ريحان
وتردَّدَ في الصّدى حُبٌّ للوطنِ،
عن فخرٍ مرَّ عليه الأزلُ.
رفعنا الرأسَ شامخين،
فبينَ ليلةٍ وضُحاها، سُمع هنا صاروخُ الفرحين،
وهناك صُمَّتِ الآذانُ بعَصفِ قذيفةِ العدوّين.
أيًّا أرضًا بكِ الحُبُّ،
أيًّا مسلمًا أنتِ في الجُبِّ!
عن الأوطانِ تحكين،
أبقطعةِ ترابٍ تفخرين،
وهي ضامّةُ الأحبّةِ شاربةُ الدماء؟!
ألا على الروحِ تحزنين؟!
-أن تدمع وتحترق..
-رويناء.
....
«أتساءل حول نوعية الموضوع الأطول منكِ الذي ستُكدرين صباحنا به.» نطق ساخرًا حين تنبه أني سألتهم أذنهم -كما يدعي- اليوم أيضًا كما فعلتُ أمسًا..
«توقف عن السخريةِ مني؟!»
رفعت اصبعي أمام وجهي احذره وتهديدٌ ضعيفٌ كهذا لم يكن ليجعله يرمش حتى!
«ومن تكون حضرتك؟»
سأل مكتفًا يديه، ودون ترك فرصةٍ لي لأجيب أجاب هو بما جعلني أشخص
«مطلقةٌ، بعيونٍ موحلةٍ تسكنها فُقعات كما المستنقعات، شعرها قشٌ مبعثرٌ، وبشرتها عجينٌ، تتلبس جسدَ طفلةٍ وتتخذ مهمة الراديو.»
إهانة وتنمر من أعلى مستوى، ولم يجب عليَّ الصمت أمام ذلك أبدًا، فطنتُ لعيونهُ غير متماثلة اللون..
«يتحدث سارق لون السماء بعينٍ، وقطعةٌ من القمر بالاخرى!»
هتفتُ بثقةٍ، وهو ابتسم بفخرٍ ليس كأني اسخر منه
أوه لقد مدحته توا، تغزلت به
سقطت ابتسامتي قبل تنمو حين أدركتُ أفاعيل لساني.
إلى أي داهيةٍ تَجُريني؟!
ضحك بصخبٍ،
«حاولي أكثر في المرة القادمة.»
وسخر مني مجددًا...
«لا تستهن بالقصرين على كلٍ.» أردفتُ بصرامةٍ ارمم احراجي.
رفع حاجبا وانطلق صوته مستهزاءً.
«لمَ؟ ماذا بمقدرتهم أن يفعلوا، صفع قدمي؟»
ناظرته بصدمةٍ وشيءٍ من الغيظ.
«أتعلم؟..»
«لا رغبة لي أن أفعل» رده أتى سريعًا مقاطعًا كأنه تنبأ بما سأقول وما كانت رغبتهُ لتمنعني.
«صاحب أكبر مصيبةٍ في تاريخ البشرية الحديث هو طالب صربي اسمه غافريلو پرینسیب»
«حتى القصير له حكاية!»
قاطعني يجعلني أستشيط غضبًا، إلا أني تجرعته بابتسامةٍ.
«تابعي، اجعلينا نرفع أنوفنا فخرًا مِن صنيع أقراننا في القامة.» راسيل أردفت تناظره بحقدٍ دفينٍ،
وملامحها العبسة تصرخ بأنه تم جرها إلى هنا قصرًا..
«تم رفضه حين أراد الانتساب للجيش الصربي بسبب قِصر قامته فأراد أن يثبت شجاعته فقام في نفس العام باغتيال ولي عهد النمسا الأرشيدوق فرانز فیردیناند وزوجته أثناء زيارتهما لـ"ساراييفو" الصربية في 28 جوان 1914.»
أدليت بمعلوماتي الثمينة بشكل موجز تمامًا، وصمتُ منتظرةً ردة فعلٍ منصدمةٍ، وقد كان لي ما أردت.
«ماذا ماذا ماذا؟!!» أرسولا خرجت عن صمتها بصدمةٍ ثُمانية الأبعاد.
تدخلت ايلاريا تكمل القصة عني كأنها تغني بينما تحرك يدها من اليمين لليسار ومن اليسار لليمين تُفرقع اصابعها
«لم تنتهي القصة إلى هنا، بل ذلك
الأمر أدى إلى الآتي :
النمسا أعلنت الحرب على صربيا.
غضبت روسيا وأعلنت الحرب على النمسا.
أدى إعلان روسيا الحرب على النمسا إلى غضب ألمانيا.
وإعلانها الحرب على روسيا.
فغضبت فرنسا على المانيا وأعلنت الحرب عليها.
فذهبت ألمانيا لتحارب فرنسا، فدخلت أراضي بلجيكا.
فغضيت بلجيكا وبريطانيا على ألمانيا وأعلنتا الحرب عليها.
فغضبت الدولة العثمانية لهجومهم على ألمانيا وأعلنت الحرب على الجميع.
فقضيت أميركا وإيطاليا واليونان ورومانيا والبرتغال على العثمانيين وأعلنوا جميعاً الحرب على الدولة العثمانية.»
«فاندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 وراح ضحيتها أكثر من 16 مليون قتيل و 8 ملايين مفقود و 2 مليون جريح» ختمت القصة أكبح ذاتي عن ذكر تفاصيلٍ أكثر
«وذلك لأنه قصير؟» أورابيدا سخر
«أخبرك فقط بنتائج غضب القصرين» قلت بفخرٍ ارفع رأسي شامخًا، رغم انعدام أسباب الفخر إلا أن المرء يواري خيباته في أحداث أشباهه..
«ولم غضبت تلك الدول؟» أنستاسيا تسائلت، بشيءٍ من الاهتمام..
«غضبت النمسا لأنّها رأت في الفعل إهانةً لهيبتها وسلطتها في البلقان، فقررت أن تلقّن صربيا درسًا لا يُنسى.
وغضبت روسيا لأنّ صربيا كانت ابنتها الصغرى في العِرق والدين، لا يمكنها أن تراها تُسحق دون أن ترفع سيفها دفاعًا عنها.
ثم غضبت ألمانيا، حليفة النمسا، لأنّ روسيا بتدخلها كسرت توازن القوى الذي كانت تسعى إليه.
وغضبت فرنسا من ألمانيا، لا حبًا بروسيا فقط، بل لأنّ جرحها القديم من حرب السبعين لم يندمل بعد، وكان الانتقام فرصةً لتضميد الكبرياء الجريح.
أما بريطانيا، فغضبت حين دُنّست حياد بلجيكا، فعدّت الأمر تعديًا على القوانين والأعراف، وتهديدًا لمكانتها كحامية للعدل الأوروبي....»
لم أكد أكمل بسط الأسباب حتى تدخل صوتٌ يكمل عني بشيءٍ من الجدية المستهزأة
«أمريكا وإيطاليا واليونان ورومانيا والبرتغال – ليس فقط من أجل المبادئ، بل لأنّ مصالحهم لم تعُد تجد مكانًا في عالمٍ تلتهمه النيران، فأراد كلٌّ منهم أن يكون له نصيب من رسم خريطة ما بعد الحرب.
أما عن العثمانيين، يهوون حشر أنفسهم متخذين صفات العرب.»
كان ذلك أورابيدا، رفعت حاجبًا أبدي الاعتراض،
«ليس هكذا أبدًا! الغرب هم من يهوون اللجوء إلينا!»
رفع حاجبًا غير مصدقٍ لابتلع رمقًا أقفذف كلماتي..
«العثمانيين كانوا على تحالفٍ مع ألمانيا.
في 1914 دخلت سفينتان ألمانيتان (غوبن وبريسلوا) إلى المياه العثمانية هربًا من الأسطول البريطاني، فسمح العثمانيون لهما بالمرور، ثم ضموهما رسميًا لأسطولهم. بعد ذلك قامت هذه السفن بقصف موانئ روسية في البحر الأسود باسم الدولة العثمانية، ما جعل روسيا وبريطانيا وفرنسا تعلن الحرب على العثمانيين..»
العثمانيون كانوا يخشون روسيا بشكل خاص لأنها تطمع في السيطرة على المضائق، فاختاروا التحالف مع ألمانيا التي وعدتهم بالدعم العسكري والاقتصادي.
-ابتلعت تلك المعلومة، لا يجوز روي ضعفنا وخوفنا.
«أنتِ لا تعبثي بي، هذا كله هراءٌ بحت، غضبت تلك الدول لأنّ الشرارة التي انطلقت من اغتيال ولي عهد النمسا لم تكن مجرّد حادثٍ سياسي، بل كانت صفعةً لكرامة إمبراطورياتٍ تتربّص ببعضها منذ زمن.»
صمتُ حين شقت كلماته رداء الزيف،
لقد صدق، لا مبرر لقتل الملايين...
إلا إن المرء يعجز عن الاعتراف بذلك كأنه شيءٌ غاية في الرتابه.
«ماذا تُجملين أنتِ؟! بأي فعل قصيرٍ تفخرين؟ فرد واحد استطاع إشعال حربًا عالمية، ومليارات الأفراد لم يستطع واحدٌ وضع حل السلام؟!!
تلك حربٌ لم يُشعلها ذكاءُ قصير، بل كرامةُ دولٍ وُئدت بالحماقة والطموح.»
ولربما هذه أول مرةٍ أرى سخطه، هل كان دوما هنا وأنا التي لم تنتبه؟
نبرتك صوته وحدة كلماته كانت أشد وطئًا من رصاص الغزو.
اعتكفت الخرس، فليس معي ما يُقال..
لقد أصاب جُلّ الحقائق والجراح..
.....
إن كان لأورابيدا حرفةٌ يتقنها، فهي شنق الهواء.
يكفي أن يتنفس حتى يُصاب الهواء بعسرٍ في التنفّس، وها هو ذا النسيمُ الصباحيُّ قد تحوّل بين يديه هواءً خانقًا، كأنما ضاق بضيقه وانصاع لمزاجه العكر.
سكن الكلام في السيارة كما تسكن الطيورُ عند أول صاعقة،
وأوّل من فقد لسانه كانت عنود؛ الكلمات عندها رصاصٌ طائشٌ، أصاب قلبها أولًا، ثم بثّ فحواه في عقلها، فشلّ لسانها عن الحركة.
واصلت القيادة كمن يقود ذاكرته لا مركبته، وجهها مطفأٌ، وعيناها تتابعان الطريق دون أن ترياه.
أما إيلاريا — تلك التي تُضحك حتى الرماد — فقد بدت عاجزة عن إحياء اللحظة.
فتحت فمها لتكسر الصمت، ثم أغلقته سريعًا؛
فهي لا تُجيد الكلام حين يضيق الهواء بالأنفاس.
أورسولا سقطت في النوم كمن ينسحب من معركةٍ لا يريد خوضها،
وأورابيدا غارقٌ في دهاليز ذهنه، يُقلّب الكلمات بحثًا عن سخريةٍ جديدةٍ يطعن بها السكون، لكنه – لحسن الحظ – لم يجدها بعد.
أوربما ينتظر أن ينطق أحدا ليخرسه،
أما أنستاسيا، فهي عادةً ما تُجيد إنقاذ المواقف التي يخنقها أورابيدا،
لكن هذه المرة بدت عاجزةً أيضًا، كأنّ شيئًا في الجوّ أثقلَ من قدرتها على التجميل.
ومع ذلك،
تُلقي سؤالًا بين الفينة والأخرى لعنود، فقط لتُشغل لسانها قبل أن ينطق أورابيدا بشيءٍ لا يُحتمل.
إلا أنها بالنهاية لم تستطع منع انحراف حوارهم، وانتهى بها الأمر صامةً كالحال الباقي
خرج صوتُ أنستاسيا، خافتًا أول الأمر ثم حاسمًا:
«انعطفي يمينًا».
التفتت الرؤوس إليها بريبة، كأنها نطقت بتعويذة.
أما عنود، فقد أطاعت بلا وعي، وما إن أدركت فعلها حتى اتسعت عيناها دهشةً.
«نعم، هنا. توقّفي».
قالتها أنستاسيا، فركنت السيارة على استكانةٍ تليق بإنهاك الجميع.
لم تسأل عنود عن السبب، فقد أُنهكت الأسئلة فيها.
إيلاريا كانت أول من تنفّس الحياة مجددًا، صاحت بفرحٍ صاخب:
«قولي إننا سنتناول الغداء هنا!»
مدّت عنقها لترى المكان عبر النافذة، فاستنكر أورابيدا بصوته الرتيب:
«مطعمٌ حقًّا؟»
«لقد انتصف النهار!» ردّت أنستاسيا وهي تفتح الباب،
«ألم يجُع أحدكم؟ أم أنكم تقتاتون على الدماء؟»
صرخت إيلاريا بحماسةٍ طفولية:
«بالطبع جعنا!»
قفزت من السيارة بعنفٍ جعل الأبواب ترتجّ،
ثم أسرعت نحو عنود، فتحت بابها كما لو تقتحم حصنًا، وجذبتها من يدها إلى الخارج، رغم محاولات عنود اليائسة للتملص.
كان المكان على شكل سفينةٍ زجاجيةٍ ترسو على النهر،
جدرانها السفلى من البلّور تعكس الماء، والعلوية مفتوحةٌ للريح والشمس.
بدت فاخرةً حدّ الجنون، مطعمًا قد يبيع المرءُ أعضاءه ليحجز مقعدًا فيه.
وبالتأكيد أنستاسيا ليست غافلة عن ذلك، لذا لم أهتم..
«سيكون منعشًا، لو جلسنا بالطابق الاخير، ما قولك أرسولا»
تقدّم أورابيدا بخطواتٍ متثاقلة، تمثّل التفكير العميق متعمّدًا إزعاج أورسولا التي تبعته متنهّدة.
شتمت بصمتٍ تناظره بملل..
جلس في منتصف القاعة كأنه يختار ساحة معركة.
كان لي رغبة في الجلوس بجاور الزجاج، قُتلت..
أجلست إيلاريا عنود في المقعد المقابل لأورابيدا،
فارتفعت حواجبنا جميعًا في انسجامٍ صامت.
هل أرادت أن تشعل النار حقًّا؟
وأورابيدا، بابتسامةٍ تفيض تكلّفًا، قطف زهرةً من الفازة، ومدّها نحو عنود.
ترددت لحظة، ثم قالت وهي تلتقطها بابتسامةٍ شاحبة:
«ألا تعلم كيف تُقدَّم الزهور؟
ومع ذلك، سأكون جابرةً للخواطر، وأقبلها.»
ردّ بابتسامةٍ أوسع، وقال:
«الريحان… تعني: غير مرحّبٍ بكِ.»
سقط الضوء من عينيها، وانطفأت ابتسامتها.
لقد وأد أورابيدا آخر معاهدات السلام.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!