الفصل الرابع عشر : " التضحية "
وفي إحدى الليالي الهادئة، وبينما كانت ألبا تتحرك ببطء ووهن في أرجاء المكان، سمعت صوت نحيب خفيض وبكاء متواصل يخرج من غرفة خافي .
رغم تعبها الشديد وثقل أنفاسها، دفعها نبلها للسير نحو الغرفة. فتحت الباب ببطء، ووجدت كلوي تجلس على طرف السرير، ضامة يديها إلى بطنها البارز والدموع تنهمر على وجنتيها بقلة حيلة وخوف شديد.
اقتربت ألبا منها بخطى هادئة وسكنت بجانبها، ثم قالت بصوت خفيض وناعم تعلوه نبرة التعب:
"كلوي... ما بكِ؟ لماذا كل هذا البكاء في حالتكِ هذه؟"
رفعت كلوي رأسها، وعندما رأت وجه ألبا الشاحب ونظراتها الخالية من أي كراهية، انهارت حصونها كلياً. لم تعد قادرة على حمل هذا السر الثقيل وحدها، خاصة وهي ترى كيف يذوب جسد ألبا بسبب المرض والغم.
أمسكت كلوي بيد ألبا المرتجفة، وقالت بين دموعها الحارقة ونبرتها المرتجفة من الذعر:
"ألبا... أنا خائفة جداً... أرجوكِ اسمعيني ولا تكرهيني..."
نظرت إليها ألبا بهدوء وهي تحاول التقاط أنفاسها:" كلوي انا اكثر واحدة افهمك ….هيا اخبرني لما البكاء و لن اكرهك وعد "
، لتابِع كلوي باعتراف مدوٍّ هزّ أركان الغرفة:
"هذا الجنين... هذا الطفل ليس ابن خافي! لقد كانت كذبة... كذبة اخترعتها لأنني كنت مرعوبة من فقدانه، وخائفة جداً من أن يكتشف الحقيقة فيتركني ويذهب إليكِ! انه ابن ماركوس !"
ساد صمت ذهول في الغرفة؛ اتسعت عينا ألبا بصدمة خفيفة، ووضعت يدها على صدرها محاولة تسكين ضربات قلبها المضطربة إثر هذا السر المفاجئ، بينما استمرت كلوي في البكاء وهي تنتظر ردة فعل المحامية المريضة التي تحمل بين يديها الآن مصير الجميع.
غمضت ألبا عينيها لثوانٍ معدودة، مستجمعةً كل ما تبقى في جسدها المنهك من قوة ورباطة جأش. احتوت صدمتها بالكامل، ولم تنطق بكلمة عتاب واحدة، بل غلبت إنسانيتها ونبلها العالي على كل شيء.
اقتربت من كلوي ببطء، ومدّت ذراعيها الضعيفتين لـ تضمها إلى صدرها بحنان بالغ وصادق.
اشتد بكاء كلوي في أحضانها وهي تشعر ب دفء ألبا ونبضات قلبها الضعيفة والمتسارعة، بينما مسحت ألبا على شعرها ببطء، وهما تتبادلان الدفء في عتمة الغرفة.
انحنت ألبا قرب أذن كلوي، وقالت بصوت خفيض جداً، ناعم كالمسكن، ويحمل ثقل وعدٍ صادق:
"اششش... اهدئي يا كلوي، لا عليكِ. تعدكِ المحامية... لن يعرف خافي أبداً و لا حتى ماركوس ، وسيبقى هذا السر بيننا."
شهقت كلوي بين دموعها الحارقة، واشتدّت قبضتها على ملابس ألبا بجعل وذعر، ثم رفعت رأسها وقالت بصوت مكسور يملؤه الخوف:
"لكنه سيفعل تحليل النسب فور ولادته يا ألبا! سيفعل التحليل وسيعرف كل شيء... سيكشف أمري لا محالة!"
ابتسمت ألبا ابتسامة باهتة ومسالمة، ومررت يدها الشاحبة على وجنة كلوي لتمسح دموعها برفق متناهٍ. أخذت نفساً عميقاً ثقيلاً يصارع ضعف قلبها المنهك، ثم نظرت في عيني كلوي بثبات ونبل نادريْن وقالت بنبرة هادئة وناعمة:
"لا تقلقي من هذا... سأزور نتيجة التحليل بنفسي و أضمن ألا يعرف الحقيقة أبداً."
اتسعت عينا كلوي بصدمة وذهول من تضحيتها، لتابع ألبا بصوت خفيض خنقته العاطفة والتعب، معلنةً حقيقتها المرة:
"انظري إليّ يا كلوي... أنا..انا لم يعد يبقَ لي سوى أيام معدودة في هذا العالم، وقلبي لم يعد يتحمل. لا أريد إخباره بأي شيء الآن لأنه سينهار كلياً بفقداني... وهذا الطفل، حتى وإن لم يكن من دمه، سيكون أمله وسببه للحياة والاستمرار بعد رحيلي."
امسكت ألبا يدي كلوي بقوة أخيرة، وانسكبت دمعة دافئة واحدة من عينها وهي تهمس برجاء أخير يخرج من أعماق روحها:
"لذا أرجوكِ يا كلوي... اعتني بخافي بعدي، وكوني بجانبه اعرف انك لست بهذا الشر حتى لو اظهرت لي عكس ذلك… انا اعرف تماما معنى الوحدة في هذا العالم القاسي ."
انهمرت دموع كلوي كالمطر، ولم تعد تجد كلمات تعبر بها عن حجم الخجل والندم والشعور بالذنب أمام هذا النبل الخارق.
اندفعت نحو ألبا واحتضنتها بقوة وحنان، ضامةً جسدها الشاحب والضعيف إلى صدرها، وغرست وجهها في كتفها وهي تبكي بانتخاب وحرقة، وتهمس بين دموعها بصوت مكسور:
"سامحيني يا ألبا... أرجوكِ سامحيني! أنتِ أنبل وأشرف إنسانة عرفتها في حياتي... كيف لي أن أكون بهذا السوء أمام قلبكِ العظيم؟"
كانت كلوي تبكي على خطيئتها، وعلى هذه المرأة العظيمة التي تواجه الموت بشجاعة وتضحية لا مثيل لها، مؤثِرةً أن تترك لخافي طوق نجاة وأملاً يعيش لأجله بعد رحيلها، حتى وإن كان هذا الأمل مبنياً على وهم صنعته غريمتها.
أما ألبا، فقد أغلقت عينيها واستندت برأسها التعب على كتف كلوي، ممررةً يدها الدافئة على ظهرها ببطء لتهدئتها.
وفي صمت تلك الليلة، امتزجت دموع الخوف بدموع الوداع، ولُفّت الغرفة بهالة سحرية من التسامح والنبل، حيث غسلت الرحمة كل أحقاد الماضي قبل أن تسدل الحياة ستارتها الأخيرة.
ابتعدت كلوي ببطء، ومسحت دموعها بكفيها المرتجفتين، ثم نظرت إلى وجه ألبا الشاحب بعينين يملؤهما الحب والاحترام الشديد.
أمسكت بيدي ألبا الضعفتين وشدّت عليهما برفق، وقالت بنبرة صادقة وخفيضة خرجت من أعماق قلبها:
"اذهبي إليه يا ألبا... إنه هناك ينتظركِ. خافي يحتاجكِ الآن أكثر من أي وقت مضى... لا تحرميه من وجودكِ بجانبه في هذه اللحظات."
أومأت ألبا برأسها ببطء وابتسامة باهتة لكنها مليئة بالدفء ترتسم على شفتيها.
استجمعت ماتبقى لها من طاقة، و نهضت ببطء شديد، تاركةً كلوي تدعو لها في سرها، بينما اتجهت خطوات ألبا المتعبة والمتئدة نحو الغرفة الأخرى... حيث ينبض قلب خافي بالحب والانتظار دون أن يعلم بحجم التضحية التي تقدمها أجمل محامية في حياته.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!