بلوبيل
بلوبيل
جزء 6 من 17
وضع القراءة:

عربي على ورق

اللَّهُمَّ إِنْيّ اِسْتَوْدَعَتُكَ
بَيْتَ الْمَقْدِسِ
وَأَهْلَ القُدْسِ
وَكُلَّ فِلَسْطِين.
♧
من المبادئ التي رسخها التاريخ:
أن الحقوق لا تُطلب بل تنتزع!
-رويناء.
♤♠︎♤♠︎
كما ذكرتُ سلفًا، الفتيات لا تعرفن معنى الصمت، وإن كنتُ أسكتُ تلك الأنود لدقائق فهي حتمًا لم تكن لتصمت لنهاية الطريق!
إنه حظي العثر الذي جعلني أهبط في بُقعة صحراوية خاليةٍ من مظاهر الحياة، وقد استقللتُ أولَ سيارةٍ ظهرت لي بعد طول انتظار، وبطريقةٍ ما علقت مع راديو بشري بل أسوأ!
«عندما كنت في العاشرة، شاركت في مسابقةٍ للجغرافيا، أحضروا لكل مُشارك خريطة العالم وبِطاقات كُتب عليها أسماء العواصم، كان علينا أن نضع كل عاصمة في بلدها!
وبالطبع أنا لم أكن أحفظ عاصمة كل الدول،
لذا جمعتهم كلهم... ووضعتهم في مصر!»
تتحدث عالمة الآثار!
همهمت فِي تفهمٍ رُغم أني لم أفهم ما الرابط، وهمهمتي هذه لم تكن لتمنعها من إكمل قصتها المللة جدًا جدًا -بنظري-
والمشوقة جدًا جدًا -بنظرها-
«وحين سألوني، لمَ جمعتهم بمصر؟
رددتُ بكل ثقةٍ:
أليست مصر أم الدنيا؟
وخسرتُ المسابقة»
وأتبعت كلماتها بضحكةٍ ثقبت أذني!
رمشت، صوتها عالٍ، هي لا تتكلم لا بل تصرخ بكلماتها!!
أذني تستغيث.
إنها أفاعيلي السوداء التي جمعتني بتلك الفتاة
شعر بني قصير، عيون بنيه تغطيها نظارة مربعة الشكل
طول لم يتعدي 160 سنتيمتر!
تقود السيارة ولم تتوقف عن الثرثرة منذ ركبت
ربّ الرحمة!
«كم عمرك؟»
قُلت أقطع ثرثرتها عن حكايتها السخفية
وعيناها برقت بحماسٍ لأعلم أنها ستتبع إجابتها بثرثرةٍ لا طائل منها.
«سأتمُّ الثلاثة والعشرون من العمري الشهر القادم رغم أني أتممتُهم فعليًا منذ خمسة عشر يومًا،
شيء له علاقة بالعبثِ بالأوراق حتى لا تفوتني السنة الدراسية، نحن عائلة تهتم بالتعليم والمدارس، ورغم كوني الابنة الأولى لأبي وأمي إلا أنهم لم يفكرا باسمٍ لي وكان شغلاهما الشاغل أن أكتب في سجيلات الميلاد 20 سبتمبر لا 10 أكتوبر كما ولدت،
تخرجت من كلية الآثار، ورغم أني من العاصمة إلا أنني لم ألتحق بكلية الآثار التي بها.
رُبما تتسأل لمَ لم ألتحق بكلية العاصمة كوني من سكانها
ولكونها أفضل طبعًا!»
في الحقيقة، لا لم ولن أفعل!
«المشكلة كانت في التنسيق إذ أن كلية العاصمة كانت أعلى من مجموعي،
و لم أكن أعلم بشأن تقليل الاغتراب، ثم إنني أحببتُ السفر ورغبت في الإعتماد على نفسي، رغم أن إقناع أمي بهذا كان مستحيلًا وتطلب الأمر مجهودًا عظيمًا والإستعانة بقوات خارجية -خبراء العائلة أقصد- ولكنها وافقت في النهاية! ويااه! حقًا كان ذلك مريعـ أقصد رائعًا. احم»
لمَ تُجاوب هذه الفتاة باستفاضة؟
ألا تعلم بشأن الإجابات المختصرة؟!!
وها هو ذي الفندق يلوح لي من الآفاق، كم أني ممتنة لكون نهاية الطريق قد حانت!
شكرًا لرب، لقد أُجيب رجائي!
بدأت السيارة في التباطؤ، وكم كانت تلك الدقائق كالساعات على قلبي، مما جعلني أفتح الباب قبل أن تتوقف تمامًا، وفي نيتي إنقاذ ما تبقّى لي من حاسة السمع.
«هاي، هاي! انتظر!»
على قبري!
«تفضل، رقمي في حال احتجتَ إلى أي توصيلة!»
مدّت لي بطاقة دسستها في جيبي ونزلت من السيارة.
«أتمنى لك سياحة ممتعة في البلاد، وأرجو أنـ...»
كنتُ قد أغلقت الباب، أغلق معه صوتها.
فقط... ما كان هذا؟!!!
♧◆♧
أنستاسيا:
جلستُ على أحد الكراسي المتناثرة في حديقة الفندق، أتطلّع إلى النافورة الشبيهة بالشلال المصغّر؛
طبقٌ عميق لم أتبين لونه، يعتلي عمودًا حجريًّا، يفيضُ الطبقُ رواءً، ينهمر بقوةٍ منسّقة في حفرةٍ حجريةٍ أسفله دون أن تخرج قطرةُ ماءٍ عنه،
كأن هذا مصيرها منذ الأزل، وقد حاوطته الأعشابُ الخضراء، والزهورُ بهيّةُ الألوان.
ورغمَ عدم وجود أيِّ أشجارٍ أو خُضرةٍ من طريق المطار حتى وصولي هنا،
لدرجةٍ شككتُ فيها أن هذه الدولة تعرف معنى الطبيعة أو الخُضرة،
إلا أن خُضرة هذا الفندق كانت جيدةً ومُكفيةً بشكلٍ صادم،
قياسًا بطبيعة البلاد الجرداء - على ما يبدو.
امتلأت الساحة بالخُضرة والأشجار،
بشكلٍ قد يبدو للوهلةِ الأولى عشوائيًّا،
إلا أنه منسّقٌ بدقّةٍ عميقة،
وكأنّ المهندسَ قد درس الفنّ والأرواح قبل أن يبدأ التصميم.
وعلى الأشجار الشامخة،
تراقصت العصافير، تعزف سيمفونية السلام بصوتٍ شدوٍ عذب.
مبنى الفندق لم يكن أقل فخامةً من حديقته،
بل ربما قد بالغ في فخامته،
فقد حمل بزخ الملوك في زغرفتهم، وخيال العاشق الولهان.
قصرٌ يعجّ ضجيجًا،
ترى تراقص أنواره قبل أن تطأ قدمك داخله،
منعكسةً على رخام الأرضيّة البنيّ، النقيّ من الشوائب.
نوافذه لم تكن مجرد نوافذ تُعطيك لمحةً عن العالم،
بل كأنها مسرحٌ في العليّة،
يمنحك نظرةً متكبّرة، مستصغِرة للحياة من حولك...
كأنك، بطريقةٍ ما، مالكُها.
في النهاية،
فندقٌ سياحي، ودخلٌ قوميٌّ مأهولٌ للبلاد،
لذا، بالطبع، هم أكثرُ من سيهتمّون.
ما كدتُ اتنهد مللًا حتى حلّ الازعاج بحُلةٍ جديدة
« أين أورسولا وراسيل؟»
سألتُ إيلاريا حين أقبلت بعد أن تخلصت من الفستان الوردي لترتدي بلوزة خضراء فضفافة وبنطال بيج وقد جمعت شعرها القصير في كحكة مبعثرة،
المهم أنها انتهت من مظهر الطفلة التي كانت فيه.
«راسيل، تتعارك مع أظافرها المستعارة، وتتخلص من طبقات مسحيق التجميل، أما أورسولا لازالت تغسل شعرها لتزيل القرمزي الذي إلتصق بها.»
« أوه!»
لنتمنى أن ينتهوا قريبًا،
وألا يتذمروا كثيرًا.
«ألم يصل بعد؟ لقد ضجرت!» إيلاريا بدأت التذمر،
ذلك لا يُحتمل حقًا!!
« أين الـ» صوتٌ صدر من خلفنا لتصرخ إيلاريا والتفتُ بسرعةٍ
« أورابيدا؟!! ما كل هذا؟!!» صَرخت حرفيًا بوجه
وقبل أن تترك له فرصة للرد تدافعت إيلاريا نحوه
«سحقًا! تجعلني ألعب دور طفلة وتدفعني نحو الخطر!!
لقد كان القاتل سيقتنلي حتمًا حتمًا!! من كان سيصوركم؟ من كان سينشر مغامرتنا؟!! من كان سيخترق نظام الآمن ويحضر أفلام لم تعرض بعد!! فقد أخبرني كيف امتلكت تلك الشجاعة لتستغنى عن خدمتي!!»
«رويدك يا فناة! بالكاد خرجت من صداع رأسٍ!
ولا تتحدثي كأنك لم تكوني على علمٍ بالخطة وأنا الغادر، ثم إنك بخير!»
من أين يأتي ببروده هذا؟! حقًا لن أمنع الفريق عنه،
«الآن، أين مفتاح غرفتي؟»
تسأل لأصحح له «غرفتنا، لم نحجز لك شيئًا»
وقبل أن يمد يده يطلبه ظهرت راسيل وأورسولا من العدم.
«ويحك!! تقول فقط ماء ساخن وتسقط الأظافر؟!! أنا بقيت ساعة كاملة أحاول إزالتهم وبالكاد أزلت أربعة وحصلت على حرق بيدي!! كاذب!! مزيل مساحيق التجميل لا يعمل!! لم يُزل شيئًا حرفيًا!! تخيل أني اضطررت لفرك وجعي بقوة لأتخلص منه!!»
«صدقًا كله لمصلحة المهمة، وانظري إلى الجانب الإيجابي جلستِ في درجة رجال الأعمال وحصلت على معاملة راقية، أنت حتمًا لم ولن تحظي بمعاملةٍ مثلاها في حياتك، آه ــ دخلت مقصورة القيادة.
مبارك أيها القبطان»
قال وقد خلع قبعة رأسه يلبسها لراسيل والتي تطلعت به بحقدٍ دفين.
«وما المميزات التي حصلت عليها أنا يا حضرة القائد؟!»
أورسولا تكتفت ترفع حاجبًا، لن ننتهي اليوم، لذا جلست أشاهد المحكمة التي نصبوها له.
«شرف تشويه يدي.»
لفظ بهدوءٍ رافعًا يده المليئة بالخدوش، لِمَ ذلك؟!
«لقد رددتها لي بضرب رأسي، وهذه لم تكن ضمن الخِطة وسكبت حبرًا أحمرًا على رأسي!! بالكاد أخرجته من شعري!!»
«اللون القرمزي كان بهيًا عليكِ» قال بغمزة.
«سولا، هذا تحديدًا كان لأجلكِ وليس لأجل المهمة، أنت تخافين من احتشاد الناس حولك وأيضًا تملكين غباء اجتماعي وصفر في الكذب والتأليف،
كيف كنتِ ستتصرفين وأنت خرجت من المقصورة وقد راك الجمع تقاتلين المجرم؟! كنت للتعرضين لكثيرٍ من الأسئلة والاستجواب والتحقيق حتى، ذلك كان أسلم حل، لأجلكِ»
قال بنبرةٍ لطيفةٍ ومراعيةٍ تمامًا يُربت على كتفها، لدرجة أني تأثرت صراحةً.
«رِفقًا بحالي، أين المفتاح؟» سأل لأخرجه من جيبي أمده له وقبل أن يمد يده يلتقطه أعدت يدي خلف ظهري.
«تفضلي، تذمري أنتِ أيضًا» قال يُحني رأسه ويرمش، عقدًا يداه خلف ظهره كطالبٍ نجيب ينتظر التوبيخ..
«بغضِ النظر عن أني أسندت أورسولا لنصف الطريق، وتحملتُ تذمر فريقك لكن لن اتذمر، أريد أن أعلم ماذا فعلت بالمجرم الأدعج؟!»
«هو فريقكِ وليس فريقي، أولًا»
قلبتُ عيناي بمللٍ، «نظرًا لأنك أتيت عليه قائدًا، إذًا يُنسب لك، لن نتجادل بشأن ذلك عامةً.
ماذا فعلت بـ»
قاطعني
«هبطتت طائرة من السماء، مروحية إن صح القول.
خرج منها الملازم وغدـ بغدان أقصد وأخذه وــ رحل،»
كاد يقول شيئًا، لكن يبدو أنه تراجع، لم يبد مرتاحًا
«أحدث شـ»
«والآن المفتاح أريد التخلص من العدسات هذه، وتلك الملابس!!»
صرخ بجملتهِ مقاطعًا إياي، أخيرًا خرجت كتلة البرود عن شعورها!
لم أشأ الضغط عليه واستجوابه،
أسلمت له المفتاح «رقم الغرفة ثلاثة مئة وسبعين.»
«لماذا؟!! تلك العدسات السوداء تبدُ بيهةً عليك!!»
أرسولا صرخت ترد له كلمته
وأروابيدا لم يكن ليصدر أي ردة فعل غير الذهاب ناحية الغرفة، وكله انزعاج.
شيءٌ ما حدث؟!
♧◆♧
جفلتُ على صفعة الباب بوجهي، وما كان منّي إلا أن أكتم انزعاجًا من فظاظته. انطلقتُ وقد خلّفتُ خلفي غبارًا، وبعثرتُ ركود الرمال، وكردٍّ لطيفٍ منها عليّ، تسللت إلى نافذتي، تجعلني أسعل بقوة.
اتخذتُ طريقي عودًا للمنزل، جنيتُ ما يكفي اليوم، وانتهى عملي.
عيناي تتجنبان الاصطدام بأيّ شيءٍ في هذه البلاد، ليس كرهًا لها، بل خزيًا منها.
نحن كعرب، عبءٌ على العالم.
هذا الشعور تملكني بشدّة، بقوّة، ذلك الشعور المزروع في كل شاب وفتاة، يتغلغل في أعماقنا، يسري في دمائنا، كلّ شيءٍ فينا يصرخ: أننا عبء، حملٌ ثقيل، نحن كائنات مستهلكة ومستنفذة إلى أبعد الحدود، حتى أنفسنا نستهلكها؛ لذا نحن نُترك دومًا في الخلفية.
لسنا فقط كعرب، وكشعب مستنفذ، بل كأفراد أيضًا.
كم شخصًا استنفذتهُ أنت؟
كم مرة كنتَ حملًا وعبئًا؟
لا تقل لي إنك لم تكن يومًا، وأنت حملٌ على أهلك، ورفاقك، على معلّمك.
ربما من حولك أحبوك لدرجة أنهم خدموك برموشهم دون أن يُشعروك أنك عبء، ومنهم من تركك دون شرحٍ، دون كلمة؛ لأنه كان مستهلكًا لدرجة عدم القدرة على قول "وداعًا"، كحدٍّ أدنى.
وربما أخبرك بذلك، إلا أنك كنت نرجسيًّا بما يكفي لكي لا تقتنع.
وليس مهمًّا لي، -لنا أقصد- أبدًا معرفة السبب، بل المهم:
أن تتخلّص من العبء، أن تقتلع نفسك من محيط المذنب، من محيط الحمل،
وحتى تتخلّص من كونك عبئًا،
حتى لا تكون عالة،
أن تنتزع نفسك من جذورها،
أن تخرج عن نفسك ومحيطك،
أن تكون كيانًا مستقلًّا،
أن تنضم لبقعة منتجة.
أنت، عليك أن تتخلص من عروبتك!
وأبسط سبيل لذلك:
الهجرة.
حتى لو كنتَ عبئًا عليهم، فلن تكون ملحوظًا كحِمل، وبطريقةٍ أو بأخرى، هم سيجدون سبيلًا لجعلك منتجًا.
برأيك، لماذا الكل يهاجر؟ لمَ نفرّ؟
هل هو هربٌ من المسؤولية؟ لا، نحن نبحث عنها.
نحن نهرب من أن نكون نحن مسؤولية أحدٍ، نغادر، لكي لا نكون حِملًا وثِقلًا!
ومن لا يقدر على الهجرة؟
يتجه لإنكار العروبة، والعيش بعادات وتقاليد الغرب وأسلوب حياتهم.
أنت تعيش كأنك غربي، وتُعامل نفسك كواحد،
تُعامل نفسك كواحد في أدقّ أدقّ التفاصيل.
وقتها سترتقي، تسمو، تعلو وتعلو،
ستبتكر وتخترع،
ستكون إنسانًا.
نحن العرب فينا تلك الحِمْية، والهمجية، تلك التي تجعلنا على قناعةٍ تامة أن الحقوق والرغبات لا تُؤخذ، بل تُسلب،
لا تُطلب، بل تُنتزع.
وذلك يجعلنا، بطريقةٍ أو بأخرى،
نلجأ لرفع الصوت في النزاع، هذا إن لم نستعمل قوة اليد!
أنثى أو رجل،
هكذا تُحلّ قضايانا.
لذا، من تمكن من الفرار بجلده، فرّ،
ومن لم يقدر، صار عربيًّا على ورق،
في حين لا صِلة له ببلده.
وهناك، في العالم الغربي، اصنع لك كرسيًّا، واتخذ قدوة، وعِش حياة.
أفعلت؟
أتُفكر أن تفعل؟
أنا فعلتُ يومًا.
ولكن الآن؟ وكفتاة عربية، لم يعد السفر شيئًا مسموحًا لي وحدي،
وكعالمة آثار، شغلها الشاغل السياحة والتاريخ وأصل العرب،
لم يكن إنكار عروبتي حلًّا!
أما في طفولتي،
كم أبغطني، كنتُ محظوظة، طفلة نشأت وترعرعت في بلادٍ أجنبية.
كم كان جميلًا أن تتواجد في مدارس نظيفة راقية، لا لشيء، غير لأنك في دولة أجنبية.
كم هو رائع أن تمشي بشارعٍ مرصوفٍ، متوازٍ بشكلٍ دقيق ومنظم.
كم كان مبهرًا رؤية ناطحات السحاب تخترق الغيوم وتقف شامخة.
المشفى، والتي هي هنا بمثابة بيت الرعب، بل أكثر،
كانت هناك شيئًا يبعث على الراحة، بألوانها الفاتحة؛ أبيض قد يتداخل معه الأزرق السماوي أو الأخضر البرسيمي.
ممتلئة برائحة المعطرات الهادئة، ممتزجة برائحة المعقمات،
كراسي الانتظار الكبيرة والراسخة في الأرض،
تلك التي تجعلك تشعر أنك في مناقشةٍ مع طبيبٍ يُحضّر الدكتوراه،
وليس كرسيّ انتظار خبرٍ مفجع، أو بُشرة خير.
وتاريخهم لم يكن أقل من حاضرهم في شيء، بل كان تمهيدًا لهذا التطور الشامخ.
ووسط تاريخهم، غُصتُ أنا.
في تلك السنين المبكرة من نشأتي، لم يكن التاريخ العربي يعنيني، كنتُ أنظر إليه كقطعةٍ متآكلة من الماضي، لا تصلح لشيء إلا لأن تُرثى.
بينما كنتُ أجد نفسي في كتب الغرب، في فنونهم، اختراعاتهم، ثوراتهم الفكرية.
هؤلاء الذين نهضوا من الرماد، ومن الجهل والتخلف، عرفوا العلم والنور.
هم ذاتهم من حرقوا الكتب وسجنوا العلماء!
ولكن هل بقوا بجوار الركام يرثونه؟ لا!
بل شدّوا العَزْم، وبقوةٍ نهضوا، نهضة كان منشأها من إيطاليا، منتقلة تدريجيًّا إلى باقي أوروبا!
إلى أن أمسكوا زمام العالم في يومنا هذا!
ولم يكن الفرد منهم يعرف مهنة واحدة، لا!
فلم يكن اسم ليوناردو دا فينشي يمرّ عليّ دون أن أرفع عيني بانبهار:
فنان؟ نعم.
مهندس؟ أيضًا.
عالم تشريح؟ بالطبع.
شخصٌ جمع بين ثلاثة تخصصات مختلفة، معترفًا بالفن ولطفه، وغاص في التشريح بجرأة جراح، ولم ينسَ الهندسة، كأنه يحكي وجدان الإنسان، ووعاء هذا الوجدان ألا وهو الإنسان، منتقلًا إلى محيطه.
كنت أفتتن بكراسته التي حوت رسومات الطائرات قبل أن تخطر ببال أحد، وبملاحظاته عن جسد الإنسان، كأن الكون كلّه اختبأ في عقله.
أحببتُ عصر النهضة،
شعرتُ أني أنتمي إليه، أكثر مما أنتمي لشارعنا في حيّنا العربي.
هناك، حيث خرجت إيطاليا من ظلمات العصور الوسطى إلى نور الفن والعلم، حيث هزمت أوروبا الكنيسة بالتفكير،
شعرتُ أني وجدتُ شعبي.
شعرتُ أنني، ربما، غربية حُكمًا، وإن كانت أوراق هويتي تخالف ذلك.
لكنني، وبكل ذرةٍ بي، رغبتُ، رغبتُ أن أكون غربية ورقًا وطبعًا،
وكنتُ مستعدة لدفع ثمن ذلك، أيًّا كان!
كبرتُ وأنا أتنفس ذلك المجد الأوروبي.
حاضرٌ عريق، تطور،
تاريخٌ حافل ومنجز،
بل إنهم، إلى العرب، مدّوا الأيادي،
وأسسوا قوانين تحكم العالم،
أهيم بهم عشقًا، وقادتهم كنتُ أتخذهم قدوةً لي!
أنا إنتميتُ فكريًا وروحيًا للغرب، حتى وإن كنتُ على الورق عربية.
♤◇♤◇
ادعمني أكثر فرصتك في رؤية الفصل القادم تكبر.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.