بلوبيل
بلوبيل
جزء 3 من 17
وضع القراءة:

الرَّيْب

اللَّهُمَّ إِنْيّ اِسْتَوْدَعَتُكَ
بَيْتَ الْمَقْدِسِ
وَأَهْلَ القُدْسِ
وَكُلَّ فِلَسْطِين.
♧
جالت عيناي بمللٍ تقيم الطّائرة من الداخل،
ممرٌ ضيّق غير مراعي للمساحة الشخصية فُرش بسجادٍ كاحلي منقط بدوائر فضية، كأن السماء تواضعت تاركةً قطعةً منها تكتسح الأرضية، ربما ذلك احتلالٌ أكثر من كونهِ تواضعًا؟!
ما أن رفعتُ بصري قليلًا عن تلك السماء المفروشة، حتى اصطدمت عيني بالحقيقة الأشد إزعاجًا:
الجمال سرعان ما تهشّم تحت أقدام الواقع.
تكدست الأحذية على الزرقة المقدسة بلا رحمة، وتنازعت الأذرع فوقها كأنهم في سوق شعبي لا في مقصورة طائرة،
كلٌّ يجاهد لحشر أمتعته في عُليّة الطائرة، يدفع، يضغط، يعتذر بلا نية، ويواصل الكفاح وكأن الحقيبة لو لم تدخل ستنفجر.
«نرحب بكم على متن الرحلة المتجهة إلى مدريد»
صدح صوت القبطان مرحبًا بالإنجليزية وتسارعت الأجساد كلٌ يندفع متخذًا مكانه على الكراسي الزرقاء المتراسة بدقة عسكرية ثلاثة على الجانبين،
«يرجى وضع الأمتعة في الخزائن العلوية أو تحت المقعد.»
مضيفات بملابس زرقاء يتحركن جيئةً وذهابًا، مصاباتٌ بفرط حركة ربما وفيروس الابتسامات
«ومن الأزرق أكثِر.»
كأننا في منافسةٍ من يعرض الزراق بشكل أبهى
فتحت سترتي كانت البلوزة زرقاء، أغلقتها.
«ماذا تريد يا سيد؟»
استفسرت مضيفة بابتسامة لرجلٍ واقف فجأةً يمدد جسده ربما؟ مما جعله يتنحنح بحرجٍ ويُعاود الجلوس.
«لا مراعاة للخصوصية هنا»
صراحةً حقه أن يتملل المقاعد مصطفة كعلب السردين، حيث تُمنَح لكل راكب "راحة" تكفي بالكاد لركبتيه ــ في حال نسي أن لديه ساقين.
«يرجى إطفاء الهواتف أو تحويلها إلى وضع الطيران»
والكثير من الرجاء! ألن ننتهي ونقلع؟!
«يُرجَى ربط حزام الأمان والبقاء في مقاعدكم. ستُقلِع الطائرة»
صدح صوت المضيفة عبر مكبرات الصوت مجددًا، دعوتُ سِرًا أن يكون هذا التنييه الأخير إلا أنه لم يكن، إذ تتابعت التنبيهات ابتداءً بكيفية ربط الحزام،
كنت قد ربطهُ مُسبقًا لذا لَمْ أهتم لكلامها بينما تتابع باقي تعليمات السلامة.
من الملل أن تكون قد أديت كل التعليمات وتجلس تستمع إليها مرارًا وتكرارًا،
في المرة القادمة سأتأكد أني لم أفعل.
والآن ما الذي كنت أفعله قبل الدخول في دوامة تقيم الطائرة؟
اه، مراقبة ذاك المُريب!
عدتُ أقلب حمَّالة مفاتيح بيدي بينما عيني قررت ألا تنزاح عن ذاك الرجل الجالس في الكرسي رقم 27D،
في حين أني جالس في الكرسي 33B-اخر مقعد-
شخصٌ غريب، مُريب ملحف بالأسود والرمادي لكنه بارع في إخفاء ريبته!
مثير للاهتمام.
أما عن الآنسة الشقراء الّتي بجواري فلا تنفك تضغط على يدي كلما سمعت كلمة إقلاع الطائرة!
تظنني الوقود ربما؟
«هلا تُشغلين عقلكِ بأي أفكار فارغة وتتركين يدي؟»
لَم تجيب سوى بالضغط أكثر على كفي المسكين
«فكري كيف تقلع الطائرة لعل ذلك يُثبت لكِ أنها آمنة وارحمي يدي»
هي أخيرًا أفلتت يدي بإدارك،
ومع ذلك لَم تعتذر على تشويهها!
شقراء وقحة!
«وما أدراني بآلية عمل الطائرة!»
وتكمل وقحتها!
«عندما يعمل المحرك يدفع الطائرة إلّى الأمام بسرعة كبيرة، يجعل ذلك الهواء يتحرك بسرعة حول الأجنحة، وتدفع الأجنحة الهواء إلّى أسفل مما يولد قوة الرفع الّتي ترفع الطائرة إلّى أعلى برغم وزنها الكبير...
وهو ما يدعى مبدأ برنولي، والذي يوضح أن ضغط الهواء والسوائل ينخفض كلما زادت سرعته، وعليه فإن الطائرات جميعها تمتلك أجنحة منحنية من الأعلى ومنبسطة من الأسفل، فعند سيرها على أرض المدرج تكون سرعة الهواء فوق الجناح أعلى منها أسفل الجناح، وبناءً على مبدأ برنولي، فإن الضغط أسفل الجناح يكون أعلى من فوقه، وبالتالي يصبح هناك قوة دافعة للأعلى، ولكن يجب أن تسير الطائرة بسرعة مناسب حتّى يُصبح الفرق بالضغط بين أعلى وأسفل الأجنحة يولد قوة تفوق قوة جذب الأرض لكتلة الطائرة، لذلك تحتاج كل طائرة إلّى سرعة مختلفة عن الأخرى للإقلاع، وذلك بحسب تصميمها»
لم أكن لأبخل عليها بتصديع رأسها بمعلوماتي الوفيرة
إنتقامًا لفعص يدي
تمُر المضيفة تغلق الأرفف الّتي تحوي الحقائِب.
ها قد بدأت الرحلة، وهاقد تشبثت الشقراء مجددًا بيدي، يا ربِّ صبرك!
«من فضلك، افتحي النافذة يا آنسة.»
طلبتْ المضيفة من الشقراء التي اتّسعت خضراوتاها بذُعرٍ مبالغ فيه.
«هيا، لمَ الذعر؟ إنها صغيرةٌ لدرجةٍ تجعلني أظن أن من صمّمها كان يعاني من رهاب المرتفعات، فأراد تقليل رؤية الحقيقة قدر الإمكان».
وأضف إلى ذلك أن كل نافذة محاطةٌ بإطار بلاستيكي يجعلها تبدو كديكورٍ منزلي فاشل.
نفّذت الأمر على مضض، تحدجني بنظراتٍ حارقة.
«لماذا يجب أن تبقى النوافذ مفتوحة؟»
«صدقيني، هذا ليس سؤالًا سترغبين في معرفة إجابته، تحديدًا في هذه اللحظة.»
«لِمَ؟»
بدت مُصرّة، كمن يريد أن يعرف المصير قبل وقوعه.
وكنتُ - بما أمتلك من كرمٍ في المعلومات (المفزعة تحديًدًا)- غير راغبٍ في البخل.
«مرحلتَا الإقلاع والهبوط هما أخطر مرحلتين، تشكّلان نحو 80% من حوادث الطيران.»
«ماذا؟!» لكنها لم تنتظر ردًا، فقد كان جسدها أسرع منها، إذ تقلّص كتفاها والتصق ظهرها بالمقعد.
وبتروٍ كأنني أُخبرها بدرجات الحرارة، أضفت:
«لهذا، يُطلب إبقاء الستائر مفتوحةً، حتى إذا احترق جناحٌ أو تطاير جزءٌ من الطائرة، يرى أحدنا الكارثة ويصرخ صرخةً مدوّية تُنبّه الطاقم... فهم لا يحبّون المفاجآت البصرية بقدر ما نُحبّ المقاعد الضيّقة.»
اتسعت عيناها أكثر، حتى خُلتُ بياضهما سيطغى على الأخضر، فأكملت، بنبرة هادئة كمن يتلو نشرة طقس:
«الركّاب، على ما يبدو، هم نظام المراقبة الاحتياطي للطائرة. مئتا عين تتفحّص الأجنحة أفضل - في رأيهم - من طيّارٍ واحد مشغول بزرّ الإقلاع.»
فتحت فاها، ولم يُغلق.
«أما إن ساءت الأمور، واضطررنا للقفز من السماء إلى الأرض، فمن الأفضل أن تكون أعيننا قد تعوّدت على نور النهار... لا أحد يحب أن يُخلّى وهو أعمى بصريًا ونفسيًا.»
ارتجفت يدها، قبضت على ذراع المقعد بعنفٍ، كأنها تتشبث بالأرض ذاتها، وبدأ صدرها يعلو ويهبط بوتيرة سريعة، تخشى أن تُقلع روحها قبل الطائرة،
«يكفي...»تمتمت
تراجعت في مقعدها، وعيناها لا تزالان ترمشان كأنهما تبحثان عن زر التراجع.
«واجبي.» رددتُ بابتسامة ساخرة، ثم عدتُ إلى عبثي بحمّالة المفاتيح، وكأن شيئًا لم يكن.
تتحرك الطائرة إلى الخلف كما لو كانت تعاني من نوبة تردّد وجودي، أو ربما هو تخطيط للوثب؟
ثم تبدأ بالزحف على المدرج، تزيد الطائرة من سرعتها تدريجيًا ومع ازدياد السرعة تزيد الآنسة الشقراء من الضغط على يدي بينما تغمض عينها وتعود في كرسيها للخلف كما لو أنها ستغطس به!
هدير المحركات تصاعد تدريجيًّا، وكأن الطائرة تستجمع أنفاسها الأخيرة على الأرض قبل أن تغدو طائرًا من حديد.
-تسارع فجائي-
صوت المحركات يرتفع كأن الطائرة تئن من المسؤولية، ثم،
ارتجت الأرض من تحتهم، واندفعت الطائرة للأمام بقوة تشدّ الأجساد إلى المقاعد، كأن الهواء صار مقاومة محسوسة.
بقدرة قادر، تنفصل عن الأرض، وتحلّق... وكأنها نسيت أنها تزن أطنانًا.
رويدًا رويدًا ترتفع عن الأرض، وفي هذه اللحظة فتحت الآنسة عينها على مصرعيها لتخرج صرخة سرعان ما كتمتها قبل أن تلفت الأنظار!
إلا أن الأوان قد فات وها هو الجمع ينظر نحونا لأبتسام بِسخريةٍ.
إني شابٌ، برئ، جلس بِجوار آنسة مختلة، تخشى الطّائرات والمرتفعات دون أن يدري!
عاد كل شخص لانشغاله فيما يفعل
والآنسة بجواري لم تتوقف عن تشويه يدي والتمتمة بكلمات مبهمة
«حين ترتفع الطائرة هكذا أشعر أنهم سيسقطون عليّ!»
قالت تعبّر عن أحاسيسها والّتي لَم ولَن أسأل بشأنها أبدا.
-رجفٌ خفيف اهتز في الأجساد-
«ما هذا الاهتزاز»
«الاهتزازات الأولى مجرد تذكير لطيف بأنك عالق في صندوق حديدي طائر، على ارتفاع عشرة كيلومترات، وتحتك غيوم، وفوقك دعاء أمك.»
ومن هنا تبدأ الرحلة... لكن بالنسبة لشقراء لم تكن رحلة إلى الوجهة فقط، بل إلى أعماق التساؤل وجلد الذات : «ما العيب في الرحالات البرية؟ لمَ لم أستقل جمالا؟»
الأرض التي كانت قريبة، صارت مشهدًا يتناقص تحت النوافذ الصغيرة، كأنها تتنحى تواضعًا أمام رغبة الإنسان في التحليق،
ثم فجأة، سكن كل شيء.
.
.
.
.
من كان يتوقّع أن حياة المضيفات ليست سهلة؟
وفوق ذلك، لا تناسب أيَّ فرد،
بل هناك صفات شخصية يجب أن تتوفّر فيك حتى تكون ملائمًا لهكذا وظيفة:
كـالابتسامة الدائمة، والوجه المطمئن،
الأناقة، والتصرّفات الهادئة، وأن تملك قدرةً خاصةً على التعامل مع أيّ فرد وأيّ مزاج بشكلٍ رسميٍّ لا يُوتّر، ولطيفٍ في ذات الوقت، دون تجاوزٍ للحدود أو السماح لأحدٍ أن يتجاوز حدوده معك.
وكلُّ ذلك لا بأس به، أستطيع أن أُطيقه وأتفهمه.
أما ما لا أُطيقه حقًّا، فهو مساحيق التجميل هذه، وتلك الملابس الزرقاء...
تنورة مستقيمة تصل للركبة بالكاد تسمح لي أن أخطو خطوات قصيرة،
وقميص أبيض ناصع، يعلوه سترة قصيرة بأزرار لامعة،
وشاح حريري صغير ملفوف حول عنقي بلونٍ أفتح،
«تفصيلة جمالية لا وظيفة لها.»
كانوا عليهم أن يتعاقدوا معي لأصمّم لهم ما هو أكثر جمالًا من هذا.
شعري نحاسيُّ اللون، مشدود بإتقان إلى كعكة خلفية تلمع تحت الإضاءة كأنها مرآة، وكل خصلة خارجة عن النظام كانت بمثابة جريمة في عرف الرحلات.
حذاء أسودٌ لامع، ذو كعب عالٍ، يتحرّك بنقر خفيف فوق السجادة الكحلية كلما خطوت.
على صدري بطاقة تعريفية معدنية، عليها اسمي الأول: «أنستاسيا».
أنهيتُ تنمّري الداخلي، وها أنا أجرُّ عربة الطعام، عيوني مُثبتة على غريمي،
أراقب أقلّ تصرّف يصدر منه.
على غير عادة، المعلومات وفيرة هذه المرّة، إلا أن ذلك لم يُسهّل المهمة؛
إذ إنها أوّل مرة أنفّذ فيها خطة على العلن، يعني سأُوقِع به أمام كل هؤلاء!
وليس الأمر أنني أملك رهبةً من البشر أو ما شابه، فقط...
أداء مهمة وسط مدنيين يتطلّب أن تكون سلامتهم هي الأولوية، وهذا ليس بالسهل أبدًا!
وعليّ الحفاظ على سريّة هويّتي أيضًا!
راقبته مجددًا... ضخمُ الجثة، بذراعين مفتولين، أصلعُ الرأس، وعينان كالمثقاب،
ولو كانت النظرات تُثقب، لثقبت كلّ ما تبصره.
يُراقب كل ما حوله بتربّصٍ وحذرٍ، ولا يُبدي ذلك!
«سيدي...»
طفلة بندقيّة الشعر، زيتونيّة العيون، نطقت بصوتٍ طفوليٍّ مفعمٍ بالطاقة والحيوية.
هو نظر نحوها، وازداد حذره أضعافًا، كما لو أن غريزته الإجرامية تُوشي بمكيدتي له!
ليمرّ هذا اليوم بسلام، رجاءً.
«هل هذه عربة الطعام؟»
نظر أمامه ببطءٍ دون أن يجيب، ورأيتُ كيف تعرّق جبينه، وانقبضت يده.
أشحتُ ببصري حتى لا يشك بي، أخشى أن يُؤذي الطفلة.
لتبتعدي، رجاءً، عنه!
«سيدي، ماذا ستطلب؟»
الطفلة ذات الشعر البندقي عادت تتحدث بابتسامةٍ كبيرة،
وقد توقعتُ أن يتجاهل وجودها، إذ أن ذلك كان منطقيًّا...
إلا أنه نظر مجددًا نحوها، لمعت عيناه، وابتسم ابتسامةً متعرّجة، كما لو أنه...
كما لو أن خطر في باله شيءٌ ما.
«لحم.»
هو ردّ بذلك فقط، بتعبيرٍ مرعب. واثقة أن الرعب دبّ في قلب الطفلة!
ابتلعتُ رمقًا، أدعو سرًّا أن تسير الأمور كما خُطِّط لها.
.
.
نهضتُ من مكاني وقد تعلق نظري بيدي تحديدًا بالخدوش الحديثة الّتي بها
كله بسبب أورسولا الّتي تملك رهابًا من الطائرات فبقيت تضغط على يدي
تحدث بها خدوشًا!
ذاتُ الكلمات أعدها مرارًا وتكرارًا!
وإن دل هذا على شيء فهو مللي وسخطي.
دخلتُ دورة المياه أبحث عن ضالتي.
رمقت المكان بتفحّص، وأدركت فجأة أنني مدان باعتذار داخلي لكل المقاعد التي شبّهتُها بعلب السردين؛ إذ اتضح أنها أوسع – نسبيًا – مقارنةً بدورة المياه، أو لنَقُل: علبة السردين العمودية.
طلاء الحمّام، الأرضية، وحتى السقف، كلّ شيء باللون الأبيض؛ يُعطيك إيحاءً بالبراح والاتساع، لكنه إيحاءٌ كاذب.
بالكاد يكفي لموضع قدمَيك!
ضوء أبيض قاسٍ يسقط من الأعلى كأنه استجواب،
فور أن دخلت، تلامس مرفقي مع الحوض، وخطوة واحدة جعلتني أُصبح "داخله"، وخطوة أخرى فقط، كنت سأحتضن الجدار.
انحنيت أنظر خلف الحمام، -أُأجل التنمر الداخلي إلى وقتٍ اخر- لَم أجد شيئًا
أسفل الحوض والذي كان نصف قِطر دائرة، «محاولة فاشلة لتقليد القمر»
لا شئ تحته
المناديل؟ لا شئ بداخلها
ولا فوقها ولا تحتها
سلة المهملات؟ لا يوجد أيضًا
أين؟ أين؟ أين؟
أين؟
لم يتبقي أي مكان
بل تبقي!
السيفون!
فتحته كمن يفتح قدرًا يغلي، ينتظر أن ينفث البخار في وجهه… لم أجد شيئًا.
أوه، بل وجدت.
قطعة سوداء صغيرة ملتصقة بغطاء السيفون، متخفية كأنها تظن نفسها جزءًا من نظام التصريف ربما.
انتزعتُه بحذرٍ، ونظرت إلى المسدس.
والثر PPK.
كلاسيكي، أنيق، صغير الحجم، ويكاد يبتسم بخبث.
لا عجب أنه السلاح المفضل لجيمس بوند… والمجرمين الذين لا يحبون الفوضى.
أخرجت الذخيرة الأصلية واستبدلتها بأخرى بلاستيكية، لا تُحدث ضررًا حين يطلقها، ستتكسر الرصاصة وتسقط وفقط.
بإمكاني أخذ المسدس،
لكن… حين يكتشف اختفاءه، سيجنّ.
ويرتبك!
عليّ ألا أنسى أنه مجرم محترف
بغض النظر عن أنه سيتوتر ويرتبك
فهو حتمًا سيرتجل!
سيرتجل خطة لا تخطر على البال،
وقتها يتحوّل إلى وحشٍ خارج النص.
ليس هذا فحسب! بل سيضع في حسابه أن هناك
من كشفه، وهذا حتمًا سيكون كارثيًا.
لذا، أعدته لمكانه.
لتستمر الخطة كما يشاء... حتى يحين دوري.
التقطت أذني خطوات تقترب ببطء
فسارعت
بضغط السيفون والذي أحدث صوت شفطٍ عنيف يخيف من لا يتوقعه.
غسلت يدي، أخذت كثير من المناديل
جففت يدي وريمتها في سلة المهملات
وخرجت سريعًا.
وكان هو!
الأصلع المُريب.
إلتقت عيني بثقبٍ أسود لا عين بشرية،
تواصل بصري لم يدوم لثانية، كنت أنا من قطعه فورًا
اخرج،
أجلس بمقعدي،
يبدو أن الوقت قد حان!
أخيرًا شيء يزيح الملل.
«ألا يوجد ماء هنا؟»
نطقت ورفعت صوتي حتّى تسمعني المضيفة
الشقراء أورسولا بجواري استيقظت
والطفلة البندقية الّتي كانت تعبث بعداد عمرها نظرت نحوي تقطب حاجباها الكثيفين، أكان صوتي عاليًا لهذه الدرجة؟ خلتُ أني سأكرر طلبي عِدّة مرات.
المضيفة اقتربت بابتسامة عملية
«بالطبع يوجد، فقط لحظة.»
وانصرفت
ومن مكاني استطعت رؤية المضيفة الأخرى -نحاسية الشعر طويلة القامة، أنيقة المظهر- تعطي منديلًا مُبللًا معطرًا لأحد رُكاب درجة رجال الأعمال.
بينما عيناها تراقب تنظر نحوي لأرسل لها إبتسامة وغمزة، لتشيح بنظرها عني.
لو أن أحدًا رأني سيفهم الأمر بشكلٍ خاطئ تمامًا، لكن مَن يهتم؟
بالتأكيد ليس أنا.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.