الصفصاف
اللَّهُمَّ إِنْيّ اِسْتَوْدَعَتُكَ
بَيْتَ الْمَقْدِسِ
وَأَهْلَ القُدْسِ
وَكُلَّ فِلَسْطِين.
♧
لقد حُسبت فردًا في هذه الدولة، لا منها...
أنت رقمٌ يُسجَّل لا روحًا تُحتَضن،
فلا تلُم إن خُذلت.
-رَويناء.
♧♧♧
استقرّت السيارة أخيرًا أمام مبنى يصرخ بعِتقٍ تاريخي وأسرارٍ غائرةٍ في الماضي؛ جدرانه العتيقة متشابكة الحجارة ترابيٌّ باهتة اللون، تتزيّن بالنقوش والزخارف، كل نقشٍ يهمس بمعنى عميق، وكل رمزٍ يحمل في جوفه حكايةً قديمة.
نوافذه العريضة يكسوها زجاجٌ مصقول كالمرايا، غاية في النظافة واللمعان،
مخطوطٌ بإطارٍ ذهبيّ يشي بالهيبة والفخامة، وعلى الأرض تمتدّ سجادةٌ حمراء قانية تحفّها أطرافٌ مذهّبة، تقود الداخلين بخطى ملكيّة نحو البوّابة.
أما تلك البوابة نفسها، فقد بدت كأنها مدخلٌ إلى قصرٍ مهيبٍ، ينتظر على عتبته مأدبة ملكيّة يجتمع فيها نبلاء القوم، وتتهيّأ الجدران لسماع الهمسات التي لا يجرؤ التاريخ على البوح بها.
ترجّلتُ مِن السيارة مخطوفةَ الأنفاس، كأنني...
«أقف على عتبة زمنٍ آخر!»
خفضت بصري نحو حذائي، فإذا بالتوتّر يغزوني مرافقًا إياه شعورٌ بالنقص والعار.
كان يجدر بي أن أرتدي فستانًا من الطراز الفيكتوري،
وحذاءً لم يطأ الأرض يومًا،
كان يجدر أن تكون هيئتي شيئًا يشبه هذا المكان...
لا غريبةً تتعثّر في رهبة القصور.
«مِن القرن العشرين إلى ما قبل العصور، هل تسمعيني ايلاريا؟»
طرفت أعود من رحلتي التاريخية إلى أرض الواقع على صوت أورابيدا، لمَ عليه أن يكون قاطعًا للحظات الفخمة والمهيبة؟!
وكهروبًا رفعتُ هاتفي نحوه والتقطتُ صورةً، فارتدّ مذعورًا من وميض الهاتف مبتعدًا.
ابتسمت ببراءة.
«المكان أروع من الداخل» عنود همست لي بينما خطوتُ أولى خطواتي فوق السجادة الحمراء بحذرٍ خشيت معه أن أُسيء إلى نقائها،
«كأنك تخطين على قشر بيضٍ» سخر أورابيدا
«أخشى أن ألطخ هذا التُراث بحداثة الحاضر.» همست بلا وعيٍ
«داعمة التكنولوجيا والحداثة تتحدث:» نسيت أنه لا غالب للسانه اللاذع
خطوت خطوة أخيرةً اعبر البوابة وقد عبرت بوابة الزمان حتمًا، كنتُ على وشك أن أركض مبهورةً، لولا أن رجال الأمن اعترضونا.
««بطاقتك من فضلك»
قال أحدهم بصرامةٍ موجّهًا حديثه إلى عنود.
مدّت يدها إليه كأنها كانت مهيّأة منذ زمن لهذه اللحظة «تفضل».
«ثانية»
ردّ بابتسامةٍ مقتضبة وهو يستأذن اخذاً البطاقة.
«خذ وقتك» أجابته تلتفت لنا.
اتسعت ابتسامتها، وعيناها تتنقلان بيننا، ومن لمعة عيونها شعرت كما لو أنهما تشعان فخرًا، وثغرها بالكاد يكتم الكلمات.
دسست هاتفي في جيب تنورتي الوردية القصيرة، أعيدتُ خصلاتي البندقية القصيرة خلف أذني،
شبكت أناملي أبادلها ابتسامتها، وقد انتعشت أذناي طوقًا لسماع المزيد من قصصها.
أعطيتها كل الإيحاءات بأني في أتم الاستعداد لأن أصغي لأيّ شيءٍ قد تبوح به.
وثغرها لم يكن بقادرٍ على سجن الكلمات لوقتٍ أطول.
«البطاقة الشخصية أشبه بجواز عبورٍ في مراحلك العمرية لا مفرّ منه،
منذ الخامسة عشرة، كان يفترض أن أحملها، لكن الأوراق ظلّت ناقصة، لا لذنبٍ مني، بل لأن أبي ــ على عادته ــ كان يتكاسل في إنهاء ما ينبغي إنهاؤه، وهذا طبع بنا، التساهل في تلك الأمور المصيرية!» ضحكت بخفةٍ
«حتى بطاقتها الشخصية لها حكاية» أورابيدا همس ضجرًا
إلا أن أحدًا لم يهتم
«ومضت الأعوام، حتى بلغت الثامنة عشرة، فإذا بالوقت يضعني أمام الحقيقة وجهاً لوجه: لا مناص بعد اليوم.
عليَّ أن أستخرجها، كأنها ختمُ اعترافٍ بأن المراهقة قد انقضت، وأنني مقبلةٌ على مرحلةٍ جديدةٍ لا تُعفي أحدًا من مسؤوليته!»
ابتسمت لم أتعامل يومًا بطاقتي الشخصية بشكل شاعري هكذا، بل إنني لا أذكر متى وكيف فعلتها حتى.
«آه يا ايلاريا ... لو كنتُ أطوف الصفا والمروة عشرين شوطًا، ما أُنهكت مفاصلي كما أُنهكت يوم "استخراج البطاقة!"
خرجنا من البيت مع إشراقة الصباح، مع بائعي اللبن والفلاحين تمامًا!
ومنذ الثامنة ونحن نركب مواصلة تلو مواصلة؛ خمس ركوبات على الأقل، وكل واحدة أشد ضيقًا من أختها، حتى كدت أظن أن البطاقة تستحق أن تُسجَّل في كتب الأساطير لا في سجلات الدولة!
تخيّل! كنا تائهين، نبحث عن قسمٍ اسمه "الدرداء" فإذا بالسائق الأحمق يحسبنا نقصد مقام الصحابي أبي الدرداء!
وظل يقسم أنّه سيأخذنا لننال البركة، حتى انفجرت أمّي في مقعدها الخلفي: «نحن لا نبحث عن بركة، بل عن ختمٍ رسمي يثبت وجود ابنتي في هذه الدولة!»
ولم ينته المشهد هنا... ركبنا مركبةً عالية تُشبه الحافلة، فوقفتُ على الباب أكاد أتدحرج خارجه، فيما انزلقت أمي لتقع بحـ»
قطعت حكايتها بضحكةٍ صاخبة ولم أبخل بصوتي في المشاركة
«منظرٌ أقسم كان أجدر بأن يُخلّد في الكوميديا المصوّرة.
ومع كل هذا العناء، بلغنا المكتب قبل إغلاقه بخمس دقائق فقط، وأتممنا المعاملة، ثم عدنا إلى البيت عند الواحدة بعد الظهر.
بالله عليك، أليست هذه البطاقة أحقَّ بأن تُسمّى ختمًا يتيمًا طُبِع على خارطة الوطن العربي كلّه؟!»
أقبل علينا رجل الآمن معيدًا لها بطاقتها شاكرًا إياها،
«أريني تلك التحفة الأثرية»
أورابيدا مد يده ساخرًا ملتقطةً البطاقة من رجل الأمن عوضًا عنها في حين رفعت هي رأسها فخرًا وتبخترًا،
«أرملة تركض خلف عشرة أولاد»
علق أورابيدا مُعيدًا لها البطاقة في حين سقطت ابتسامتها.
♧♣︎♧
«المؤسس الحقيقي للدولة المملوكية،
قاهرُ المغول يوم عين جالوت،
الذي باغت الأرمن فدكّ مملكتهم في معركة سيس،
ومحا إمارة أنطاكية الصليبية، فأسدل الستار على وجودها!»
انطلق صوتي كأنه كان طيرًا أسيرًا وتحرر حين استقرت قدماي أمام لوحةٍ تاريخيةٍ قابعةٍ في منتصف حائط المتحف كبيرة الحجم ممتزجة الألوان: فارسٌ أبيض البشرة، أشقر الشعر، ذقنه حاد يغطيه لحية خفيفة، عيناه نارية تشتعلُ بمزيجٍ من القسوة،المكر، الدهاء!
زرقاوتين،
ببقعةٍ بيضاء في إحدهما.
جسدٌ مشدود وثابت رغم حركة الفرس ورهبة المشهد،
كأنه ولد فارسًا.
يمتطي جوادًا يجرّ لجامه للخلف فيرتفع على قائمتيه الأماميتين. ذراع الفارس مرفوعة، سيفه يُطيح بالأعناق، يُرشق الدماء للتتفجر كأنها تتفجر من اللوحة نفسها مغطيةً أطراف اللوحة السُفلية، بينما اللوحة من الأعلى فقد تعامدت الشمس على الفارس تعكس لمعة دِرعة الذهبي، إلا أن السماء الزرقاء لم تكن بتلك الصفوة، بل بها بعضٌ من الغيوم الرمادية.
حدّقت في اللوحة، وما عادت ثابتةً أمامي، بل كأنها مشهد حقيقي يُبَثّ حيًّا أمام ناظري،
أُسيرت أنفاسي تلقائيًا كأنني.. أنا اللوحة، أنا الجماد، أنا الساكن!
أنّى للتريخ أن يكون حيًّا مؤثرًا بعد هذه الأعوام والقرون؟!
التفتُّ إليهم بابتسامة فخرٍ واعجابٍ يتجدد
«إنه الظاهر بيبرس!»
صرختُ باسمه بعزٍ كأنه جدي الأكبر وأعتز بانجازاته، فتلألأت عينا إيلاريا بمزيج من الدهشة والإعجاب.
«غذّاني فضول... ما استراتيجيته في الحرب؟» تساءلت أنستاسيا، وهي تتقدم بخطى بطيئة نحو اللوحة، أصابعها تلامس أطرافها اطارها الذهبي المزخرف بحذرٍ كأن يدها تعبر الزمن وتمس التُّراث، تحدّق بتمعّن في تفاصيلها كأنها ترى بها شيئًا لا نراه.
أجبتها وقد ارتسم الحماس على وجهي:
«ما غُزي قومٌ في عقر دارهم إلا ذلّوا.
لذلك اعتاد أن يفاجئ الأعداء خارج حدود الدولة الإسلامية في دارهم.
كان يهاجم حيث لا يتوقعون،
ويضرب حيث لا يظنون أنّه قادر على الوصول.»
حين علم أن جيشًا مغوليًا يتأهب في جنوب آسيا الصغرى لغزو الشام باغته في مكانه وأباده.
استراتجيته هذه هزمت الصليبيين والمغول، الأرمن، استولى على قلاع الحشاشين ووضع حدا لدولتهم، ومحق السلاجقة.
فكان حكمه سُؤْدَد للمسلمين..
«كيف تولى الحكم؟»
هاه؟
نزل سؤال أورابيدا كما الصاعقة، كصفعةٍ تلقيتها تفيقني من عَثرَتي يُحسرنُي
أوه...
لقد سَهوت، لقد غَطَّتُ في الافتتان من عودًا على بدء.
«كيف اعتلى كرسي العرش؟»
ردَّد سؤاله بشيء من الإلحاح والغِلظة ينكأ الجرح، جرحي..
أورابيدا لا يوفت قَرحًا لي إلا وقد عصر عليه برتقالًا فكواه!
إِزْدَرَمَت غصّة من ريقي أُجيب،
«قتل قطز، التي..»
آثرت أن ألوذ بالوجوم، اجترع فَضلَة الحقيقة أردمها في أعماقي،
أرتضي بتلك الإجابة المقتضبة،
سيف الدين الذي كان له لُدًّا، رافيقًا ومؤنسًا،
قطز الذي اتخذه محل ثقةٍ وركن اتكاز،
قطز الذي أعلن عن موهبته يوم بارزه أمام أقطاي والسلطان نجم الدين أيوب
فهزمه بيبرس ولم يَكِن له قطز سوى الاحترام والفخر.
لكن النهاية كانت طعنةً في الظَّهر، قذرةً لا تُمحى.
لقد خان صديقه وقائده قطز، الذي شاركه نصر عين جالوت، فغدر به بعد النصر، وانتزع العرش لنفسه. أسطورة تصنعها الدماء والبطولات... لكنها أيضًا تحمل بصمة الطمع والدهاء.
هذا عمالنا رَوَى التاريخ بكل تَألُّقٍ ومَعَزَّةٍ،
إما تلك الحقائق المفجعة فتُغْمَر في أعمق نقطةٍ في الروح،
حتى توأد، حتى تتلاشى، حتى يموت الشعور...
لكي لا ينطفأ تَلأَلُؤ العيون
ولأننا.. لا نصدق تلك الحقائق عن أبطالنا.
تخيّل أن تعجب بشخصيةٍ، تتعمّق فيها، تغرق في وهجها، حتى تصفعك الحقائق والواقع معًا: لتدرك أنك عشت في زيفٍ، وأن ما تلألأ من تاريخٍ كما الذهب امتلك قلبًا سرمدًا
لم يكن البارقُ ذهبًا، بل كان بيريت.
خيبة وخذلان وهذا أكثر ما ذقته من التاريخ والذي كان لي عشيقًا..
«التي ماذا؟»
«التي صُنفت كأقزر طعنه بالتاريخ»
لفظت الجملة كمَن يلفظ لقمةً مُرّة المذاق،
وأُعتمت لمعة ايلاريا، أخذت ابتسامتها في التقلص حتى انعدمت
كأن التاريخ أطفأ شمعةً في عينيها، وتركنا في عتمةٍ نبحث عن بريقٍ لم يكن يومًا سوى سراب...
هل كان سربًا؟
«أهذه يد بطل نصافحها ونرفعها للسماء بتقديسٍ؟ أم يدٌ غمست في دمٍ لم يُجفف بعد؟»
إنها سخرية رغم أن صوته لم يحمل من الاستهزاء شيئا..
أجل... كان بطلًا، ولكنّه أيضًا خان وغدر. طعن من وثق به، وغمس سيفه في دماءٍ ما كان لها أن تُراق. لقد دوّن التاريخ إنجازاته بحبرٍ من ذهب، لكن الصفحات الملطخة ظلّت تُطوى عمدًا حتى لا تنطفئ اللمعة في أعيننا.
كما انطفأت وهج إيلاريا الآن...
«إنه بشري» نطقت أنستاسيا.
◇◆◇◆
في تاريخ أي حضارة توجد فترات مظلمة، إلا أن هذه الفترات لم تأتِ من قبيل الصدفة أو سوء الحظ بل هناك شيءٌ ما وراءها أو فلنقل كان هناك شيء
شيءٌ هو المتسبب في كل الفترات المظلمة التي مرت بها الحضارة الإنسانية، شيءٌ موجود منذ البداية ولازال موجودًا حتى يومنا هذا..
شيءٌ يفسدها ويهوي بها إلى سابع أرض..
وهو المتسبب في الظلام الذي نحياه تلك الأيام.
كانت هذه نظرية قرأتها في كتابٍ ما وكنت قد أوشكت على تصديقها،
إلا أن السؤال بقي قائمًا، ما هذا الشيء؟
خرافه؟ تعويذة؟ تلاعب من العوالم الآخرى؟
وفكرة رمي ثقل الفساد على شيءٍ خرافي بدى لي غير مقبولًا ولا قابلًا للتصديق، إننا نعلق فداحه أفعالنا على شمعات الخرافة
إلا أني أرهقت خلايا عقلي بالتفكير في ماهية هذا الشيء لبضع ثوان
ولم يكن هذا الشيء سوى الإنسان بحد ذاته!
نعم، الإنسان، بطمه، جشعه وجبنه هو السبب في كل ما أصاب الحضارة من سقوطٍ.
حين تجلّت أمامي حقيقة التاريخ انتابني كرهٌ عميق وارتأى لي التاريخ كذبةٌ لا داعي لها وليس له قيمة ولا هدفٌ.
أو ربما مبتغته هو تَثقِيف الفرد كيف يصبح أَسْهَبًا في الرَذَالَة وأَرْدَى من سالفه.
أفقت من لحظة الفلسفة على حديث تلك الأنود عن الإسكندر، وقد بالغت في تنصيبه أرقى المناصب والتمجيد به، كأنها تُسوّق له كما يُسوَّق لمساحيق التجميل، كلما ذُكر اسمه زادت اللمعة وتضاعف البريق!
القاعدة تقول: وراء كل عظيم امرأة عظيمة.
بل وراء كل أسطورة ماضي ملوث وايادي بالدماء ملطخة وآثام حول الأعناق تلتف،
«فما كانت نشأنة الاسكندر؟»
«هاه؟
اااه، نشأ في بيئة ملكية، وكان منذ طفولته يتلقى التدريب على الفروسية، استخدام السلاح، والرياضة العسكرية!
يروى أنه روّض حصانه الشهير "بُوسيفالوس" وهو لم يتجاوز العاشرة، بعد أن عجز رجال القصر عن ذلك.
كان فضوليًا، محبًا للاستكشاف، ويمتلك حسًا قياديًا منذ الصغر.
حتى أن والده ترك له إدارة البلاد في حين غيابه، وهو ابن السادسة عشر!
تولى تعليمه الفيلسوف أرسطو، الذي لم يلقّنه الفلسفة والعلوم فحسب، بل زرع فيه حب الأدب الإغريقي، الشعر، والفكر السياسي، وغرس لديه فكرة "التفوق على الجميع".
وذلك ما جعله مزيجًا بين المهارة السياسية والعمق بشكل شاعري، مما جعله متسامحًا ومحبوبًا،
أتعلم أنه حين دخل مِصر لم يتلقى أي رفض أو مقاومة! على العكس، بل حظى بترحيب عظيم!»
«وراء كل أسطورة صدعٌ ووصراعٌ دمويٌّ يتستّر خلف الألقاب.
توقفي عن تزينه كما يزيّن الباعة البطيخة اليابسة بمديحٍ لا ينتهي.» ردتُ بابتسامةٍ سمجة، للتتسع عيونها وتفهم عن أي نشأةٍ اسأل وفرحتها بسأولي الأول خبت الآن وسكن ملامحها ضيقٌ وشعورٌ بالإهانة،
الفتيات مبالغات، لقد نطقت بالحقيقة فقط، ما بها غيورةً عليه، وكأنه نصبها محاميةً لسيرته الذاتية؟!
«أوليمبياس، أمه، كانت إحدى الركائز التي قامت عليها شخصية الإسكندر، إذ غرست به الثقةً بالنفس منقطعة النظير، ربته على أنه مميزٌ عن غيره...
دعمت طموحاته العسكرية وشجعته على السعي وراء المجد.
بقيت مؤثرة حتى بعد وفاته، حيث سعت إلى تأمين حكم سلالته...»
نبرتها التي خبت وصوتها الذي استحال طبيعيًا دون صخب البائعين تيقنت أنها ستجيب سؤالي كما يجب لذا لم أقاطع تلك المقدمة الهزلية.
«إلا أن علاقتها بزوجها فيليب توترت، وبطريقةً ما لم يكن الإسكندر مجرد ابن أو انسان مميز، بل أداة انتقام..»
أوه... عائلة متصدعة، ونظرًا لدورها في تكوين شخصيته وفِكرُه لا شك أن علاقة الابن بأبيه توترت...
«أُردي فيليب قتيلاً على يد سَدنته الخاص الذي ائتمنه على حياته، وبطريقة أو بأخرى يد زوجته وابنه ملطخان بدماءه!»
بقي أن نصمت لساعات أو أيام ونردتي شرائط سوداء حدادًا على روح فيليب!
ليشرح أحدهم لتلك الأدمية أن فيليب لَقِي مصرَعه من 23 قرنًا ونصف القرن! وقد تحللت جثمانه! زوجته شخصيًا لم تقم عليهم تلك الدراما...
بالطبع الآن دماغ أي سامِع ترسم والدته الإسكندر وتنصبها أرقى مناصب الظلم والغدر...
ولكن خذها قاعدة توترت العلاقة بين الأب وابنه بسبب الأم وقررت الزوجة قتل زوجها فاعلم أن ذلك لم يحدث من فراغ وأن في الحكاية امرأة، احم وتهميش لا لا،ليس الذي في بالك، بل تهميش سياسي قد ينتهي بابعاد ابنها عن الحكم.
«ليس هذا وحسب، بل قتلت زوجة فيليب الثانية وابنتها بكل وحشية...»
ابتسمت بسخرية في حين هربت هي بنظرتها حين شعرت بأنها خسرت في المُرافعة عن مواكليها وأثبتت جرمهم وخيانتهم عوضًا عن إلباسهم رداء البراءة..
«و... إلى مَن آلت تلك الإمبراطورية بعد وفاة الإسكندر؟»
أنستاسيا طرحت سؤالها لتغير الحديث لا أكثر وإعادة الحماسة التي وأدتُها توًا...
أشفقُ عليها، لا تملك ذرة اهتمامٍ للتاريخ ورُغم ذلك تتسأل وتركز في الحديث، لا لشيء سوى لتصفية الجو بعد أن أعكره أنا،
ورغم ذلك لا اعتذار،
مَن عَينها منظفًا لمواقفي؟
مَن شكى عكارة الهواء؟
«شاء القدر أن يفنى ابنها في عمرٍ يناهز الثلاثة والثلاثين، والذي لم يُذكر في دروس التاريخ ولعل أغلبهم لا يعرفه
أن الإسكندر كان يملك ابنا! نعم، الإسكندر الرابع والذي ولد من زوجته روسكانا بعد وفاة الإسكندر..
حاولت أوليمبياس حمايته إلا إنها لَقِيت حَتفَها وبعدها قُتلت روسكا وابنها، قُسمت الإمبراطورية بين قواده.»
ولن استعجب إن كان موت الإسكندر ناتج خيانة،
التاريخ بطريقةٍ أو بأختها يعيد نفسه وبطريقة أكثر حقارة ودنائنة وكأننا لا نتعلم من أخطاء السابقين بل نتعلم كيف نخفي الجرائم أكثر وكيف نشتدُ اثما.
«ويااه ، تخيل أن الإسكندر بعد أن شيد هذه الإمبراطورية العريقة وحقق تلك الانجازات لم يحصل على شخص واحد فقط موثوق!
أمه رأته أداة ثأر، زراعهُ الأيمن أهلكه، وقادته قسموا ثروته وقتلوا ابنه وزوجته لضمان إنهاء سلالته.
لقد كان ضحيةً..»
أنود حتمًا أرمله، لاتزال تبكي الإسكندر بل ونسله أيضًا بشكلٍ بأس جعلني أشفق عليها..
«ألم يكن له عشيقة؟!»
مَن شابه أباه فما ظلم، تبددت تعابير الحِداد شيئًا،
«بلى، بارسين وكان له ابنٌ منها، إلا أنه قُتل في ظروف غامضة، برأي لا ضحية في القصة سوى روسكا!»
«فلتأسى على نفسك، أنتِ الكامليا الحمراء الداكنة»
ضحية لهم..
ابتسمت الحمقاء...
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!