كانت أمة
اللَّهُمَّ إِنْيّ اِسْتَوْدَعَتُكَ
بَيْتَ الْمَقْدِسِ
وَأَهْلَ القُدْسِ
وَكُلَّ فِلَسْطِين.
♧
أما آن للآوان أن يحين؟
أما آن للروح أن تستكين؟
بعد عهدٍ من أنين،
وفجرٍ حزين،
أن ينبض القلب بنبضٍ آمين..
_____
غرفة مظلمة، مليئة بالحواسيب والصور ثلاثة الأبعاد مضيئة بلونٍ أزرق متابين الدرجات،
وقفت عنود في المنتصف عند أكبرهم، والذين لم يكن سوى كوكب الأرض.
«هل ستسردين من كيف بدأ الخلق الأول؟» ساخرًا نطق، سخرية لازعة مزجت باستخفاف شنيع.
«لا، بل من تاريخ العرب.
بما أن أحدهم لم ينل شرف معرفة معلومةٍ واحده عنهم بشكل صحيح.» بشكل منزعج ردت عليه، وقد كان لها كامل الحق في ذلك، من وجهة نظرها ومن رأي الجميع..
«أوه تقصدين أن تسقي تاريخكم بشرف اطلاعي عليه!»
بنبرة مستفزةٍ - لي أولاً- نطق
بخالق السماء مَن يخال نفسه؟!
ملكٌ كريم؟
بل هو شيطانٌ مُهين تنكر في هيئة بشرية،
أو ربما نذير شؤوم، غضبٌ من الربِ مُرسلٌ علينا!
ما صنيعكِ في الخلقِ يا عنود حتى تلتقى أورابيدا وهو في أشد لحظاته تعكرًا.
«بل أغزو عقلك السميك بشرف رؤيته.»
ردت عنود بعينٍ مطفأة أحرقت قلبي، فرددتُ بحنقٍ قبل أن يسحقها.
«لن نختلف في هذه النقطة بغض النظر عن نائل الشرف هلا تتصدق علينا بصمتك وتكرمنا بسماعك لما لديها من حشو.»
لقد سئمت، شجارتهما السخفية وسخريته اللازعة وكلماته الجارحة وكل شيء!
كيف لك أن تكون هكذا أورابيدا،
ابعدت شعري الأصهب للخلف، واثقةً أن عيوني العسلية تلمع الآن بشرارة قتلٍ،
لم آبه بذلك واجهتها له بكل حنقٍ، بينما أقف بجوار أنستاسيا
في النهاية، أورابيدا لا يمكن توقع كلماته ولا أفعاله،
لازال جزء مني يهابه...
للآن لا يمكنني استيعاب أنه الوحيد تقريبا بين مجموعته الذي لم يرجف عند قتل أول مجرم بحياته،
وفوق ذلك لم يحتاج لتواجد في المصحة، نتائجه كانت صادمة..
كأنها لم تكن مرتهُ الأولى...
«في الماضي، كانت الدول العربية موحدة تحت راية واحدة، من الخلافة الأموية إلى العباسية، حيث امتدت حدودها من الأندلس غربًا إلى تخوم الصين شرقًا. كانت الشعوب متداخلة، والحدود وهمًا لا وجود له، فالعرب تحركوا عبر أراضيهم بحرية، يجمعهم الدين والثقافة واللغة.»
أفقت من شرودي على صوت عنود، ويلتها اهتمامًا، جميعنا فعل تقريبًا جبرًا لخاطرها على بعد ما فعله أورابيدا من سحقٍ في كبريائها،
أمامنا خريطة العالم ثلاثية الأبعاد، زرقاء اللون كلها،
عنود أشارت على على بقعةٍ ما وظهرت حدود حمراء..
اوه! ذلك كله كانت الدول العربية! تلك الأراضي أجمع تحت قيادة انسان واحد؟
كل هؤلاء البشر! يحكمهم شخص واحد!
وقفتُ مذهُلةُ، ذلك لا يصدق حتمًا..
«كما قلت "كانت"، والآن؟»
ولازال مستمرًا في وجم الفتاة..
ما الذي أتى به معانا هذا؟
صوته كلدغات الواقع، كلما غطستُ في التاريخ لدغني بل لدغنا جميعًا وجلد عنود..
«لازلنا أمةً واحدةً لعملك.» عنود هذه المرة ردت بحدةٍ أشد وأقسى،
وما الذي منعك من الرد هكذا في البداية؟!
هل كوننا سُياح ولأجل لقمة عيشك صمتِ على كلماته وسخريته؟
أكانت تحرقتِ هكذا من البداية؟!
خلتُ أنكِ بوجه ملاكي لا يجيد الرد والدفاع.
«هلا احترمت كون الفتاة عربية وتوقفت عن السخرية من كل حرف وكلمة؟!!»
ارسولا شبه همست له بصراخ بصوتها المبحوح، تدعس قدمه،
«أنا فقط اسدي خدمة لكم ولنفسي بإسكاتها» رد بشيءٍ من اللامُبالى
«احتفظ بخدماتك لنفسك» همست بخنقٍ
«من قال ذلك؟!
أنت لا تفهم حقًا!»
عنود قاطعت شجار الهمسات
«حقًا؟!»
تساءل بشيءٍ من الاستخفاف، لتومئ هي
«هاي أنت! أنت مقيضة ببلدك، سفرك لآخرى كأنك غريبة!
دونًا عن الخلافات والصراعات القائمة بين الدول العربية!»
رمشت سريعًا كأنها تدرك الأمر زومت شفتيها رأيت بها استسلامًا، إلا أن
عيونها لمعت بشيء ما كأن نجمة اشتعلت بها
«السفر ليس علامة ترابط ابدًا! إنما مجرد اجرائات! هل تعيش أنت في بيت رفيقكَ كأنك في بيتك؟! ألا تتقيد بقوانينه؟!
وما قصة الخلافات هذه؟! ألا يتشاجر الاخوة!»
جزّ على اسانه مقتربًا خطوةً «وما وصل أبدًا لسفكـ..»
دعستُ قدمهُ وانتقلت رصاصُ عيناهُ نحوي..
«أنت لا تفهم،
نحن.الدول العربية قد نختلف في البلد والشكل واللون لكننا بالنهاية عرب، لغتنا واحدة وإن اختلفت اللهجات، الدينُ يجمعنا وإن تعددت المذاهب، جتى اشعارنا وقضايا تتشتبه، يد بيد هكذا نحن.
جذورنا واحدة، وفروعنا تتشابك.»
الكرة الأرضية ثلاثية الابعاد تدور أمامي ببطءٍ، تتوهّج باللون الأزرق بين عتمة الغرفة.
كم بدت صغيرة... كم بدونا نحن أصغر!
لكنّ تلك المساحة الممتدة من المحيط إلى الخليج لم تكن في نظري حدودًا، بل وريدًا نابضًا، خنقوه بخطوطٍ على الورق فما عاد الدمُ فيه يسرى بانسياب بل تخثر بعضه،
وربما جفت الأطراف،
إلا أن الدم يبقى دمًا، لا يزال رطبًا لايزال يسري مارًا بالدول العربية دولةً دولة..
«نحن عِرقٌ واحد، دمٌ واحد، ودمائنا ليست بماءٍ» نطقت مشددةً على حروفي، أليس هكذا يقال؟ لا يمكن لدمِ أن يكون ماء!
«ليته ماء، الماء إن جمُد لمع والدفء يذيبهُ، الماء إن تعكر،
نظف نفسهُ،
أما الدماء إن تخثرت، فمَن يُعيدها لسريانها؟ وإن تلوثت لوثت الجسد جُلَّه،
أعلمتِ الآن لمَ لا يرتقي الدم ويحلُ ماءًا؟»
لجم لساني، وشل كلماتي،
«ما بكَ سللت سيفك عليَّ اليوم»
نطقتُ عاجزةً علَّه يرأف بحالي
«لأريك دمائكِ»
لأريك تلوثك، لاريك أن فخرك ليس إلا رماد متآكل.
ويح قسوتك وغلظتك، أورابيدا...
أحقًا فرقتنا الحدود؟ إنها مجرد خطوط، مجرد تقسيم، مجرد تنظيم، أليس؟
ربما خذلتنا السياسة، وربما أضاعتنا الصراعات، لكن الرابط بيننا أقوى من أن يُقطع بخطٍ من حبر، ألسنا؟
نحن لازلنا قطعةً واحدة، لازلنا الوطن العربي!
ألم تجتمع الدول ألف مرةٍ في جامعة الدول العربية؟! يتجادلون، يصرخون، يختلفون، ومع ذلك... كانوا يجلسون تحت علمٍ واحدٍ يحمل الهلال والنخلة والسيف!
ألم يكن ذلك وهم ويهتفون بالوحدةِ والتضامن؟!
حتى في خلافاتهم، ظلّوا عربًا.
تمرّ أمامي صور الزلازل والدمار...
المغرب حين اهتزّت الأرض تحته، وهرعت الأيدي العربية بالعون دون تردد، لم نشمت، لم نقل ليس من شأننا!
بل وقفت الدول العربية بجوارها.
بيروت حين انفجر مرفؤها، فامتلأت سماؤها بطائرات الإغاثة القادمة من كل صوب.
في كل مصيبة، كأن القلوب تعرف طريقها قبل أن تأمرها العقول!
أيضًا السادس من أكتوبر...
لم يكن جيش مصر وحده من قاتل في تلك الحرب.
كان العرب كلّهم هناك: العراقيّون في الميدان، والجزائريون في السماء، والمغاربة خلف الخنادق، والسودانيون على الأرض.
وما فعله الملك فيصل حين أغلق النفط في وجه أمريكا... لم يكن مجرد قرار، كان نداء كرامةٍ دوّى في العالم بأسره!
يا الله... كم كانت تلك اللحظة عظيمة!
لم يهتم لاقتصاده ولا لشيء، اهتم فقط أن دولةً عربيةً تتعرض للظلم والقمع!
أتذكّر التحالفات، التدريبات، المؤتمرات...
كلها لم تكن إلا محاولاتٍ للحفاظ على ما تبقى من تماسكنا، على ما تبقى من حلمٍ اسمه "الأمة".
لم يكن حلمًا...
بل كان واقعًا، واقع مَن هشمهُ كان الغرب باحتلالهم باتفاقيتهم وخطوطهم التي رسموها!
لكننا لم نتشتت، لم نتفرق، بل كلما تفرقنا جمعنا شملنا مجددًا!
حتى حين استضفنا اللاجئين، كنا نفتح بيوتنا قبل حدودنا، تبدلنا الألم كما يتبادل الأخوان الغطاء في ليلٍ بارد.
والشعوب؟
أجل، الشعوب كانت أوفى من السياسة دائمًا!
لأن السياسة تعتمد على دفع الأذى عنا، وعلى المصالح،
تخلوا من المشاعر،
خلاف الشعوب!
أتذكّر كيف صدحت حناجر العرب في شوارع تونس ومصر وسوريا وليبيا، تهتف للكرامة ذاتها، للحرية ذاتها،
لقد انفجر الربيع العربي لأن شعبًا نادى بحقه،
فنادلعت النار كالهشيم،
نحن نعيش ذات الألم وذات الوجع، نستمد قوتنا من مقاومة اخواننا، ونصرهم أملنا!
«يا أورابيدا... كنت تظن أننا أممٌ متفرقة، أليس كذلك؟
لكننا في الحقيقة جسدٌ واحد، وإن أُصيب عضوٌ فيه تداعت له الأعضاء بالسهر والحمّى.
لسنا مجرد دولٍ متجاورة... نحن أمة واحدة.
في الحرب نقاتل معًا، في السلم نبني معًا، وفي الأزمات نضمّد جراح بعضنا البعض.
ربما نختلف في اللهجة والسياسة والملبس، لكن القلب واحد... والمصير واحد.»
سكنت الغرفة فجأة، أو ربما هي كانت ساكنة، وأنا التي غفلتُ،
هدأت الأضواء الزرقاء، ولم أعد أسمع سوى صوت أنفاسي المتسارع،
ماءٌ مالح لامس شفتاي، لم تكن إلا دمعةٌ متمردة..
التفتُّ نحوه لأكمل حديثي، لأرى تلك النظرة الساخرة التي لا تفارق وجهه...
لكن المكان كان فارغًا.
اختفى أورابيدا.
لم يكن هنا،
شيءٌ بداخلي اهتز، ورأيت كيف اعتلت الصدمة محياهم،
ما تيقتنه من خلال معرفتي به، أنه لا ينسحب من حوارٍ ولا يغلقه،
بل عليه أن يتأكد أنه سخر منك بما يُشبعه حتى تنخرس،
وقد بدى عازمًا هذه المرةَ على أن ينهشني!
__
«ننظر للجانب الايجابي، أكملنا اليوم بشكل لطيف جدًا دون سخريةِ أو را بيـ دا»
راسيل نطقت، ولم تنسى تقطيع اسمه كأنها تقطعه شخصيًا برأسها،
بينما ترتمي على الاريكة التي بالردهة.
الأمر به من الريبة ما يكفيه،
وعنود عبارة عن لاصق يعصب فكه،
الفتاة لم تتركنا، لثانية، ولم تسمح لي بالمغادرة وحدي،
وبطريقةٍ ما عليها أن تذهب، وعليّ إيجاد ذلك الأورابيدا...
تبدلتُ نظرةً مع أنستاسيا ويبدو أنها توافقني الرأي..
أما عن المشكلة الحقيقية، فهي ايلاريا وراسيل، اللتان اكتشفتا فجأة فضولهم اتجاه التاريخ العربي!
وعنود بالطبع اغتنمت فرصتها الذهبية وهاي هي تجلس بينهما ولم يتوقف لسانها عن الثرثرة!
«لمَ غادر؟! أهناك رسالة منهم؟» بصوتٍ خافت نطقت أنستاسيا حين اقتربت منها
«لا أعلم حقًا، لقد نسيَّ هاتفه في غرفته،
تفقدته، لا شيء...»
«يبدُ أنه لاحظ أمرًا ما، فجأةً تنبهت أنه فقد تركيزهُ تمامًا عن أنود...»
لم انتبه لذلك، كل ما انتبهت له تلك النظرة التي جمدتني مكاني حين كنت سأسأله إلى أين ذاهب،
بدت كتحذير ونذير، فالتزمت الصمت تمامًا...
«المهمة كانت لنا، وتواجدكِ معنا لم يكن مؤكدًا حتى،
لمَ دون سابق إنذار يأتي أمرٌ بـ "تغير جذري بالخطة، وإضافة أورابيدا كقائد؟!" »
نبرتها بدت غريبة، لم أحدد أهذه استفسار أم غيرة؟
أم انعدام ثقة!
أعذرها، مَن سيحب أن يتغير مخطط فريقه على اخر ثانية،
وبعد أن كان قائدًا،
يأتي عليه قائد ساخر إلى أبعد حد، يحل محله؟!
«أهو غير مرحبٍ بنا إلى هذا الحد؟!»
فلت السؤال من لساني بغتةً
«ليس حقًا،
ولكن أليس مريبًا؟! هذا كأن المهمة أخذت منحنى أخر ورتبة أعلى،
ولمَ نحن هنا للآن؟! وأورابيدا لم ينطق بحرفٍ..»
نسيتُ أن أنستاسيا ليست كأي فتاة،
بالنهاية هي "شخصٌ يحلل ذرات الهواء" كهذا وصفها أورابيدا ولم يخطأ...
صوت خطوات ثقيلة جعلت قلبي ينبض نبضةً وكأنه استيقظ من سباتٍ عميق،
الخطوات تقترب، أكاد استشعرها في بداية الممر،
شعورٌ بالسوء علق في حلقي، قبضتُ يد أنستاسيا بلا وعيٍ
التفت ببطء، وكأن مفاصلي غدت حديدًا صدأً
ولم يكن سواه،
أورابيدا، مدرجًا بالدماء...
كم أكره تلك النظرات التي تسبق الكارثة..
حبستُ أنفاسي،
أنا على مشارف الدخول في نوبة هلعٍ الآن...
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!