَاتك اليوم فيَّ!»
عبثت بهاتفها تقلب الصور سريعًا تتجاهل جملتي.
اهتز هاتفي بيدي
لأجيب،
«يبدو أنني وجدت فردًا من عائلتي،
أتظن سيقبل بي؟»
ااه ـ
قربت هاتفها إليها تبرم شفتيها،
ربما الهاتف بذاته قريبها..
وتناهى إليَّ صوت آش بعصبيته المعتادة هذه المرة..
«إن تجاهلنا ازعاجك اليوم،
فحرفيًا أنتِ لا تحركين ذرة غبار،
لا سبب لرفضك، لكن الرفض..»
«لكن الرفض واقع ليس لشيءٍ إلا لأنها الحياة!»
آش صرخ ببقية الجملة عوضًا عني وما كان مني إلا تقريب الهاتف من أذنها لتسمعه..
أخرجتُ بطاقتي البنكية،
«هدية عثورك على فرد..»
همستُ لها أمد البطاقة لتتسع عيونها
وتبتسم، لأول مرةٍ بحياتها ربما؟..
انتشلتها مني، تضع هاتفها بيدي.
«عليك إذن أن تكون أول من يتعرف عليه!»
ركضت تدلف المحل وحين أمسكت بالباب تفتحه استدارت لي.
«205210» وأتمنى أن تنسى الرمز السري بعد أن تخرج.
«أورابيدا هل أنت معي!؟»
آش صرخ عبر الهاتف،
بدأت أتيقن أن خللًا عطب أذني فبتُ أسمع الأصوات مرتفعةً..
«تسلمتم مهمةً مختلة أكثر من المعتاد،
لحظة.. وتلك الفتاة المتخلة لمَ حُشرت معكم بالفريق؟!»
دماغي للتو أدركت حديثه..
«بالتأكيد لزيادة خلل الموقف!
ليست هذه المشكلة الوحيدة،
الأمر بجُلّهِ مبهمٌ بطريقةٍ سخيفة!»
عيناي لا تدرك ما تقرأه..
حتى أنارت فكرةٌ ما بعقلي..
«اللعـ »
«لا تلعن، أنت أب!»
آش قاطعني وكأن الأمر جدّيٌّ بالنسبة له.
«أخبرني ما نسب القرابه في تحاليل الحمض النووي،
مثلا الأب وابنته، الأخ واخواته؟»
سألتُه أعضُ شفتي
«بين الأب وابنته قد تصل إلى 99 بالمئة..»
كدتُ اتنهد راحةً،
ثم لحظة ادراك باستحالة أن أكون والدها..
«بين الاخوة تزيد عن 50% تقريبا،
أما العم والخال ربما 30%؟»
على الأقل لست أيٍ مما سبق..
«ولغير الشقيق تترواح بين 12% إلى 17%.
وكذلك أبناء العم أو الخال قد نصل 12%.»
سعلتُ بحدةٍ أخرج الهواء الذي تنفسته توًا!
وعيناي على النسبة المئوية التي بالورقة،
14% نسبة تقارب بيننا!
«اغلق الآن..»
همست له وقبل أن يعترض أغلقت أنا
أعيد النظر لصورة التقرير بالهاتف، لربما
ليس اسمي.
«اخبرني، أتفضل أن أناديك عمي أم خالي؟!»
استعادت الهاتف مني تعيد لي بطاقتي البنكية بينما تبتسم بطريقةٍ مبالغ بها..
«أربد، أربد مناسب جدًا.»
بجدية، ما المسعد بهذا الخبر لتحلق هكذا؟
لاحظتها ترتدي القلادة، أحضرتها فعلا،
وعلى هاتفي وصلتني رسالة بمبلغٍ محترمٍ تم سحبه.
«من الجيد الحصول على قريبٍ ثري، لن اضطر لبيع شحمة أذني، لا تحزن على ما حلق من مالك في المقابل حصلت على ابنةِ أخٍ أو أخت»
«آآه.. ساعتين من الآن وتحلقين فعليًا.»
نبذتُ أذكرها بموعد طائرتنا،
أوه _
بل بالرعب الجوي الذي ينتظرها، لتستعيد ملامحها العابسة.
◇◇◇◇
أرسولا:
وساعتين هذه مضت قبل أن يرتد إليّ رمشي،
وكأن الخوف يستعجل ذاته في الحذو نحوي
وما هي إلا سويعات وكنا بالمطار.
أورابيدا يدفع الاصلع على كرسي متحرك بعد حقن بمادة سكوبولامين، إذ غيبت ادراكه وقدرته على مقاومة الأوامر، وفي ذات الان تبقه مستيقظا.
ايلاريا بجانبه تريه أوراق هويته المزورة وشهادة مرضه -الكاذبة-
عنود أوصلتنا دون أن تنطق حرفا
بدت كمن هو حانقٌ ويكبت نفسه،
فهمت من أنستاسيا أنها مجبرة على التعامل معانا وإن كانت رافضةٌ بسبب الشركة السياحية التي تعمل بها.
«مَن هذا؟»
أمالت رأسها نحو إيلاريا تسألها تقصد أسيرنا الأصلع.
وايلاريا نظرت نحوه وهو أورابيدا والذي حرك شفيته بكلمة ما
«شقيق أورابيدا.»
«هو مريض وأتى به هنا ليعلاجه،» انستاسيا تدخلت بالحوار بابتسامة بدت لي مريبة
«سببت الأرض ومَن عليها، وأتيت بأخيك جريحًا تداويه هنا!»
قالت وانشرحت اساريرها تبتغي انتقاما ربما..
«على أساس وجدت علاجا..»
وقبل أن يكمل أربد جملته والتي أخمنها كانت لتكون قاصفة للجبهات
«لا تقلقي، قام بعملية ها عنا ونجحت، أليس كذلك؟»
انستاسيا قاطعت جملته،
تلتفت تنظر نحوه،
فضحك يحرك يهمس ب'بجدية'
«فساد المهمة من فساد المشهد!»
ننبذت بالروسية
«كل شيء كان سحترق لأجل حقيبتك!»
رد بالروسية
«نعم نعم، نجحت وعلينا العودة.»
انزاح الغم عن وجهها وابتسمت بكبرٍ تعيد كتفيها للخلف ترفع ذقنها وكأنها المشرط الذي انجح العملية!
ربع فخرك يا فتاة وأحتل صفوف القيادة.
«اوه، أنت تستحقين توقٌ من زهور البلوبيل بامتياز،
أنت وأهل هذه الأرض أجمع.»
قال يلوح بيده في الهواء كما لو أنه يصف حجم الزهور الذي يبتغي نثرها على هذه الأرض..
عنود حكت رقبتها من الخلف.. تواري خالجها،
إذ احتسبت جملته مديحا..
«هيا سنتأخر.»
هم يدفع الكرسي المتحرك واتبعنا خطاه
اه كم أتمنى لو نتأخر..
إلا أن الوقت إن علم أن رعبا ينتظرني عجل في لقائي به!
الاجراءات كانت أسرع من المعتاد
وها نحن الآن بالطائرة ننتظر لحظة الاقلاع
«ما أمر حقيبة أنستاسيا؟»
لم أملك فضول فعليًا إلا أني كنت أُلهي نفسي عل توتري يخف
«انستاسيا اشترت عدة أغراض وكان مستحيلًا على حقيبة سفرها احتمالها، كانت ستنفجر حرفيًا ولم تستطع اغلاقها، جلست عليها أضغطها لتغلقها..
إلا أن أنستاسيا صرخت ولم يفلح الأمر كذلك.»
«و؟»
شعرت أن للقصة بقية،
أو لنقل أني تمنيت أن يكون لها بقية أطول تلهيني
«أورابيدا أتى هزأ من تأخرنا وبقدمه ضغط الحقيبة بقوة وأغلقها، ومن وقتها وهي تحدجه بنظرات منزعجة.»
أوه، وأخذت انتقامها بلسان عنود...
«سيداتي سادتي،
نرحب بكم على متن رحلتنا المتجهة إلى كازان.
يتشرف طاقم الطائرة بأن يكون في خدمتكم،
ونتمنى لكم رحلة آمنة ومريحة.»
أوه! لحظة رعبي حلَّت،
وعلى جانبي ظهرت مضيفة تمسك قناع أوكسجين ترينا كيفية استعماله..
«أربد! هذا المشهد لم يكن متواجدا في رحلتنا الاولى» تحدثت له إذ كان جالسا مقابلا لي
«بلى، عرضت بالشاشة.
فقط هذه المقصورة ميسورة الحال لذا استعانوا بالمضيفة.»
أغمض عيونه بهدوء تام يريح ظهره على المقعدِ المجاور لي.
نظرت نحو المضيفة تمسك سترة نجاة صفراء
وتشير إلى مخارج الطائرة..
«لا أورابيدا، إنها اشارة أن الرحلة خطرة إنها تشرح السقوط! وفي الماء؟!!»
ذفر يفتح عينه،
«أنت ستصمتين ولن اسمع منك النفس حتى.
الرحلة تزيد عن خمس ساعات، نامي، فكري، اشربي،
هناك ألف شيء يمكن فعله غير ازعاجي!»
عاد بظهره للخلف يغمض عينيه هو عازمٌ على النوم حقا! وذلك أحرق خلايي وارتأيت ازعاجه
«اربط حزامك على الأقل.»
«انتظر تنبيههم» رد دون أن يفتح عينيه.
استرخيتُ للخلف أغمض عيني أغض فكري عن مكان تواجدي الآن وما سيحدث
استرخي، يدي بشكل تلقائي لمست قلادتي الجديدة.
أهناك أملٌ ايجاد فرد آخر من عائلتي؟
أم أن انصياع الحياة لي بأن تركت أوربيدا وفقط؟
لننظر للجانب الايجابي، على الأقل لم يتم رفضي بشكل مغلق وصريح -للآن- لازال هناك فرصة للوصول لعائلة أمي، لأعلم ما حل بها.
فعليا ارتخيتُ وبدى النوم لي قريب المنال ونلته.
ارتجاج ضعيف يرغمني على الارتجاف،
أسمع صفيرً متقطعًا بأذني..
شهقتُ أقبض مرفق الكرسي أفيق من غفوتي.
«هل نسقط؟! ما هذا الاهتزاز؟» صرخت بهلعٍ سربته للركاب المقصورة أجمع،
وأربد كان بذات وضعيته المسترخية قبل أن يغفو،
«لا، لعله مطب هوائي.» رد مقطبا جاحباه ولا تزال عيونه مغمضةٌ هالةٌ من السكينةِ تنبعثُ منه على غير عادة.
ارتجاجٌ بدى أقوى من سابقه جعل صرخةً تنفلتُ مني أتشبث بايلاريا الجالسة على يميني..
« أورابيدا، يبدو أنه سقوط فعلي.»
باستدراكٍ نطقت ايلاريا، أخيرًا صدقني أحد..
ولازال هو مغمضٌ عينيه،
يده انتقلت إلى جيب سترته.
«تمسكوا إذن» همس بهدوء لا يليق مع توتري،
ومن حولي تعالت الهمسات المرتجفة من الركاب.
عدت بنظري نحو أروابيدا مغمض العين، يمسك أصفادًا يضع حلقةً بيده والآخرى بيد أسيره الجالس على أيسرهِ.
«لن يفرقنا الانفجار حتى.» همس له وقد فتح عيناه أخيرًا يحاول النظر من النافذة..
الضجيجُ ارتفع وشعرت بالطائرة تميلُ حتى كادت تنقلب.
صرختُ مجددًا ومجددًا أتشبث بكل ما يمكن التشبث به.
«تمسكوا جيدًا يوجد خللٌ ما بالطائرة!»
أخيرًا اعترف طقم المقصورة بدنو موتنا،
«إن عشنا فلا تخبر ردما أني خفت من الطائرة.»
نبذتُ بصعوبةٍ أتخيلني انفجر وتتناثر أشلائي!
«إن عشنا.»
رد بنبرته الساخرة،
إلا أن سكينةً ما استشعرتها.
أكانت هذه سكينةُ مَن شارف على الموتِ؟
«بلوبيل؛ أهي تعوذة السقوط؟»
صرخت أسأل أورابيدا أستشعر ضغط الهواء يسحقُ عظامي.
«بل هم المغيبون عن الحقيقة فما لهم من نهوض.»
◇◇◇◇◇
أكثر الدروس التي تعيها هي تلك التي تتعلمها بالطريقة الصعبة، حيث يُنحت الدرس في عظامك ليس فقط بعقلك!
وهذا كان درسُ العرب: الصمت.
أن تُخرس ألسنتهم وجلجلتهم مهما بلغ زمهرير الكارثة التي يحياها، ومهما كان أثرها عليه وعلى بيته.
الصادق هنا لا يُصفق له، بل يعتلي حصانًا ليفر بجلده بعد أن أقحم نفسه بقول الحقيقة!
مَن يتحدث لا يسلم أبدا.
أبدا.
وهذا الخوف المزروع بنا جعلنا نبتلع ألسنتها ومعاها نتجرع المرارة يوميًا ومعاها الذل.
علقتُ آخر صورة بالحائط اتفقد لوحتي الجديدة،
وكنت راضيةً عن نتيجتها.
ولكن.
هل يكون العيش تحت سطو الذل عيشًا؟
ما الذي نملكه الآن لنخسره؟
الأهل والحياة المسالمة، إلا أن هذا لن يدوم، ستطالهم الأيادي بشكلٍ ما، بوقتٍ ما وسيلتزم العالم الصمت على ذلك..
لأن هذه هي الدائرة المعتادة.
وهذه الدائرة عليها أن تُكسر.
رفعتُ شعري المجعد برابطة شعرٍ أثبته للأعلى..
«ثم يأتني أجنبي يتحدث عن همجيتنا!»
نطقت حنقًا أتجرع كلمات أورابيدا..
الطامة أن كلامه صواب،
والدليل جبننا، وسكوننا بينما العالم يحترق من حولنا!
أما أنَّ للتاريخ أن يُبدل ويكتب بالطريقة المعهودة؟
غمستُ الفرشة بالألوان الزيتية أضع على خدي الأيمن خطا أحمرا بها.
أن يُكتب بالدم.
تركتُ الشقة أهبط الدرج حتى إلتقيتُ برفاقي،
وهناك مدت لي رفيقتي توردت علمًا أبيضًا
«ليكون الأحمر معي» طلبت وثوانٍ وكان بيدي،
مشينا وعيون سكان الحي من حولنا تتعلق بنا.
أهديناهم ورقة دعوة لتجمع في المنتزه الآن،
بعضهم سار خلفنا، واخرين أخذوها ومضوا إلى أشغالهم.
وحين وصلت للمنتزه لم يكن العدد هائلا ورغم ذلك شكرتُ سرًا، من الجيد أنه هناك مجيبٌ على الأقل..
نسمات خريفية تبعثر الأوراق وتهوّن ثُقل واقعنا،
شمسُ العصرِ كانت رحيمةً بنا إذ لم تحتد..
وكأن الطيبعة تدعمنا.
«تعلمون اين قد ينتهي بنا الحال فيما بعد؟» همست لمجموعة الرفاق البسيطة وقد هزوا رؤسهم يبتسمون.
«في كتب التاريخ، لا أرى لي مكان في سواه.»
نطق أغيد ضاحكا، عله قصد تخفيف حدة الموقف.
صعدتُ درج احدى البنايات المطلة المنتزه،
وققفتُ في شرفة الطابق الأول، انتشل مكبر الصوتِ من يد توردت، أنطق بما استجمعته من كلماتٍ في سنايا روحي
«تلك الأرضُ الني تقفون عليها جافةٌ،
إلا أن الثرى الذي يقف عليه أقراننا العرب نديٌّ بالدماء!
دماء قتلى، وضحايا..
شبابًا كانوا أم أطفال، كهولا أم نساء!
كلهم أمام الموتِ سيان!»
من العلية ألقينا أوراقًا تحوي مشاهد مما حدث،
تحوي القلتى والدماء وقصص مختلفة.
ليمسكها المواقفين في وجوم.
«هم دمروهم! ونحن سحقناهم!
هم قتلوهم بأيدينا!
لأننا أعطينهم الإذن والحق بفعل ذلك بهم.
نعم فعلنا! بصمتنا عنهم، لأننا لم نقف لهم بالمرصاد!»
صمتُ أستجمع أنفاسي، أرى البعض يدير ظهرهُ ويمضى وآخر يأتي مستفهما عمّا يحدث
«نرتشف قهوتنا في الصباح مغلقين كل موضوع يخصهم، خوفا على نفسية أطفالنا نتعاطى مخدرات الحياة ونلهي شبابنا عنهم! خشيةَ أن تأخذهم الحمية.
لقد خذلناهم!»
صرختُ وودتُ لو أصرخ أكثر بما يصمُ الآذان.
وعلى المباني من خلفي بدأ متطوعينا ينزلون صور كبيرة للخراب الذي يحدث بالدول العربية من نوافذ المباني ومن الأسطح،
«الجثث التي انقلبت وجهكم اشمئزازًا منها، دعوتهم بالأمس اخوانكم حين كنتم في حاجةٍ لهم!
والجنود التي نقسم بشجاعتهم وبئسهم هم اليوم شاهدين الدم دون أدنى نية للتدخل!»
نطقتُ وكلمات أورابيدا الجارحة لاتزال تنخر عظامي،
وصحتها تخنقني أكثر،
وما أراه من ألمٍ في شرخ العرب يستنفذ روحي استنفاذًا!
«ذلك التاريخ الذي نكرره بفخرٍ ونحفظهُ عن ظهر قلبٍ
قد دنسهُ صمتنا الطويل!
كل يوم مع كل قتيل نضيف صفحة خذلانٍ آخر،
نخفيها عن الجيل غدًا عارًا منا!»
التقتُ أنفاسي بصعوبةٍ اختنقُ بعبارتي
ومن خلفي صرخ الرفاق
«علينا التوقف عن تخليد التاريخ بكلمتنا الركيكة،
حتى بدى كلعنةٍ ما!
علينا أن نعيد تسطير الأحداث ونأخذ الدفة لنا!»
«نحن شعوبٌ تعيش فوق رفات أسلافها،
حيثُ دفنت أرواحهم وبنينا على رمادهم بيوتنا!
إلا أن تلك البيوت تهتز وترجف رجفا،
بفعل كل طامةٍ تلقتها!
وبات تهاوينا أدنى من أي وقتٍ مضى.
آن الأوان لنتنازل ونكون رفات الجيل القادم.»
«نعم آن الآوان»
صرخ التجمع من الشباب لنبتسم تلقائيا نتبادل النظرات،
كم كنت يأسةٍ حين فكرت أنه بعد خطابنا هذا لن نجد دعما من وحدٍ على الأقل..
ومن بعيدٍ من خلف الجمع الصغير،
دنت سيارت الشرطة ورجالها.
«أقسم أنني سأبدل هذا التاريخ المخذول وهذا المصير المحتوم بسعيٍ غير ملكوم، حتى أحفر أثري بالآثار
وتترشق دمائي بالترابِ»
صرخت بملئ صوتي وقد ارتج فؤادي،
السيارات اقتحمت الجمع دون أي تريس ليفر الشباب تاركين لها متسعًا!
ونحونا! ركض رجال الشرطةِ.
«كان ذلك أسرع مما توقعت!» همست استعدُ للنزول من البنايةِ هربًا مع رفاقي،
ليس الآن، لسنا أهلا للاشتباك.
«اتركوا الأعلام وكل شيء هم فقط يفعلون ذلك لننفض، اعطوهم ما يردون»
تحدثت اهبط الدرج والرفاق خلفي،
حتى وطئنا الشارع وما كدتُ أخطو خطوةً حتى هُجمتُ وسحبتُ من عضدي
وأغلالٌ من ذلٍ وضعت بيدي.
«أنتِ رهن الاعتقال.»
◇◇◇◇
تمت بحمد لله.
تذكرون أن لا وجود للنهايات في قاموسي،
أليس كذلك؟
إلى اللقاء في جزءٍ آخر إذن!
◇◇◇◇◇
قُلتم فقط لو كنّا منها،
فقط لو تفتح لنا الحدود،
لنخرجن بسيوف وحناجر ملقين بأجسادنا أمام مادفع الصهاينة!
مدمرين العدو ومستشهدين على رمال أرض السلام!
وكثُرت ولوالاتكم ووعودكم وامنياتكم!
أقسمتم على كرهِ اليهود وأعوانهم،
حلفتم برب القدس لتصرخن،
ولترددن بنصر المسلمين!
فمالي أراكم عن الدعاء متخازلين،
وعن أخبارها معرضين،
وعلى منتجات اليهود مقبلين؟!
أهانت أرض العربِ في العيون؟!
أضعفت العزيمة ورضيتم بالهزيمة؟!
لتضعف عزائمكم
ولتتخازل همتكم
ولتهزمن أمام أنفسكم ومبادئكم!
فإن في هذه الأمةُ أبناء أقسموا على نيل الشهادة!
رجالًا يقفون كما الجبال.
لِتبقوا أنْتُم فِي غَمْرَتِكُم ولَهوِكُم،
فالجنّة مَوعِدُهُم،
والنّصْرُ حَنيفَهُم،
والله مَعَهُم!
وجهنّم لَمْ تُخلَق عَبثًا
وإنما بالظالمين والطاغين، تُمتلئ
وبها يُخلدون!
ربِّ عَجِل بِأمْرِكَ!
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!