دالفي
اللَّهُمَّ إِنْيّ اِسْتَوْدَعَتُكَ
بَيْتَ الْمَقْدِسِ
وَأَهْلَ القُدْسِ
وَكُلَّ فِلَسْطِين.
♧
يُخيل لي أن كُل قصص الشجاعة فِي التاريخ جاءت من أناسٍ خشوا أن يبدوا جبناء.
♧
«في عامٍ لم يُشبه غيره، وتحت سماء مقدونيا التي خيَّمت عليها غيوم الترقب، وُلد الإسكندر في الليلة التي أضاءت فيها السماء بوميض نجمٍ ساقط. قيل إنهُ ذو شأنٍ عظيم، وإن مصيره كُتب منذ اللحظة الأولى.
كان والده، الملك فيليبوس الثاني، يرى فيه أكثر من مجرد وريث؛ كان يراه سيفاً حاداً سيشق به حدود العالم.
أما والدته، أوليمبياس، ترى أنه ليس مجرد وريث مقدوني، بل قائِد عالمي يستحق السيطرة على آسيا والعالم القديم.
في صغره، كان الطفل مختلفاً؛ نظرة عينيه تحمل ثقل أحلامٍ أكبر من سنوات عمره. تفتحت روحه على قصص الأبطال الأسطوريين، وشغف قلبه برغبةٍ لا تُقاوم لاكتشاف ما وراء الأفق. وبينما كان غيره من الأمراء يُرضي طموحاً محدوداً، كان الإسكندر يرسم في ذهنه خرائط لأراضٍ لم تطأها قدمه بعد.
ومع صهيل الخيول، وقعقعة السيوف، وبصيص الطموح الذي لم يكن يعرف الشبع، بدأت قصة الفتى الذي سيعيد تشكيل العالم.
أما عن إنجازات الإسكندر الأكبر لم تكن مجرد فتوحات عسكرية؛ بل كانت إرثًا غير مسبوق شكَّل ملامح العالم القديم. في سنوات حكمه القصيرة، أعاد رسم حدود الإمبراطوريات، متحديًا الزمن والمكان. قاد جيشًا لا يُقهر إلى قلب آسيا، فهزم الإمبراطورية الفارسية العظمى وأسقط عرش دارا الثالث. لم يتوقف عند حدود الإمبراطوريات القائمة، بل أسس مدنًا حملت اسمه، أبرزها الإسكندرية في مصر، لتكون منارات للعلم والتجارة.
بعبقريته العسكرية، انتصر في معارك أيقونية مثل معركة غرانيكوس وغاوغميلا، حيث تجاوزت تكتيكاته حدود التصور. لكنه لم يكن مجرد قائد حرب؛ فقد سعى لتوحيد الشعوب عبر دمج الثقافات، ناشرًا الحضارة الهلنستية التي امتزجت فيها التقاليد اليونانية بالفارسية والهندية.
كان الإسكندر أكثر من فاتح؛ كان صانعًا للتاريخ، وحلمه بتوحيد العالم تحت راية واحدة جعله رمزًا للطموح البشري اللامحدود. ومع ذلك، كان لطموحه ثمنه، فقد مات شابًا، 10 أو 11 يونيو عام 323 ق.م في بابل، عن عمر يناهز 32 عامًا!
تاركًا خلفه إرثًا من المدن والقصص وصراعاتٍ لا تهدأ بين من خلفوه.»
صمتُ طويلًا أتطلع بوجه المراهقين أمامي والّتي تراوحت بين إعجابٍ واستغرابٍ واخرى ملولة!
«وفقط؟ انتهت هكذا القصة؟!»
نطق أحدهم فارغًا فاهه، لأبتسم كاتمةً بقية القصة في جوفي
«نعم، وفقط.»
لكن، هل هذه هي الحقيقة؟ هل هذا كل شيء؟
ماذا عن موته؟
يُقال أنه مات مريضًا بعد أخر انتصاراتهِ، لكن..
الإسكندر الأكبر لم يمت مباشرة بعد حرب أو معركة بعينها، إذ كانت وفاته في بعد فترة من السلام النسبي، أثناء تحضيره لحملة جديدة لغزو شبه الجزيرة العربية.
آخر معاركهِ الكبرى كانت ضد ملك الهند بوروس في معركة هيداسبس (326 ق.م) على نهر جيلوم (في باكستان الحالية). كانت تلك المعركة واحدة من أصعب انتصاراته، حيث واجه جيشًا هنديًا ضخمًا يمتلك فيلة حرب، لكنه انتصر وأبدى احترامًا كبيرًا لعدوه، وترك بوروس حاكمًا على مملكته.
بعد ذلك، واصل الإسكندر تقدمه شرقًا، لكنه اضطر للتراجع عندما تمرد جيشه ورفض مواصلة المسير بسبب الإرهاق والحنين إلى الوطن.
عاد إلى بابل، حيث بدأ التخطيط لحملات جديدة لتوسيع إمبراطوريته، لكنه توفي بشكل مفاجئ قبل أن يتمكن من تنفيذها.
وبعد التعمق والغوص أكثر في التاريخ، وتحليل والوضع والموقف إن ذاك؛
هناك احتمالٌ كبير بل هو شبه مؤكد بالنسبة لي
بأنه تعرض للخيانة من مساعده وذراعه الأيمن إذ يقال أنه تحالف مع أعدائهم وقام بتسميم الأسكندر الأكبر!
وهنا يتضح لنا أن الخيانة تجري في عروق البشر من زمن!
أن له فعلُ هذا دون أن يرجف له جفن؟ بل لم يفعل ذلك وهو ذو شأن عند الإسكندر؟
نظرت حولي كان جمعُ المراهقين قد انفض!
متجولين في المتحف مستكشفين ما فيه
من أسلحة ومقتنيات تخص الاسكندر
واللوحات المعلقة التي تحوي مشاهد لحروبه!
تنهدت.
«لا يبدو أن أحدًا يكترس لتلك الحقائق المدفونة، هم تقريبًا يتعاملون مع شخصيات التاريخ كأنهم أسطورة أو خرافة ما. لا عليكِ عنود، هو ميتٌ على أية حال.» واسيتُ نفسي بهمسٍ داخلي.
♣︎♧♣︎♧
-على متن الطائرة-
الهدوء الذي خيم على الطائرة كان خادعًا، أشبه بصمت ما قبل العاصفة. الركاب منشغلون بأحاديثهم الهامسة، تقليب الصحف، أو مجرد التحديق في الشاشات الصغيرة أمامهم.
أما أنا فكان على عيناي أن تكون حادتين كما الصقر، تراقبان تحركات الأصلع منذ اللحظة التي خرج فيها من الحمام.
ها هو ذا!
الرجل يمشي بخطى ثقيلة، وجهه جامد كالصخر،
عينيه... عينيه كانتا تمسحان المقصورة وكأنهما تبحثان عن شيء محدد!
أوه! لحظة حماسية على وشك أن تبدأ.
وقف بقامتهِ الطويلة عند الطفلة ذات الشعر البندقي تلك التي كانت تعبث بعداد عمرها معه
ارتسمت السذاجة على وجهها وهي تلتفت للخلف بحماسة طفولية، تقابله بنظرة مليئة بالبراءة بعيون من زيتون، شعرها عبارة عن خصلٍ متحرّرة، تنساب في تموّجاتٍ لا تعترف بالنظام، يطوق وجهها كإطار، تتدلّى غرّةٌ ملتفّة على جبهتها، لا تستقرّ في مكان، كأنها دومًا في حوار مع الريح.
«حتى شعرها متمرد.» همست
«هل استقرت الطائرة في السماء؟ أستطيع الحراك أخيرًا!» نطقت بفرحٍ وهي تفك حزام الأمان بعجلةٍ، تنهض من مقعدها وكأنها على وشك خوض مغامرة جديدة في الطائرة!
يا ابنتي، إنها مجرد طائرة بالكاد تجد في ممرها موطئ قدم، وها هو أصلع يُضمر شراً يقف أمامك.
إلى أين بهذه الحماسة؟
احتفظت باستغرابي لنفسي، بينما استمررت في متابعة المشهد بعينين متأهبتين.
ما كادت قدماها تمسان الأرض حتى انقضّ عليها الأصلع، ممسكًا بذراعها يدين أشبه بملقاط فولاذي أثارت انتباه الجميع.
«تعالي هنا.»
صوته خرج أشبه بصفير أفعى، حادًا وباردًا. قبل أن يدرك أحد الركاب ما يحدث، أخرج مسدسه الأسود من جيب سترته ووضعه على رأس الطفلة.
توقعت هذا. متوقع جدًا!
إلا أن ما حدث لم يكن ذلك! نهائيًا!
مَن جذب الفتاة واضعًا المسدس برأسها لم يكن مَن أراقبه!
بل شخصٌ آخر! بشكلٍ صادم!
مفتول العضلات مهندم الملابس، بخالق السماء أين كان؟!!
والذي أراقبه قد وقف ندًا له!
رافعًا المسدس بوجهه!
«لا أحد يتحرك!»
انتشر الذعر في المقصورة كالنار في الهشيم. همهمات خافتة، صرحات مكتومة، أنفاس متلاحقة، ووجوه شاحبة تنظر إليه برعب. بعض الركاب جمدوا في أماكنهم كأنهم تحف أثريّة، بينما انحرط آخرون في تمتمة دعاءٍ بلحنٍ يأس.
أما أنا، فلم أملك رفاهية الانشغال بالركاب. ردة فعلهم محفوظة عن ظهر قلب؛
رجال مذعورون، نساء مذهولات وطفل يبكي في الزاوية، كلهم مجرد خلفية درامية لمشهد أكثر أهمية والذي يتألف من رجلٍ أصلع ضخم الجثة، بارد، يقيد طفلة ويضع مسدسًا على رأسها. للوهلة الأولى، ظننته مجرد ثلاجة ذات أرجل، لكنه يبدو وكأنه قرر ترقية نفسه إلى ماكينة تهديد متنقلة.
ليتكرم أحدهم بإسكات سخافة عقلي الذي لم يلتزم الجدية أمام الموقف.
«سيدي، هل يمكنني مساعدتك؟»
تحدثت المضيفة، بصوتٍ هادئ متزن رغم الشرر الذي بدا في عينيها. كانت تقف على مقربة منه، محاولة أن تشغله عن الطفلة، لكنه لم يعطها أدنى انتباه، مكتفيًا بتشديد قبضته على الصغيرة.
«لا حركات غبية، وإلا...»
صوت المسدس وهو يُشحن كان كافيًا لإسكات الجميع، بمن فيهم أصوات الأفكار المزعجة في رأسي، والتي همست لي مودعةً: هذا ليس سوى مشهد مبتزل خرج مباشرة من فلم سيء الاخراج،
ألا ترغب بالمشاركة علّك تضيف له لونًا؟
«أيُ دالفي كان ذلك؟!»
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!