الفصل الثاني : " صدفة النهاية "
رن المنبه معلنا عن بداية يومها , جمعت البا ادواتها و عدلت هندامها المتناسق مع بشرتها و سارعت بترتيب صغير لشعرها ثم أخذت علبة دواء القلب و خرجت بأناقتها المعهودة
و لكن في زقاق مدريد الضيق ارتفع صوت صرير العجلات الصارخ ليشق الهدوء ، متبوعًا بزئير محرك دراجة نارية سوداء كادت تطيح بـ ألبا أرضًا. انتفضت خطواتها وتراجعت للوراء بسرعة، بينما تطايرت الأوراق القانونية من ملفها تتناثر على الحجارة القديمة. تناولت أطراف حلتها الرسمية وهي تحاول استعادة أنفاسها و موازنة دقات قلبها ، نظرت بغضب ساطع نحو السائق الذي أوقف دراجته الضخمة على بُعد إنشات قليلة منها.
خلع خافي خوذته ببطء شديد، لتظهر عيناه الغامضتان اللتان لم تبدي أي اعتذار أو إحساس بالذنب، بل نظرة حادة وهادئة تقرأ من أمامه بثبات. امتدت الوشوم السوداء على عنقه وذراعه تختفي تحت سترة الجلد المعتقة، مما جعل حضوره مظلمًا يفيض بالتمرد.
قال ببرود، وصوته الرخيم يحمل نبرة تهكمية:
"الشارع ليس قاعة محاضرات ، الأفضل أن ترفعي عينيكِ عن الكتب أثناء المشي."
اشتعلت عينا ألبا بالغضب، وتراجعت خطوة للوراء وهي تعدل شعرها المزاح، متقبلة التحدي بنبرة باردة تناسب طالبة قانون لا تهاب الضغط:
"والطريق العام ليس مضمارًا خاصًا بك. كدّت تتسبب في حادث تخرق فيه قوانين المرور، ناهيك عن الإزعاج والسرعة الزائدة في منطقة سكنية."
ابتسم خافي ابتسامة صغيرة لم تصل لعينيه ، وهز رأسه وهو متكئ على مقود الدراجة، يطالعها بنظرة فاحصة كأنه يراها للمرة الأولى:
"قوانين؟ أنتِ بحاجة لمن يعلمكِ أن قوانين الشارع لا تُكتب في كتبكِ الضخمة هذه."
وقبل أن ترد ألبا ، امتلأ الزقاق بضوء أزرق وأحمر ينعكس على الجدران، مع اقتراب دورية شرطة محلية باتجاه دراجته المركونة بشكل مخالف، اقترب شرطي المرور بخطوات صارمة وهو يلوح بدفتر المخالفات، ليتطلع إلى دراجة خافي ، ثم إلى الأوراق المتناثرة على الأرض. ألقت ألبا نظرة خاطفة على الشرطي قبل أن تعود بعينيها الصارمتين إلى خافي وقالت بنبرة متحدية:
"أريني كيف ستخرج من هذا الموقف الآن."
أرجع خافي رأسه إلى الخلف بقليل، وصمت لثوانٍ وهو يطالعها بعينين جامدتين تحترقان برغبة التمرد، ثم دنى منها ببطء ليقول بنبرة حادة:
"ستندمين، أيتها المحامية."
لم يمهلهما الشرطي وقتًا للجدل، بل اقتاد كليهما إلى مركز الشرطة القريب للتحقيق في الواقعة والتحقق من الهويات وتفاصيل الحادثة.
داخل المركز المزدحم، ورغم كل غضبها و مشاعر الحنق التي تملكتها، رفضت ألبا تقديم أي شكوى رسمية ضده. بل وعلى العكس، استغلت معرفتها الدقيقة باللوائح لتوضح للضابط وجود ثغرة إجرائية في كيفية تحرير المخالفة، مما أنقذ خافي من سحب دراجته النارية واحتجازها في الحجز البلدي.
و بمجرد خروجهما إلى باحة المركز الخارجية، كانت الدراجة تقف هناك سالمة. التفتت ألبا نحوه، وشبكت ذراعيها أمام صدرها بابتسامة ثقة هادئة وقالت:
"والآن... ما رأيك؟"
توقف خافي في مكانه، ووضع يديه في جيبي سترته الجلدية دون أن ترف له عين. طالعها بنظرة باردة ، وأجابها بصوت جاف لا يحمل أي امتنان:
"لا تتفاخري... أنتِ صحّحتِ خطأكِ فقط ."
ثم أدار ظهره لها متجهاً نحو دراجته النارية دون أن يمنحها حتى فرصة لردّ، لكنه توقف فجأة والتفت نصف التفاتة، ونظر إلى ملفاتها التي أعادت ترتيبها بصعوبة، ثم قال بنبرة حاول جعلها عابرة ولا مبالية قدر الإمكان:
"أتريدين توصيله إلى الجامعة؟ سأذهب إلى هناك على أي حال للقاء صديق... لا تظني أنني أفعل ذلك لأرد الجميل."
نظرت ألبا إلى ساعتها، لتدرك أن الوقت قد داهمها وأن محاضرتها القادمة على وشك البدء بفضل هذه الورطة. زمت شفتيها بتردد وهي تنظر إلى الدراجة الضخمة ثم إليه، وضعت يدها على قلبها المريض محاولة تهدئته، لكن العقلانية تغلبت على كبريائها فأومأت برأسها بصلابة:
"حسناً. لكن فقط لأنني متأخرة، ولأنك السبب في ذلك.. وبشرط ألا تسرع ."
اقتربت من الدراجة بخطوات حذرة، ببدلتها الأنيقة التي تتناقض تماماً مع معدن الدراجة الأسود. التقط خافي خوذته السوداء الوحيدة، وبدلاً من أن يناولها إياها، سحبها نحوه بخطوة قلصت المسافة بينهما بشكل مفاجئ.
حبست ألبا أنفاسها وهي تراه يرفع الخوذة بكلتا يديه، ليضعها بهدوء فوق رأسها. للحظة، التقت عيناها الواسعتان عينيه الغامضتين عن قرب، بينما كانت أصابعه الخشنة والمزينة بالوشوم تلامس أسفل ذقنها بخفة وهو يثبت حزام الخوذة. كانت رائحة سترته الجلدية الممزوجة بعطر رجولي حاد تحيط بها، مخلفةً وراءها توتراً جديداً وكيمياء غريبة لم تقرأ عنها في أي نص قانوني من قبل.
ارجع خافي جسده للخلف فور إحكام حزام الخوذة، معيدًا رسم ذلك السور البارد حوله وكأن شيئًا لم يكن. أشار برأسه نحو المقعد الخلفي وقال بنبرة جافة:
"اركبي... وتمسكي جيدًا إن كنتِ تخافين السرعة لهذا الحد ."
ترددت ألبا لثانية وهي تنظر إلى المساحة الضيقة خلفه، ثم صعدت بحذر محاولةً الحفاظ على مسافة أمان بينهما، ووضعت يدها بثبات على كتفيه المكسوتين بالجلد الأسود.
انطلق المحرك بزأرة قوية جعلتها تتمسك به تلقائيًا لثوانٍ قبل أن تستعيد توازنها. انطلقت الدراجة تشق شوارع مدريد الفسيحة، ومر الهواء المتدفق بجانبها ليحمل معه رائحة المدينة الممزوجة برائحة سترته. كانت المتناقضات تطوقها في تلك اللحظة: طالبة القانون الأنيقة بخوذة داكنة على ظهر دراجة نارية متمردة، تحلق في الشوارع برفقة غريب لم تعرف اسمه الكامل بعد.
بعد دقائق معدودة، توقفت الدراجة بسلاسة أمام البوابة الرئيسية لكلية الحقوق. فكت ألبا حزام الخوذة بسرعة و خلعتها، لينسدل شعرها بانسحاب هادئ. و ساعدها خافي لتنزل وهي تعدل جاكيت بدلتها ، ثم قطعت المسافة لتناوله الخوذة وهي تحاول أن تبدو متماسكة وغير متأثرة بالموقف:
"شكراً على التوصيلة... بالرغم من أن قيادتك تحتاج لإعادة نظر قانونية."
أخذ خافي الخوذة منها، وارتسمت على شفتيه شبه ابتسامة غامضة، قبل أن يلتفت بعينيه الثاقبتين نحو مدخل الكلية الرئيسي، حيث كان يبتعد رجل ثانٍ ينظر بنظرات متفحصة نحو الدراجة.
التفت خافي إليها مجددًا، وقال بصوت خفيض وهو يثبت خوذته:
"لا تقلقي يا حضرة المحامية... التقينا مرتين في يوم واحد، والشوارع هنا أضيق مما تظنين."
وقبل أن تستوعب كلماته الأخيرة، أدار مقبض الوقود وانطلق بالدراجة مبتعدًا قليلا ، تاركًا ألبا تقف أمام كلية الحقوق مع أوراقها المبعثرة في حقيبتها، وقلبها ينبض بإيقاع أسرع بكثير من المعتاد
ظلت البا تلاحق طيفه بفضول لتعرف من هو صديقه لكن اتسعت ملامحه بدهشة حين وضحت ملامح الرجل …كان ماركوس !
ماركوس ليس مجرد معارف بالنسبة لها، بل هو حبيب صديقتها المقربة والأقرب لقلبها سوفيا رفيقة وحدتها ، والشخص الذي تسمع عنه دائمًا في جلساتهم الخاصة.
تبادل خافي وماركوس تحية سريعة ضرب الكفوف وبعض الكلمات ، قبل أن يلتفت ماركوس بالصدفة ليرى ألبا وهي تقف على بعد خطوات قليلة، زجاج الخوذة ما زال يلمع في مخيلتها والأوراق بين يديها.
اتسعت ابتسامة ماركوس وقال بنبرة ساخرة تدعو التفاجأ وهو يغمز لخافي :
"ألبا؟ لم أتوقع رؤيتكِ هنا في هذا الوقت! هل نزلت للتوك من دراجة خافي؟ هل تعرفان بعضكما؟"
تجمّدت ألبا في مكانها لثانية، محاولة لملمة شتاتها المعتاد قبل أن تنظر إلى خافي، الذي كان يراقب الموقف برأس مائل وابتسامة ساخرة تكشف عن استمتاعه بذهولها.
رَدّت بسرعة وهي تحاول إبقاء نبرتها طبيعية:
"لا، مطلقًا... كانت مجرد صدفة سخيفة بفضل مخالفة مرورية، واضطر للتوصيل فقط لرد... قصدي، لتصحيح الموقف."
ضحك ماركوس ونظر إلى خافي قائلاً:
"إذاً فقد التقت المحامية بأكبر متمرد في مدريد! خافي هو صديق طفولتي يا ألبا، لم أكن أعلم أن طرقكم ستتقاطع بهذه السرعة."
التفت البا بين ماركوس و خافي لترى نبرة السخرية بينهما لتقول و هي ترمق ماركوس بحدة:
" هل كان كل هذا مخطط منك ماركوس ! ما الذي تفعله بحقك ؟"
ليجيبها ماركوس و هو يرفع يده لشعره بارتباك :
" حسنا ،نعم اردتك ان تتعرفي على خافي لانه حقا يحتاج لمحامية ذكية مثلك في حياته …و انا حقا اثق بك "
زمت البا على شفتيها بغضب من هذه اللعبة التافهة ، في حين كان خافي يراقبها بتركيز ثم أدار محرك دراجته مجددًا، ونظر إلى ألبا للمرة الأخيرة قبل أن يقول:
"نلتقي قريبًا... يا حضرة المحامية."
انطلق خافي بثقة ، بينما وقفت ألبا تتطلع إلى أثره، لتستوعب ما حال بحياتها الهادئة
دخلت ألبا قاعة المحاضرات وأفكارها مشوشة بالكامل، لكنها قررت أن تطوي صفحة الصباح وتدفن سر موكلها الجديد "خافي" ودراجته في أعماقها. طوال اليوم، لم تنبس ببنت شفة أمام سوفيا؛ فسرعة الأحداث وغرابتها جعلاها تفضل الصمت .
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (1)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول