the sacrifice
the sacrifice
جزء 5 من 3
وضع القراءة:

الفصل الثالث : " الاستوديو "

استمرت في إخفاء ذلك لمدة أسبوع كامل لكن في ذلك المساء، كانت سوفيا تفيض حماسًا وهي تجرّ ألبا من يدها خارج منزلها ، بينما كانت الأخيرة ترتدي ملابس كاجوال مريحة على غير عادتها.
قالت سوفيا بابتسامة عريضة وعينين تتألقان بالحماس:
"ألبا، استعدي! الليلة خاصة جدًا ولن أتقبل أي اعتذار. ماركوس وأنا سنحصل على أول وشم مشترك لنا! أخيرًا أقنعته، وسنذهب إلى أفضل استوديو وشم في المدينة، المكان مميز جدًا وصاحبه فنان حقيقي!إنها بداية جديدة يا فتاة !"
ابتسمت ألبا بهدوء وهي تحاول مشاركتها الفرحة، رغم أن كلمة "وشم" أرجعت إلى ذهنها فورًا صورة الوشوم السوداء الممتدة على عنق وذراعي شاب الدراجة. ردت بثبات رغم قلبها الضعيف :
"وشم؟ سوفيا، أنتِ تعرفين رأيي في هذه الأمور... لكنني سآتي معكِ بالتأكيد لدعمكِ وتوثيق اللحظة."
أخذتهما السيارة عبر أحياء مدريد القديمة حتى توقفت أمام زقاق خافت الإضاءة، يعلوه إعلان ضوئي أحمر ينبض باسم الاستوديو. كان المكان يفوح برائحة الجلد، الحبر، والموسيقى الهادئة.
دفعتا الباب الزجاجي ليدخلا، وكان ماركوس بانتظارهما في الداخل. رحب بهما بابتسامة ، متجاهلا ضيق البا الذي أظهرته بنظراتها الحادة له ، ثم التفت نحو الجزء الخلفي من الاستوديو ونادى بصوت مرتفع:
"يا رجل، لقد وصلنا! أعدّ أدواتك، الفتيات هنا."
من خلف الستارة الجلدية الداكنة، خرج شاب يحمل بيده قفازات سوداء، يرتدي قميصًا أسود بلا أكمام يظهر كامل تفاصيل الوشوم المعقدة على ذراعيه...
تسمرت ألبا في مكانها وتجمّدت الكلمات في حلقها.
كان خافي.
رفع عينيه ببطء، و تلاقت نظراتهما لملايين الثواني. ارتسمت على شفتيه الابتسامة الغامضة ، وطالعها بنظرة حادة كأنه كان ينتظر هذه اللحظة تمامًا، قبل أن يقول بنبرة خفيضة موجهة للجميع وهو ينظر لها بثبات:
"أوه ! حضرت المحامية يبدوا انك تلاحقني ..أهلا بك في عالمي ."
سارعت سوفيا بنقل نظراتها بين ألبا وخافي بذهول تام، و قد ارتسمت معالم الدهشة على وجهها وهي تسأل بنبرة يملؤها الفضول:
"حضرة المحامية؟! ألبا... هل تعرفين رسام الوشم الخاص بنا؟! كيف؟ ولماذا لم تخبريني وأنتِ تعرفين أننا قادمان إلى هنا؟"
تجمّدت ألبا في مكانها لثانية واحدة، وشعرت بحرارة تتصاعد إلى وجنتيها تحت نظرات الجميع المتسائلة، بينما كان خافي يتكئ براحتي يديه على الطاولة الخشبية أمامه، يطالعها بابتسامة ساخرة ونظرة غامضة تتلذذ بارتباكها.
نظرت البا إلى سوفيا وقالت بنبرة جافة تحاول إظهار عدم الاهتمام:
"إنها مجرد صدفة عابرة يا سوفيا... التقينا بسبب بضع مخالفات مرورية وكاد يتسبب في حادث،وحبيبك هذا جعله موكلي.. هذا كل ما في الأمر. لم أكن أعلم أنه هو 'الفنان الشهير' الذي تتحدثين عنه."
ضحك ماركوس وهو يضع يده على كتف خافي وقال:
"ألم أحدثكِ عن خافي يا البا ؟ إنه ليس فقط أعز أصدقائي، بل هو أفضل من يمسك باجمل المحاميات في مدريد كلها!"
تقدم خافي بخطوات هادئة نحوهم، ونظر إلى ألبا بتركيز شديد جعل النبض يسرع في عروقها، ثم قال بصوت خفيض وساحر:
"بالتأكيد مجرد صدفة... لكن يبدو أن حضرة المحامية لا تستطيع الهروب من خرق القوانين اليوم، حتى لو جاءت إلى هنا كمشاهدة فقط."
ثم التفت إلى سوفيا وماركوس بابتسامة مهنية مفاجئة:
"تفضلا بالجلوس... لنبدأ بالرسم، ودعنا نرى إن كانت صديقتكما ستتحمل رؤية الحبر والإبر، أم أن هذا يخالف مبادئها أيضًا."
قطبت البا حاجبيها وهي ترمقه بنظرة حادة, بينما لم يقطع هو التواصل البصري بينهما حتى و هو يرتدي قفازاته السوداء بمهارة و سلاسة تامة. فجأة، رمقها بنظرة غامضة فيها لمحة تحدٍ ساخرة، ثم قال بصوت خفيض وصل إليها وحدها رغم صوت الموسيقى الهادئة في الخلفية:
"وماذا عنكِ يا حضرة المحامية؟ أتريدين وشمًا أنتِ أيضًا؟ أم أن الجلد النقي جزء من اللائحة التنفيذية لجامعتكِ؟"
رفعت ألبا رأسها بثبات، وشبكت ذراعيها أمام صدرها محاولة إظهار القوة وإخفاء الارتباك خفاقاتها الذي أحدثه حضوره، وقالت بنبرة حادة وباردة:
"جسدي ليس لوحة تجارب للإبر يا خافي. بالإضافة إلى أنني أفضّل الأشياء الدائمة التي تملك معنى حقيقيًا، وليس مجرد حبر يُرسم تحت الجلد بدافع التمرد."
توقف خافي عن ترتيب الإبر لثانية واحدة. نظر إليها، وارتسمت على شفتيه أشباه ابتسامة هادئة، ثم اقترب خطوة صغيرة منها وقال بصوت يحمل عمقًا غير متوقع:
"من قال لكِ إن الوشوم بلا معنى؟ كل خط يرتسم هنا هو جرح قديم تعافى، أو ذكريات نرفض أن ننساها... الوشم هو الطريق الوحيد لامتلاك شيء يخصكِ وحدكِ ولا يستطيع أحد سحبه منكِ، حتى القانون."
صمتت ألبا للحظة، فقد لمست في كلماته شيئًا من الحزن المخفي خلف قناع القسوة والغموض. قالت بهدوء أقل حدة من السابق:
"ربما... لكن العبث بالجسد للحفاظ على الذكرى ليس طريقتي. هناك طرق أرق للتقبل."
انحنى خافي على طاولته وبدى كأنه يبحث عن شيء ما بين أدوات ، ثم التفت نحو ألبا فجأة و قد انطفأت نبرة السخرية من صوته للحظات:
"ألبا... هل يمكنكِ مساعدتي قليلاً؟ فقط امسكي بكتيب التصاميم هذا وافتحي الصفحة المتعلقة بالخطوط الكلاسيكية، يدَاي مشغولتان بتعقيم الإبر."
ترددت ألبا لثانية، لكن لطافته المفاجئة ونبرة رجائه البسيطة جعلت دفاعاتها تنهار تدريجيًا. اقتربت بخطوات هادئة، وأمسكت بالكتيب الكبير، ثم وقفت إلى جانبه تمامًا تقلب الصفحات بمهارة وتطلب رأيه بهدوء:
"هل تقصد هذه النقوش؟ أم تلك التي تعتمد الخط الإسباني القديم؟"
ابتسم خافي ابتسامة حقيقية، هادئة، وانحنى بجانبه قليلاً ليرى الصفحة، لتلتصق كتفه بكتفها في تناغم غريب وسلس. أخذ يتردد بين الخيارات وصوته يتداخل مع صوتها بنعومة، وكأنهما يعملان معًا منذ سنوات، يكمل كل منهما حركة الآخر دون حاجة للكلام الكثيف.
على الكرسي المقابل، تبادلت سوفيا وماركوس النظرات. مال ماركوس نحو سوفيا وهمس في أذنها بابتسامة ذهول:
"هل ترين ما أراه؟ خافي لم يطلب مساعدة أحد بخلاف دانيلو في استوديو منذ سنوات... النظر إليهما معًا يبدو غريبًا بمدى تناسقه!"
ومضت عينا سوفيا بالدهشة وهي تراقب انسجام حركة ألبا الهادئة والمنظمة مع حركة خافي الفنية والسريعة، وقالت بصوت خفيض يملؤه الذهول والابتسامة:
"إنهما يبدوان كقطعتين من أحجية مختلفة تمامًا... لكنهما تركبان معًا بشكل مثالي عجيب."
أنار الاستوديو ضوء هادئ بينما كان خافي في منتصف عمله على وشم سوفيا، وألبا تقف بجانبه تناوله المسحات الطبية بدقة وسلاسة جعلت المكان يمتلئ بهدوء غير متوقع.
وفجأة... اقتحم هذا الهدوء صوت انغلاق باب الاستوديو بقوة مكتومة، ودخل رجلان بملابس داكنة ونظرات حادة لا تخطئها العين؛ لم يكونا زبائن، فقد كان التحفّز يرتسم على ملامحهما.
توقف خافي عن العمل فورًا. انقطعت الابتسامة اللطيفة عن وجهه لتعدو مكانها نظرة قاسية وغامضة كالصلب، والتفت بجسده كاملاً ليحجب ألبا خلفه بتلقائية وحماية خاطفة.
قال أحد الرجلين بنبرة تهديد خفيضة وهو يخطو خطوة للداخل:
"خافي... رئيسنا يريد رؤيتك الآن بشأن موضوع الدراجة والسباق الأخير. لن ننتظر طويلاً."
تغيرت أجواء المكان كليًا، وصادمة برودة مفاجئة أنفاس الجميع. شعرت ألبا بقلبها يخفق بسرعة، و باختناق انفاس خافي لذا و بذكائها القانوني والتحليلي جعلها تدرك فورًا أن هؤلاء الأشخاص يعتمدون على الترهيب وخرق القانون.
خطت ألبا خطوة ثابته لتصبح بجانب خافي، ورغم الخوف الذي يتملكها، نظرت إلى الرجلين بنبرة باردة وواثقة للغاية هزت ثباتهما:
"هذا المكان ملكية خاصة، ودخولكما بهذه الطريقة يُعد اقتحامًا وتهديدًا صريحًا يُعاقب عليه القانون الإسباني بالسجن. أي خطوة إضافية غير مصرح بها وسأقوم بالتواصل فورًا مع الشرطة الوطنية لتسجيل بلاغ بالاعتداء والتعدي."
تراجع الرجلان خطوة لوراء باستغراب من هذه الفتاة الأنيقة التي تتحدث بجمود وثبات قانوني لا يتزعزع. نظر أحدهما إلى خافي وقيل بحدّة:
"سنلتقي في الشارع إذن يا خافي..."
ثم استدارا و غادرا الاستوديو بسرعة.
تنفست سوفيا وماركوس الصعداء، بينما التفت خافي ببطء نحو ألبا. كانت نظراته تشتعل بخلطة عجيبة من الغموض، الذهول، والشغف... اقترب منها خطوة واحدة، وانحنى نحو أذنها ليردف بصوت خفيض وساحر:
"يبدو أن المحامية الهادئة تملك مخالب حادة في الشارع... أليس كذلك؟ لا تقحم نفسك في مرة القادمة "
تراجعت ألبا خطوة سريعة للوراء وكأن كلماته الساحرة قد لسعتها، رمقته بنظرة مشتعلة بالغضب والصدمة، وقد ربط عقلها كل الخيوط
قالت بصوت حاد وحازم، لم تراعِ فيه وجود سوفيا وماركوس:
"أنت وغد يا خافي! لم تكن مجرد مخالفة سرعة عابرة في الصباح إذن... 'الرئيس' و السباق الأخير'؟ أنت تشارك في سباقات دراجات نارية غير قانونية مع المافيا وعصابات الشوارع المنظمة!"
خيم صمت ثقيل على الاستوديو. شهقت سوفيا بصدمة ونظرت إلى ماركوس، الذي أشاح بوجهه بعيداً متجنبًا النظر إليهما، مما أكد لألبا أنه كان يعرف هذا السر المظلم عن صديقه ولم يخبرهم.
أما خافي، فقد تلاشت تلك الابتسامة الساخرة عن شفتيه تماماً واستبدلت بملامح صارمة ومظلمة. تقدم نحو ألبا بخطوة سريعة ومفاجئة، وقبل أن تتراجع، أمسك بمرفقها بلطف ولكن بحزم، وانحنى ليقول بصوت خفيض وجاد للغاية، خالٍ من أي سخرية هذه المرة:
"اخفضي صوتكِ ... هذا العالم ليس قاعة محكمة تلعبين فيها بالكلماتك. أنتِ لا تعرفين شيئاً عن هؤلاء الأشخاص، وتدخلكِ قبل قليل بشجاعتكِ العمياء قد وضعكِ للتو على رادارهم."
نفضت ألبا يدها من قبضته بحدة، ورفعت ذقنها بعناد وعيناها تلمعان بتحدٍ وكبرياء يرفض الانكسار:
"أنا لا أخشى أمثالهم، ولا أمثالك. القانون وجد لردع هؤلاء... لكنني لن أسمح لكما بأن تُجرا صديقتي إلى هذا المستنقع بسبب طيشكما."
أغمض خافي عينيه لثانية محاولاً كبح غضبه من عنادها، ثم نظر إليها بعمق وقال بنبرة محذرة:
"القانون لن يحميكِ في شوارع مدريد السفلية يا ألبا... و الان انا مجبور على فعل ذلك بنفسي بسبب غبائك !"
و ما ان انهى كلامه حتى همت باجابته فقاطعها بضرب يده على الطاولة الخشبية بقوة جعلت أدوات الوشم المعدنية تهتز وتحدث رنينًا حادًا أربك الجميع.
التفت إليهم، وقال بصوت هادئ لكنه يقطر غضبًا وتهديدًا:
"انتهى العرض... الجميع للخارج. الآن!"
شخصت عين سوفيا برعب وهي تنظر إلى ماركوس، بينما حاول ماركوس التدخل لتهدئة صديقه:
"خافي، اهدأ يا رجل، لم تقصد..."
قاطعه خافي بنظرة حادة كالموس وصوت كالرعد:
"قلت أخرجوا! ماركوس... خذ صديقتيك وغادروا الاستوديو فورًا. لا أريد رؤية أحد هنا الليلة!"
سحبت سوفيا يد ألبا بلهفة وخوف محاولة الخروج، بينما وقفت ألبا في مكانها لثوانٍ، عيناها لم ترمشا وهي تتطلع في عيني خافي المشتعلتين بالتمرد والغضب. لم تبدِ أي خوف من صراخه، بل رمقته بنظرة خيبة أمل كبرياء ثقيلة، ثم استدارت ببطء ومشت بخطوات واثقة نحو الباب.
أغلق الباب الزجاجي خلفهم بقوة، وفي الداخل، انطفأت أنوار الاستوديو المفصلة، بينما وقف هو في الظلام وحده، يتنفس ببطء، وأصابعه الموشومة تعتصر حافة الطاولة، وهو يعلم في أعماقه أن هذه الليلة لم تكن سوى البداية... وأن ساحة المعركة بينه وبين تلك المحامية قد فتحت أبوابها للتو
خرج الثلاثة من الاستوديو متوترين. حاول ماركوس الاعتذار عن تصرف خافي الحاد، واستقل ماركوس و سوفيا سيارتهما بعد أن أصرت ألبا على أن تعود بمفردها لتستعيد توازنها.
لكن الشارع المظلم لم يكن آمنًا تمامًا في تلك اللحظة؛ فبينما كانت تسير نحو موقف الحافلات، أضاءت كشافات دراجة نارية خلفها بخفة. تباطأ المحرك بجانبها، وظهر خافي مرتديًا خوذته وممسكًا بخوذته الأخرى في يده.
توقف بجانبها دون أن ينزل، ونظر إليها بعينين يخالطها القلق الذي حاول إخفاءه، وقال بنبرة خالية من العصبية:
"تلك العصابة ما زالت في الحي يا ألبا... اركبي، سأوصلكِ ."
رغم كبريائها وغضبها مما حدث في الاستوديو، صعدت خلفه بمساعدته المعتادة في حملها في صمت تام، وانطلقت الدراجة عبر شوارع مدريد المسائية حتى توقفت أمام بنايتها السكنية.
نزلَت ألبا وخلعت الخوذة و ناولتها له، وقالت بجفاف:
"شكراً"
استلم الخوذة منها، واستدارت هي لتصعد إلى شقتها. لكن بمجرد أن أغلقت باب شقتها ودخلت لغرفتها، شعرت بثقل غريب في صدرها ، صوت دراجته يختفي تدريجيا في سكون الليل، لتذكر نظرة القلق الحقيقية في عينيه وهو يوصلها، وسط الظلال المظلمة التي تحيط بعالمه.
أدركت ألبا أن ترك الأمور هكذا، وترك خافي يواجه عصابة خطيرة بمفرده ، أمر لا ينسجم مع مبادئها ولا مع ما بدأت تشعر به نحوه لن تترك أحدا للوحدة .
بدون تردد، اخذت جاكيت، و نزلت درجات السلم بسرعة لتخرج إلى الشارع... وعادت أدراجها نحو الاستوديو.
1 قراءة
0 إعجاب
1 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (1)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
منذ ساعة
هل اعجبتكم الرواية ؟😊

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.