تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
الفصل السادس عشر : " الم الوعد "
مرّ أسبوع على دفن ألبا، أسبوعٌ بدا وكأن الزمن قد توقف فيه بالنسبة لخافي.
تغير كل شيء في حياته؛ تنفيذاً لوصيتها الأخيرة ووفاءً بعهده، أصبح ينام في نفس الغرفة مع كلوي ليكون بجانبها وبجانب الطفل المنتظر، لكنه كان حضوراً جسدياً فقط... روح جائعة للحنان، وجسد منهك يعيش على بقايا ذكرى. كان يتقاسم معها الصمت والدفء الإنساني في العتمة، محاولاً بذل ما بوسعه لحماية الطفل الذي اعتقد أنه أمله الأخير في الحياة.
وعلى الصعيد الآخر، هجر خافي كل ما كان يربطه بعالم القديم. أوقف عمله كرسام وشم، وأغلق الأبواب في وجه زبائنه ورسوماته؛ فلم تعد لديه أي رغبة في إمساك إبرة الوشم بعد أن فقد ملهمته الوحيدة. كما لم يعد يصعد أبداً على دراجته النارية، تلك الدراجة التي كانت ترمز لحريته وشغفه، أصبحت مجرد هيكل حديدي بارد يذكره بضحكات ألبا وخوفها عليه وهي تتمسك بخصره.
كان خافي يقضي معظم ساعات يومه صامتاً، يقفون عند النافذة أو يجلس على طرف السرير، ويراقب بشغف وحزن عميق وشم "القمر" المطبوع على يده.
كان يمرر إبهامه برفق شديد على الحبر الأسود فوق جلده، متذكراً اللحظة التي وشمت فيها ألبا "الشمس" على يدها... لقد كان ذلك أول وشم تضعه في جسدها كله، اختاره بدافع الحب الخالص لتكتمل اللوحة بينهما؛ هي الشمس التي أضاءت عتمته، وهو القمر الذي يستمد نوره من وجودها.
والآن، رحلت الشمس، وبقي القمر وحيداً في عتمة الروح، يدور في فلك ذكرياتها ويعيش من أجل الوعد الذي قطعه لها.
في حلكة الليل، وقف خافي أمام النافذة المغلقة، يترقب أضواء المدينة التي بدت له باهتة وميتة.
كانت يده المرتجفة تقبض بضراوة على قلادتها الذهبية بحرف اسمها التي يطوق بها عنقه منذ يوم رحيلها. ضغط القلادة على صدره بقوة، وكأنه يحاول دمج روحها بقلبه المكسور، لتنفجر فجأة كل السدود التي بناها طوال الأيام الماضية.
انهار خافي بالكامل... سقط على ركبتيه أمام النافذة، وغرس وجهه في يديه المحتضنين قلادتها، واشتعل بالبكاء. كانت شهقاته طاحنة، بصوت مكسور ومحشش يخرج من أعماق رجل فقد كل ما يملك، ولأول مرة يترك لدموعه الحرية لتغسل كبرياءه وعجزه.
في تلك اللحظة، فتح باب الغرفة ببطء، ودخل ماركوس.
توقف ماركوس عند العتبة لثوانٍ، وعيناه محمرتان يتأملان صديقه وأخوه وهو ينهار بهذه الطريقة المفجعة. خلع قسوته جانباً، واقترب بخطوات هادئة وثقيلة حتى جثا على ركبتيه بجانب خافي على الأرض.
لم يقل ماركوس أي كلمات مواساة فارغة، بل وضع كفه القوية والثقيلة على كتف خافي المرتجف، وشدّ عليه بقوة وحنان أخوي، تاركاً إياه يفرغ شحنة الألم واللوعة التي تكتم أنفاسه.
فجأة، شقّ الصمتَ الخاطفُ في المنزل صوتُ صرخةٍ متألمة ومكتومة قادمة من الغرفة المجاورة... كانت كلوي تتأوه بعنف وصوتها يرتجف:
"خافي!... خافي، أرجوك... أظن أنه الوقت!"
توقفت شهقات خافي فوراً، وانتفض جسده كمن كهربته الصدمة. مسح دموعه بسرعة بظهر يده المرتجفة، وأغلق كفه بقوة على قلادة ألبا المعلقة في عنقه، وكأن روحها تشده وتبعث فيه القوة لمواجهة هذه اللحظة الحاسمة.
نظر إليه ماركوس بنظرة حازمة ومساندة، فأومأ له خافي برأسه، ونهض عن الأرض بخطوات سريعة متجاوزاً ألمه الخاص.
اندفع خافي نحو غرفة كلوي وفتح الباب، ليرى كلوي قابضةً على ملاءة السرير بوجع، وعرق المخاض يتصبب من جبينها، وهي تحاول التنفس بصعوبة،اقترب منها فوراً، وجثا بجانبها ممسكاً كتفها ويدها يطمئنها، وهرعت سوفيا ودانيلو خلفهما للمساعدة. وفي غمرة هذا الألم والخوف، همس خافي لنفسه بصوت خفيض و عينان تلمعان بعهدٍ لا يموت:
"لقد حانت اللحظة يا ألبا... سأفي بوعدي لكِ."
حمل خافي كلوي بين ذراعيه بسرعة، متجاهلاً ألمه النفسي. وفي لمحة عابرة، مرت عيناه على دراجته النارية القابعة في زاوية المرآب... نظر إليها بغربة شديدة، ورفض مطلقاً مجرد التفكير في استخدامها؛ فلم تعد ترمز إلا لذكريات قديمة لن تعود.
صاح بماركوس بنبرة متسارعة:
"المفاتيح يا ماركوس! سنذهب بسيارتك، فوراً!"
هرع الجميع إلى سيارة ماركوس، وانطلقوا بشدة نحو المستشفى والجميع في حالة سباق مع الزمن.
وبعد ساعات طويلة ومضنية من الانتظار والترقب أمام باب غرفة الولادة، شقّ الهدوء القاتل في الرواق صوت صراخ ناعم... صراخ طفل صغير أبصر النور للتو.
خرجت الطبيبة مبتسمة وهي تحمل المولود الجديد الملتف بالغطاء الأبيض. اقترب خافي بخطوات ثقيلة، يرتجف قلبه مع كل خطوة، ونظر إلى وجه الصغير الناعم الذي يبدو ملاكاً بريئاً لا ذنب له في هذا العالم.
تقدم أحد الأطباء مستنداً إلى الإجراءات الروتينية والقانونية، واقترب من خافي قائلاً بنبرة عملة:
"سيد خافي، نحتاج لأخذ عينة منك لإجراء تحليل النسب (DNA) وتوثيق الأوراق الرسمية للطفل..."
انقطعت أنفاس كلوي في غرفة البا ماتت قبل ان تفي بوعدها لها لكن خافي فاجأ الجميع حيث قاطعه فوراً بصرامة وقطعية لم تتذبذب. هزّ رأسه بالرفض، ونظر إلى الطفل ثم إلى السقف وكأنه يخاطب روح ألبا، وقال بصوت ثاقب يملؤه الثبات والتضحية:
"لا... لن نُجري أي تحليل."
صُدم الجميع ونظروا إليه بذهول، لكن خافي واصل كلامه بنبرة هادئة ورصينة:
"لا يهمني ما تقول الأوراق، ولا تهمني نتيجة أي تحليل في هذا العالم... هذا الطفل هو ابني، وسأكون له الأب والأمان والسند حتى آخر يوم في عمري، حتى لو لم يجرِ قطرة واحدة من دمي في عروقه. هذا عهدي لألبا، والعهد لا يُكسر."
انهمرت دموع كلوي كالمطر فور سماعها الكلمات خافي؛ لم تكن مجرد دموع ألم أو تأثر، بل كانت مزيجاً فاضحاً من الامتنان الشديد والذنب الجارف أمام النبل العظيم الذي أظهره هذا الرجل نحوها ونحو طفلها، ووفائه لذكرى ألبا.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!