بلوبيل
بلوبيل
جزء 16 من 17
وضع القراءة:

كفى أقحوان

اللَّهُمَّ بِلادَ الْمُسْلِمِينَ.
♣︎♧♣︎
『وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا』
___
«ربما حربٌ بين النجوم؟
أو لا، إنها منافسة مَن يحترقُ أكثر
وينزفُ أكثر؟»
بدى القمر قرمزيًا في صفحة السماء،
بل جُلّ ما أراه كان متشبعًا بلونٍ دمويٍ قاتم وكأن مجزرةً أُقيمت ها هنا.
«غالبًا، بدأت أهلوس.»
نهضت أدلف الغرفة أحكمُ إغلاق الشرفةِ وأسدل الستائر عليها، لأهوي بعدها في سرمدٍ لا أبصر فيه بصيصًا.
أخفضت درجة حرارة المكيف وارتميت على السرير،
وما إن صببتُ عيناي في بقعةٍ ما، تشكل شيءٌ ما أحمر
أو لنقل انسانٌ ما، -انسانة- إن صح القول،
ترتدي رداءً كرزي، وشاح بذات اللون يغطي شطرا من شعرها القرمزي.
عيناها الرمادية كضباب يحجب فاجعة الحقيقة جاحظة، تكاد تخرج من حجرها بشرتها مزرقة، وتوقٌ ما يشنق رقبتها..
ألقت عليَّ نظرتها الميتة فقابلتها بآخرى ساخرة
«أولئك الذين يملكون أفعالًا تذكر العالم بهم لا يحتاجون لمن يزرون قبورهم، أم ماذا يا حضرة القاتلة؟»
أضاقت بيَّ السبل لحد استدعاء طيفها المشؤوم ومحاورته؟
لاتزال مكانها بذات النظرة التي لا أعيها، وهالة ساخنة حولها رغم برودة المكان، كانت كأنها تغلي.
أيغلي الأموات حتى وهم أسفل التراب بلا جليسٍ ولا لقاء؟
متى الراحة إذن؟
هي حتمًا لا تؤنبني لعدم لهجر قبرها،
حقًا ما الذي كانت تنتظره على شاهد قبلها غير البصقات؟
«أرأيت البشر؟ رأيت غدرهم؟»
كم مرةً طعنتي غدرًا وبيد القريب قبل الغريب؟
بالتأكيد حدث ذلك،
«وولادتي أكبر دليلٌ لك.»
فهل تظنين أنهم بعد موتك سيفعلون أشياء تكون بمثابة الصدقة الجارية عليك؟
«وأنت حيةٌ كنت منسيةٌ، وإن ذُكرت سُببتِ، وما إن تشبثت بكِ أيديهم أُذوك، فما بالك وأنت تحت الأرض ينهشك الدود؟»
لمَ على البشرِ ترك أنفسهم لطيبة الناس ورحمتهم؟
المثير للشفقة أنهم ينادون بالاستقلال،
وأول نقطة للاستقلال لا تترك نفسك لرحمة الناس وحسنهم.
وثاني مبدأ لا تنتظر شيئًا، تحديدًا مِن بشري، وإن فعلت فليكن انتظارك انتظار أقحوان أصفر ليس إلا.
«ذُكرتِ، العالم كله يعرفكِ، لم يكن هناك داعي لترك وَلِدٍ خلفك كتذكير، تملكين محتوى يُدرس حاليًا للقتلة.»
ضحكتُ حين تذكرت القاتل تاليران قتل بذات طُرقها وترك علامات ودلائل خلفه وكأنها هي، لدرجة أن الاستخبارات لوهلة اعتقد أنها لا تزال حية!
رفعت كفها الأيمن تضم أصابعها، وقد نُقش رقمٌ في باطن كفها.
«لا رِثاء لميت، إرثِ روح الباقي.»
رمشت، يأتي لي طيفها، لم تنطق أبدا،
ويوم تنطق تنطق عن الرثاء والموت؟
أشماتةٌ هذه؟
«ماذا لكِ أن تفعلي لهم أو لنا؟ لقد دثرتك الكثبان!»
أغلقت عيني أصرف خيالها.
وقبل أن أهوي في سطو اللاوعي تذكرت شيئًا فنهضتُ أحثُ خطاي أخرج من غرفة الفندق وأدخل آخرى بيدي زجاجة ماء وكيس يحوي خبزًا وجبن.
«لم أخلك خفاشًا، لا يغمض في اليل»
اغلقت الباب خلفي أقترب بينما يجلس على الأريكة السوداء باسترخاء يمدد قدمه على الطاولة الصغيرة أمامه، يحدق بأركان الغرفة.
سريرٌ كبير يقابلهُ، وعلى جانبيه نافذة أغلقت بالحديد والخشب لا تسمح بشيءٍ بالتسلل،
غير ذلك كانت خاليةً.
«وهل تُغمض الفريسة في وكر مفترسها؟»
حررت قهقهةً أضع ما بيدي على الطاولةِ فنظر لها بثقبيه -عينيه- مستفهما
«عشاؤك»
ردتت أنوي المغادرة، أترك خلفي أصلعا مستفهمنا بكل ما للملامح من تعابير،
اعتدل في جلسته.
«الثانية بعد منتصف الليل؟»
«أعتذر حقا إن تأخرت عليك، لم اتذكر إني احتجز بشري سوى الآن، كما تر ذلك ليس موسم احتاز البشرين»
فقط إن لم يكن جائعا الآن ليتركها للغد ويوفر عليّ معاناة القدوم.
«لا يليق بك أن تقتلني بالسم.»
رمشتُ.
كم أنت متأخر، تلك الطرق انقرضت حتما،
ولو أردت لفعلتها في الثانية لتي لمس بها نصلي رقبته.
لم أرد.
خطوت خطوةً نحو الباب.
«بثاني لقاءٍ لنا، اخذتني في استجواب عنيف.»
أشار على أنفه المكسور وجهه المتورم.
هو حتما لا يذكرني بإحضار شيء ما ليعالج ما ألَم به.
«كلما هممتُ بالخروج ناديتني،
ألهذا الحد تخشى البقاء وحيدًا؟»
ضحك بجنونٍ وقد امتلئت الغرفة بصوته
«الغرفة عازلة للصوت، اضحك قدر ما تشاء لن يسمعك إنسٌ ولا حتى قرينك.»
لمعةٌ مرت بسويداء مقلتهِ وابتسامة تربعت، ابتسامة عجوز فخور لاكونه صمد حتى ير حفيد ابنه يحبو.
«يكفي أن تسمع أنت.»
رد وتعلقت عيونه بتأملٍ، ماذا به يتحلى بتعبير دافنشي كأنه يتأملني لوحة؟
«حان دوري.»
نبذ، علّهُ يقصد استجوابي كما فعلت معه
ولنتجاهل حقيقة أن ما فعلتهُ لم إلا سؤلا بريئًا وبعده حوار فلسفي بطبع ملحمي لا أكثر.
«على اساس أنك اجبت على ما طرحته؟ وعوضا عن لومي اشكر.
تعاملت معك بطريقة انسانية للغاية»
لم يرد إلا أن تعبيره المستنكر فعل، جعد جبينهُ وارتفعت وجنتيهِ في ابتسامة مغلقة، وأسفل اضاءة الغرفة لمعت صلعته، فبدى حينها مسلوخ الرأس.
«أجبت، لا شأن لي بنوعية الاجابة التي تبحث عنها»
سحبت كرسيا أجلس عليه بالمقلوب مسندا رأسي على ظهره.
« بالمناسبة، لمَ لم تقيدني للآن؟»
بجدية هل جلستُ لاستمع لهذا؟
«يؤلمك أن تكون حرًا في مساحة صغيرة لهذا الحد؟
غير أني أريح نفسي من التكفل بايصالك لقضاء حاجتك.»
لقد تركت له منفذًا ليهرب مني إلا أنه لم يفعل،
لأنه يملك أمرا ما لي، لا حاجة لتقيد رهينة لا تنوي الهرب.
تنحنح حين نويت النهوض
«أنا هدفك الذي اشاروا لك عليه، إذن لمَ لم تمسكني من البداية؟»
بجدية إلى أي حدٍ كان يريد تجربة شعور الخطف.
«لم أرَ منك ما يجعلك تكون هدفي.
ولازال سؤالي قائمًا.»
همم عيناه لا تترك عيني
«أنت لم تر، لكنهم رأوا»
«بعينهم لا بعيني ليضربوا بيدهم لا بيدي إذن.»
تلك المهمة لم ولن تروقني أبدًا،
وحين عودتي لأجعلن القاعدة العسكرية جحيما لهم،
وليعلموا معنى التعامل معي كبيدق.
«أرأيت؟ أنت هدفهم لا أنا.»
لم أجب.
لازلت بحاجة لكلمات أكثر لأربط الأمور ببعضها.
«ذلك لم يكن إلا استعراضًا لنا، ليوصلوا رسالة وهي: أنك بيدقهم ومغسول الدماغ لأجلهم.»
ضيقت عيني نحوه وقد بدأ يمسُ اهتمامي
«مَن تقصد بـ-لنا-؟»
شبك أنامله ينحني للأمام مقربا وجهه كمن يستعد
لالقاء قنبلة سرية
«منظمتي.
هم يعرفون نظافة سجلاتي -في العلن- سواء منظمتي أو منظمتك، وبأمرٍ منهم تقبضُ عليَّ وتهاجم بقية رفاقي والذين كانوا على الطائرة وحتما لو كنت حاولت أخذي كانوا ليقاوموك بشدة، هذا ما أرادوه.
حينها نحقد نحن عليك ونتخذك عدوا ولا نجعلك حليفا أبدا.»
ما.. الهراء؟
تسعون خلفي بشدةٍ وما لا تعلمونه أني فعلا لا أهتم،
بل لنقل أني لا علم لي بعوالمكم وخلافتكم مطلقًا ولا بأي شكلٍ كان.
وأقسم بانعدام اهتمامي تجاه كل ذلك.
«سواء قتلناك أم قتلتنا هم الفائزون.»
ختم حديثهُ يرتخي للخلف وكأنه يترك لي مساحةً للتفكير.
«نعطيهم اذن ما ارادوا إذن»
ابتسمت وسقطت تعابيرهُ بعقلٍ مشوشٍ
«تبدو كمحطة راديو رديئة، قُطع عنها الارسال»
اتسعت عيناه ونهض يخنق رقبتي،
عيناه ت٠ولان بالغرفة كمَن يستعد للفرار،
ماذا أظن أنه بامكانه اقناعي وغسل دماغي بدقائق؟
«أنستاسيا!»
في ثانيةٍ كانت لجانبي وبدهشةٍ تجمد هو لا يدرك متى تواجدت،
عارٌ على تدريباتنا لو كنت لاحظت وجودها.
«لا نملك ترافة الدهشة في عرين العدو»
لكمتهُ بقوةٍ اسقطهُ ليرتطم بالطاولةِ.
سحبته،
أهويه أرضًا.
«ها أنت ذا ستحصل على شرف تقيد يداك»
قيدتُ يداه للخلفِ وأنستاسيا اقتربت على عجلٍ
تحقنُ رقبته.
«حتى عقلك، سنقيدهُ، أتمنى أن الاكستاسي يرويك الآن» ثوان وعيونه بدأت تُغلق لكن ليس تماما
تركته فلم يبد مقاومة.
«بقدر الوقت التي سيأخذه لينتشر بجسدهِ سيبقى مسيطرا عليه. مع ذلك قد نجدد الجرعة.»
اعلمتني انستاسيا لأرفعه من الأرض أمددهُ على السرير.
خرجتُ من الغرفةِ أغلقها بإحكامٍ
«الغرفة والفندق كله مراقب من قبل ايلاريا،
إن حدث أمر ستعلمنا، وأرسولا تستطيع التصدي له.»
«الجرعة كفيله لهزم فيل، وتحليل دمه أوضح أنه لا يتعطى أي مضادات لا داع للقلق بشأنه»
همهمتُ لها أبتعد، قبل أن أتذكر أمرًا.
«هل كُلفت إلين بهمةٍ ما، فلم يرسلوها معكم في هذه المهمة؟»
سألت دون مقدمتٍ
«كُلفت نعم. لكن كان ذلك بعد مهمتنا والتي أتت بفراغٍ في اسم القائد، اي قائد مجهول»
اه،
لم يكن الأمر إذن أن إلين كُلفت بمهمة فأرسلوني بدلا عنها،
بل من البداية كان ارسالي مخططٌ له..
«لا أعلم لمَ.» همست أنستاسيا بضيقٍ.
«ربما لا يثقون بشقيقتك بما يكفي،
أو ربما ليست على مستوى كفاءة»
سخرتُ استفزها.
«هم الآن يكلفونها بمهمة أكثر غربة وسوءًا من هذه،
برأي أحدهم يملك ما يخفيه.»
آش اخبرني ذات مرة أن الاصوات تعبر عن النوايا،
كيف كان يفعلها؟
ذبذبة الصوت، ولمعة العين واتجاه البصر..
«حقًا؟ لمَ إذن؟»
لم أحرك ساكنا ولم أحد عيني عنها،
ضيقت عينها لثانيةٍ تطلع تصوبها لذراعي ثم رقبتي.
وصوتها هذه المرة_
«تعلمين، أختك مَن دفعتني لكسر ذراعها فلا داع لنظرة اللائم، لن أشعر بالذنب.»
لحظة انجراف المشاعر اصغي للصوت..
اشارت حيث الغرفة التي سجنا بها غريمنا
«هل استعملت عليه تقنية الصوت لتحضره متألما إلى هنا؟!»
يشبه صوت التعطش للثأر، صوتها،
الدماء تُقطر منه وكأنها تمضغ لحم بشري حيًا.
«هاه؟ أكنتِ تريدين إلتفاف الناس حولنا؟! لم أكن لأضيعه من يدي مرتان.»
اومأت تطبق شفتيها وقد تصلبت أكتافها هدرت بصوتٍ هادئ رغم اضطراب ذبذبته
«معك حق، بالنهابة تلك التقنية فقط على إلين.»
«أنهيتِ فقرة إلقاء اللوم؟»
استدرت مغادرًا
«حضرة القائد أورابيدا،»
اوقفني صوتها الرسمي وقد طرق كعبها الأرضية تقطع المسافة بيننا،
لم ألتف لها.
«إن كنت أنا أتعامل وفق ألقاب العمل، فصدقًا إلين لن تفعل إن علمت مَن قاتل والدتها، لن ترى سواك تأخذ منه ثأرها.»
ما هذا الآن؟ على أساس أنا قتلت والدتها؟
لحظة_ مَن والدتهما أصلا؟!
إلتفتُ أواجهها
«هل هذا تهديد أو ما شابه؟ أخبرها بنفسي الآن.»
وما كدت أفتح هاتفي حتى امسكته مني، لا تنتزعه.
«صدقًا ليس من مصلحة أحدنا أن تعرف إلين بشيءٍ حول هذا، اتركها في اعتقادها. أنا لا أهددك.»
لم أفهم خشيتها هذه.
«تعلمين أني أنحرها كما الديك الصغير قبل صرخة الفجر؟»
عضت شفتيها،
«بل انتبه لكي لا يستخدمها طرفٌ ثالثٌ ضدنا.»
همهمت بعدم اقتناعٍ
«وليس لأنك غلبتها مرة، ستفعل كل كرة.
إلين إن أصرت، تجعل حياتك جحيمًا.»
على أساس أن مثوايا جنة،
أوه كم أنا مرفه، ألا ترون الخدم يهرعون إليّ بما تشتهي الأنفس وتقر الأعين؟
ابتسمتُ رغمًا عني.
«وأنت الديك.»
هتفت بصوتٍ مضغوط.
«لكم شرف سماع غنائي كل صباح»
___
هاربة، ولا أجيد غيرهُ.
من سطو الواقع المريرِ إلى غياهيب التاريخِ كنت أفرُ فرًّا!
أنتقلُ بينهم عصرًا حضارةً، أجوب الحقائق بحثًا عن إرثِ العرب أتشبثُ به وأصرخ به..
كانت وسيلتي لرفع رأسي فخرًا كل يوم لأني عربية،
وأعيش بدولةٍ عربية ولن يتغير ذلك أبدًا.
مددًا.
لقد وصل بيَّ الحال أن أعيش في الماضي أكثر مما بقيتُ في الحاضر،
وكلما وجدتُ ثغرةً أو فجوةً إما رممتها أو تخطيتها إلى انجازٍ يطغى عليها.
أنا هاربة بكل ما للكلمةِ من معنى.
هاربة من الواقع.
هاربة من سرمدِ دواخلنا.
هاربة من حقائق الدماء.
أنا عنود، المائلة عن القصد في الحقائق.
إلى أن أتت الطامةُ الكبرى ولطمتُ على غفلتي مع تراشق رصاص السابع من أكتوبر.
لم أكن من المهللين، كنت من الخائفين المرتجفين،
رأيتُ ارتاد الرصاص بنا قذائف،
رأيتُ فيهم الحرائق والمذابح.
رأيتُ الهزيمة، لم يكن خيالا أو انتظارًا بل نظرة منطقي خائب الأمل شبع من انتظار لحظات الحظ والمعجزات فأقر بالهزيمة قبل أوانها.
هم أشدُ منهم بئسًا،
هم يفقونهم عددًا!
فأنى لنا بالنصر المظفر؟
كنت أخشى من خسارة قائد اخر،
كنت أوجَلُ من شدة المشاهد، ثقل الخبر، وعدد القتلا!
كنت ممَن تهاوا وتقاعدوا إذ ضُربت المصيبة.
كنت حمقاء.
كففتُ تعقب أنبائهم لذعري.
على نفسي!
أنانية!
لم أتبين أي جدوى من متابعتهم،
بالنهاية أنا لن أسحب بندقيةً وأقف بينهم أدافع عن قدسٍ وأهلٍ.
ذفرتُ بضيقٍ أخرج من جوفي سعار ما ألَم بي من وجدٍ، بينما أنتظر تجهز إيلاريا وراسيل في ردهةِ الفندق وعيناي على التلفاز.
مهما صممتُ سمعي وطَمْسني بالتاريخ ومجريات الحياة، بلغني تعاظُم الوقائع،
وكأن النار توقدت في الوطن العربي أجمع!
كانت الأخبارُ لي كالنازعات، تقتلعُ روحي وتحبسها في حلقي وهناك تختنق..
متى؟
متى صارت دماء البشر ريًّا للأرضِ!؟
السودان، تأزم الوضع بها نزاعٌ مسلَّحٌ حول الأرض الطيبةَ إلى حلبة معركة يدفع ثمنها شعبها دفعًا!
دبابات إدلب التي ولدت من رحم القصف تحث خطاها نحو دمشقٍ تهزهم هزًا!
القدسُ تستغيثُ بالدمِ قبل الصوت، وقد جلجل ألمهم العالم.
ومن كل ذلك لم يكن لي إلا الوقوف بعينٍ تتوقد كما لو كانت تحمل جمرًا،
أطحنُ أسناني علِّ أسحق مرارة الحسرة.
بئسًا لهذا الحالُ.
بئسًا!
«الشرق الأوسط تزلزل، وكأن بركانًا من الرصاص والقذائف قذف فيه، ودماء أبناءهِ تنفجر مغرقًا الأرض بلا هوادةٍ»
نطقت المذيعة تستمر بعرض صورٍ مختلفة لنتائج الحرب.
أطفالٌ أعدم الجوع أجسادهم،
نساءٌ يحتضن رُضع وقد كساهم رداءٌ خفيف لا يقي شيئًا من برد الشتاءِ وأمطارهِ.
جثث، جثث بعدد حبِّ الرمال متناثرةٌ هنا وهناك الدم متفجرٌ منها وعيونهم تشرح أي رعبٍ دق قلبهم بلا هوانٍ.
«جمعته! جمعت ابني.»
أبٌ يصرخ فرحًا وقد جمع أشلاء ابنه التي كانت متناثرة بين الركام،
جمعها في كيسٍ أسود وبعد احتفاله القصير ذاك.
ضمه، كما لو أنه يحشره في صدره ويغلق عليه،
وقد حكت عيناهُ أي ألمٍ هو هذا،
وصراخهُ صمَّ الأذان.
«لعنتم، لعنتم.»
احتقن الدمع بعيني.
بأي عصرٍ نحن؟
ألم ينته زمن الاستعباد والإبادة؟!
انتهى وبدأ آخر أشد دناسةٍ منه!
أراضي لُطِخَتْ بِدِمَاء أبنَائِها علَى يَد مُنْعَدِم عَقل وإنْسَانِيّة،
مُعتدي، سَلب حَق، ناهبهُ، غَصبًا.
يخالُ نفسهُ مَلاكًا!
أفواه سُكِرَت،
خَوفًا مِنْ بِضع كلِمات فَارِغة
وخسارة أموال فانية!
رب العن اليهود!
وإن اللوم لا يَقع فَقط عَلَى تِلكَ الكائنات معدومة الهوية!
وإنما عَلَى كُلِ إنسان، عَلَى كُلِ عَرَبِي،
لَم يَتَحرك، لَم يُقاطِع، لَم يُوقِف دَعم،
كل نفسٍ من أنفاسنا وكل نفسٍ ذُفر من أرواحهم وكُتم.
نحن عنه سنُحاسب!
سيلعننا التاريخُ حتمًا!
«أوه، ما هذا؟»
صدر السؤال من أورابيدا لأمسح عيني بعنفٍ أجيب بقسوةٍ لم أقصدها.
«الأخبار، ألا تتابع؟»
«أخبار من؟ ولا، لا أتابع نهائيا.»
ليس لي أن ألوم،
وأنا الذي يُعنيني الشأنُ أعرضتُ عنه.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.